بعد هذا البيان، نحن بحاجة إلى دراسة مقارنة للتحولات الفكرية المتعاقبة على امتداد المراحل التاريخية، بدراسة بعض المقولات الرئيسة في منظار حقبتين وتراثين: أحدهما: مروي عن حقبة الرسول وأهل بيته. والثاني: مروي عن فقهاء القرن الرابع وما تلاه من حقب تلت عصر الأئمة. وفي دراستنا المقارنة، سنلاحظ التغيير والتبديل الطارئ على منظار القيم، ومفاهيم العقيدة، بحيث يمكننا ان نحدد زاوية التحول والتغيير في المفاهيم، التي جعلت مقولات التراثين على طرفي نقيض، وهو ما يعبر عن انعطافة، أحدثت قطيعة بين الأمة وتراث الأئمة، لنكتشف إننا نقف أمام مسارين متوازيين، لا قُدّام مسار واحد متصل اخره بأوله، لننقض بذلك التصور الذي يوحي بان واقع الفكر الإسلامي المعاصر يمتد بجذوره إلى عهد الرسالة الأول ويتطور عنه تطورا طبيعيا، ولا نعدو الصواب، إذا ما أطلقنا حينها على ما جرى من تحوّل، حوّل مسار الأمة إلى مسار آخر، بأنه انقلاب فكري:
اعتبرت القياسات الارسطية والمبادئ الفلسفية عند أجيال الأصولية الأمامية من مقدمات علم الاجتهاد، بدعوه ان سلامة عملية الاستدلال تكفلها المعرفة بقواعد المنطق([i]) والمبادئ الفلسفية([ii]). وبنيت الكتب الأصولية التي كتبت في إطار بحوث الخارج على لغة تحتكم إلى المنطق بشكل صارم، وتستخدم مصطلحاته واقيسته على امتداد صفحاتها وبصورة مكثفة. بحيث لو أراد المرء، الذي لا يمتلك خلفية في المنطق الارسطي، ان يقرأ تلك الكتب ويهضم مادتها، لما تمكن من ذلك، الا بان يدرس المنطق الارسطي والفلسفة كمقدمتين أساسيتين، وهذا ما يفرض تحول المنطق الارسطي والفلسفة إلى جزء رئيس من برنامج الحوزات (: المعاهد الدينية الشيعية) لا غنى عنه بأي حال من الأحوال. ونموذج لتلك المباحث الأصولية مقررات مباحث السيد الخوئي في الأصول*، رغم انه هو القائل ان «علم المنطق لا توقف للاجتهاد عليه أصلا، لان المهم في المنطق إنما هو بيان ما له دخالة في الاستنتاج من الأقيسة والأشكال كاعتبار كلية الكبرى، وكون الصغرى موجبة في الشكل الأول، مع ان الشروط التي لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان، لانك إذا عرضت على أي عاقل قولك: هذا حيوان، وبعض الحيوان مؤذٍ، لم يتردد في انه لا ينتج: ان هذا الحيوان مؤذ. وعلى الجملة: المنطق إنما يحتوي على مجرد اصطلاحات علمية لا تمسها حاجة المجتهد بوجه، إذ ليس العلم به مما له دخل في الاجتهاد، بعد معرفة الأمور التي لها دخل في الاستنتاج بالطبع. والذي يوقفك على هذا ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الأئمة لأنهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من غير ان يتعلموا علم المنطق، ويطلعوا على مصطلحاته الحديثة»([iii])، والفارق بين الواقع وهذه المقولة، تجعل من هذه الأخيرة مزايدة، يضاف إلى ذلك ان ما ذيّل به السيد الخوئي كلامه، إنما هو ذات الحجة التي طرحها الإخباريون، في إشكالهم على علم الأصول، وإذا صحت هذه الإشكالية في حق المنطق عند السيد الخوئي، زعيم الخط الأصولي في حينه، فلماذا لا تصح في حق علم الأصول، فهو الآخر مما لم يحتاج إليه أصحاب الأئمة في عملية استنباطهم من نصوص الكتاب والسنة؟!.
دخل علم المنطق والفلسفة على علم الأصول، في الدائرة الشيعية الأصولية، فيما بعد الغزالي، الذي اقام علم الاصول على اساس المنطق الارسطي. إلا ان المنطق الارسطي كان له وجوده الباكر في الفكر المذهبي، لاسيما عند المعتزله، وهذا ما يدل على ان كلمة القياس، التي اشتهر بها مذهب أبي حنيفة لم تكن تخرج القياسات الارسطية عن مصاديقها، فالمنطق الارسطي دخل من خلال حركة الترجمة، التي حدثت بأمر من المنصور الحاكم الثاني في الدولة العباسية، وهي الحقبة التي عاش فيها الإمام الصادق. وهذا يدل على معاصرة أئمة أهل البيت ومدرستهم التأويلية، للمنطق الارسطي الموجود في مدرسة الرأي، كما وان كثافة الأحاديث الناهية عن القياس، والواردة عن أهل البيت، تشمل المنطق الارسطي في قياساته، لقد تأول أهل البيت العامل بالقياسات بإبليس. وبذلك اظهروا ان العمل بالقياس مسئول عن طرد إبليس من رحمة الله، ولهذا عزوا محق الدين إلى العمل بالقياس: «ان السنة إذا قيست محق الدين».
ان الخلفية التي ينبثق عنها موقف مدرسة التأويل من قياسات المنطق الارسطي، تدعو للتساؤل عنها، وعدم انكشافها قد يدفع الكثيرين إلى عدم القدرة على استيعابه، باعتبار ان المنطق الارسطي بداهات عقلية ومبادئ أولية، لا يمكن التنكر لها، هذا ما قد يقال، رغم ما يؤخذ على هذا القول من ضيق في الأفق. إلا انه ينطوي على مقدار من الصحة لا ينكر، لكن يغيب عن المستند في قناعاته إلى هذا التعليل، ان المنطق الارسطي، كما يكشف العلم الحديث، هو ليس كل المنطق، وتحديد العقل في إطار القياسات الارسطية بمثابة محاولة تحجيم البحر في جرة فخارية صغيرة، فالإشكال لا يرد على منطق أرسطو باعتباره بداهات عقلية، وانما يرد عليه الإشكال باعتباره الصيغة المنطقية السليمة، التي لا يتصور خروج النشاط العقلي الصائب عن أشكالها المعدودة بأربعة. فهذا التحجيم الارسطي للعقل مسئول عن تخلف الغربيين والشرقيين على حد سواء، ولم يتطور الغرب الا لما تخلص من أسر قمقم المنطق الارسطي، وبدأ يستكشف آفاق الأرض والسماء بمنطق اكثر سعة من المنطق الارسطي، وهذه الإشكالية الموجهة للمنطق الارسطي، تدعو للقول لو ان هذا المنطق يعصم الفكر عن الخطأ، فعلا، لما أدى إلى هذا الخطأ الفادح، المتمثل في تحديد العقل في الأشكال الأربعة للقياس!.
هذا من جهة، من جهة أخرى وهو الأهم، ان لكل النظريات المنطقية المطروحة مبادئ أولية انطلقت منها وشكلت خلفيتها، وان المنطق مهما نأى بنفسه عن ذلك، فانه يبقى في الحقيقة يدل على منطلقاته، ويشي بالخلفية القابعه ورائه، مما يعني ان لكل فلسفة نظريتها المنطقية، وهذا ما يجعل النتيجة تحرّف عملية وضع النظرية المنطقية، باعتبار ان المنطق ينبغي ان يكون البنية التحتية التي تقوم عليها الفلسفة كبنية فوقية، ولكن ان تَبني البنية الفوقية بنيتها التحتية ، التي تقوم على قاعدتها، هذا الأمر غير منطقي. ولذلك كان من العسير على الإنسان إنشاء نظرية في المنطق دون ان يدخل الأوليات العامة لنظرته للحياة، أي يدخل الفلسفة، في عملية وضع أسس النظرية المنطقية المزمع إنشاؤها. الا ان القول بتعدد النظريات المنطقية بتعدد الفلسفات، يثبت تعدد الأهواء ولا يثبت ضرورة تعدد المنطق، الا مع ارتكاب الأخطاء. لان المنطق الذي يمثل المنهجية التي تحكم فاعليات العقل الإنساني، ينبغي ان يكون واحدا. ويترتب على ذلك، ان المنطق الذي يمثل منهج التفكير السليم، لا يمكن ان يكون قاعدة لكل تلك الفلسفات المختلفة، مما يعني ان المنطق السليم سوف يقوّض أركان تلك الفلسفات المتناقضة بمبانيها المنطقية الخاطئة، ويبني فلسفته ورؤيته الشمولية للكون والحياة، والتي تمثل بحق الرؤية العامة والفلسفة الحقة.
وبناء على هذا، فان المنطق الارسطي كان نتاج الفلسفة الإغريقية، فهو مرتبط برؤية فلسفية تمثل إطارا كليا، له تفسيراته الخاصة لظواهر الكون والحياة، وتلك الفلسفة هي التي تقف وراء نظرية أرسطو المنطقية، والمسئولة عن بناء حدودها وبلورة مكوناتها، وعلى سبيل المثال، حفّز الوجود السفسطائي ارسطو على وضع المنطق، كما أملى عليه ان يحدد معاني الألفاظ، من خلال تقسيمها إلى خمسة، أبرزها تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز، بهدف صد السفسطائيين عن لعبتهم اللفظية، وهو تقسيم سنتبين اشكاليته، وهذا مثال يوضح كيف ان المسبقات الفكرية، هي التي تملي على أرسطو أحد مكونات مباحثه المنطقية.
والإسلام الذي جاء كرؤية شمولية للكون والحياة، أو بعبارة أخرى، الذي له فلسفته للحياة والوجود، هو الآخر لابد ان ينطوي على منطق من خلاله يفسر الظواهر الكونية والحوادث الواقعة تفسيرا خاصا به، يميزه عن بقية الفلسفات الأخرى ونظرياتها المنطقية، والذي يدل على هذا قوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}2/62، فالحكمة تعني وضع الشيء في موضعه، وان يعلمهم الحكمة، كما في الآية، يعني ان يعلمهم المنطق، الذي به يضعون الشيء في موضعه، ولما سئل الإمام علي: صف لنا العاقل؟ أجاب من منطلق هذه الآية: «هو الذي يضع الشيء في موضعه»، فالرسول جاء لكي يبعث العقول، وعملية بعثها تتم بان تتمكن من التقدير الصائب، الذي به تضع الأشياء في موضعها. فالحكمة بهذا المعنى هي العنوان الإسلامي للمنطق، كما عرف الإسلام المنطق بعناوين أخر من جملتها التأويل. وهكذا يتبين لماذا وصفت مدرسة الـتأويل التي قادها أئمة أهل البيت، المنطق الارسطي وقياساته في دائرة مدرسة الرأي، بانه انحراف عن الدين، بل استئصال ومحق له! باعتبار ان في ذلك إزالة للبنية التحتية التي يمثلها التأويل، وإبدالها ببنية تحتية أخرى. وذلك لن يتم الا بانهيار البنية الفلسفية الفوقية للدين المستندة إلى المنطق التأويلي. وفي ظل هذا التقعيد والتأسيس المبتدع، سيتم بناء رؤية فلسفية للإسلام متناسبة مع القاعدة الجديدة المتمثلة في المنطق الارسطي، ولان الرؤية الجديدة جدّةً محض، غير ممكنة، فان ذلك سيترتب عليه احتفاظ الرؤية المستحدثة بالعناوين المكونة للشريعة الإسلامية، مع استغراق التناقض لمضامينها، وهو ما يفرض التهافت والانهيار المضموني، وفي ذلك إفراغ للرؤية الفلسفية للإسلام من محتواها الداخلي، كما تنبأ الرسول: «لن يبق من الإسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه»، ولم تعد هناك إمكانية لإعادة المضامين إلى قوالبها، بعد ان تمت القطيعة بين الامة والقرآن بدخول المنطق الارسطي، الذي اثر على فهم الأمة للغتها، فتمت عملية تحريف اللغة، وبهذا التحريف للغة حُرّف القرآن. وهو ما أجّلنا بيانه إلى الفصل الأول من القسم التالي من هذا الكتاب.
وهكذا يتبين ان الكيان الشيعي، الذي رفض المنطق الارسطي زمن أئمة أهل البيت، هو الكيان الذي قبِل هذا المنطق بعد مرحلة أولئك الأئمة، وبعد ان اندثرت المدرسة التأويلية واختلطت الأوراق. ليصبح رفضه للقياس في الوقت الراهن، ليس امتدادا لرفض مدرسة أهل البيت للقياس. فبين الموقفين فارق ينكشف بمعرفتنا ان الرفض الحالي قشرة ظاهرية باطنها القبول، وكان الرفض التاريخي رفضا في الظاهر والمضمون، باعتبار ان الرفض الأول مبتنٍ على دراية كاملة بحقيقة القياس؟، وفيه تفصيل، لما يقبل من القياس وما يرفض منه؟ بينما جاء الرفض المتأخر للقياس مبتنياٍ على الجهل بمقصود الأئمة من القياس، والجهل لماذا رفض الأئمة ما رفضوه من أشكال القياس، لذلك انتهى الرفض المتأخر للقياس الى القبول بالمرفوض، وتلك هي المأساة!.
([i]) الشهيد الثاني، اللمعة الدمشقية، 3/70.
([ii]) محمد مهدي شمس الدين، مجلة الاجتهاد، العدد التاسع، مقالة بعنوان: الاجتهاد في الاسلام.
([iii]) ن، م.