نقد الذات

 

لقد انطوى الجدل الأصولي الإخباري على نوع من نقد الذات، في سبيل الخروج من الأزمة، بيد ان نقد المحدثين، في اغلب المراحل التاريخية، غائب أو مهادن، وفي مضمونه غير واقعي، لأنه لا يدعو الا إلى الجمود بالالتزام بالرواية فحسب.  ولما تجدد نقد المحدثين بقوة مع مجيء الاستربادي، فان الجديد في نقده انه صاغه بصورة عقلية تعتمد على التجرد من النصوص، في إطار جدلي يتميز به الفكر الأصولي. ويتجاوز بذلك التعاطي الفج مع النصوص، ليمثل الند المكافئ  للأصوليين، فشخّص خطأ الاتجاه الأصولي، الذي من الواضح انه تنكب الطريق تحت ضغوط المعركة المذهبية الحامية الوطيس، التي نشأ فيها جيل التحول بقيادة الثالوث. إلا ان نقد الاستربادي المتأخر، لم يؤثر في الأصوليين بصورة إيجابية، لاسيما وقد تكوّن لهم جيل من الآباء المقدسين، هم رموز الخط الأصولي الراحلين، الذين شغلوا القرون الخالية، وهو ما دعاهم إلى التعصب ورفض المراجعة للذات.

لقد كانت إشكالية الاستربادي القاصعة، بالإمكان إذا ما نظر إليها بصورة إيجابية، ان تمثل منطلقا إيجابيا لمشروع إعادة مراجعة ودراسة التراث، لاسيما مع تجاوز العقلية المتبنية للأصول، سذاجة العقلية الإخبارية المولعة بمناطيق الأخبار وحفظها، وهي الخاصية التي ينبغي ان تكون مهيأة لها، لان تراجع التراث بعقليتها المتحررة، بحثا عن المنهج الضائع. ان ضرورة استغناء الفقهاء حول أهل البيت عن نهج الرأي والقياس، يدفع بالضرورة للتساؤل: بماذا استغنى أولئك الأصحاب؟ ولن يكون استغناء المعاصرين بالإمام كافيا، للاعتبارات المتقدمة، التي تأبى حصر علم الأمة المترامية الأطراف في عقل واحد من أبنائها، مهما ارتقى مقامه، لاستحالة تلبيته لحاجاتها، فعقلية الإمام ينبغي ان تكون عقلية مثلى، فهو الأعلم، الا انه لا ينبغي ان يكون العالم الوحيد، وإلا ما القيمة من جعله قدوة، ما لم تكن الأمة مطالبة بالتمثل به، وتحصيل علمه على أساس استنباطي، لا تلقيني .

ثم ان المحدثين نشطوا في الحقبة التي برز فيها الاستربادي، واخذوا بالتصنيف والجمع لمزيد من كتب الحديث، وأنتجوا التفاسير المبنية على المحاكاة لتأويلات الأئمة. وكتبوا المقدمات، التي جمعوا فيها المقولات المتعلقة بمنهج التأويل، الواردة عن أهل البيت. ولكن اندفاعة جهودهم ما استطاعت الارتقاء إلى المقاربة بين تلك المقولات، للخروج بتركيب يمثل رؤية منهجية واضحة، يمكن ان يعتد بها كبديل يدفع بالأصوليين، لان يتراجعوا عن خطئهم. وكان المنطق يفرض على الأصوليين، في خطوة لاحقة لتوقف نشاطهم، ألا يتحولوا إلى السلبية، بوقوفهم في موقع المتفرج على ما يقوم به المحدثون، بل كان ينبغي ان يكونوا اكثر إيجابية، وذلك بالعمل بحثا عن الحقيقة المنهجية الضائعة في تراث أهل البيت، وان صدر عنهم شيئا من هذا القبيل، فانه لم يظهر للعلن، أو لم تترتب عليه نتائج ملموسة، فنستدل على وقوعه.

ان المراجعة للتراث، كما تكشف عن وجود الأحاديث الغفيرة الدالة على المنهج، تكشف إلى جانبها الكثير من الأحاديث الناهية عن منهج الرأي، وحين نجد الأصوليين يتبنون المنهج المخالف، لا نستطيع ان ننسب ذلك لعامل واحد بل الى جملة من العوامل تقدم بعضها، ونعزو أحد هذه العوامل إلى انبعاث الموقف الأصولي من ردة فعل متمردة على السطحية والتزمت، دعاهم إلى التحدي والمغامرة باختراق الحظر، والقفز في الفراغ، قفزة غير محسوبة العواقب! وإلا كانت الأحاديث المتضافرة في التراث الشيعي، الواصفة للاتجاه الآخر بالبطلان والمحذرة من الالتحاق به والأخذ من إنتاجه، واضحة لا لبس فيها. ومن جملة تلك الخطابات الناهية نورد الآتي([i]): روي عن النبي انه نهى عن الحكم في الدين بالرأي والقياس، وقال: «أول من قاس إبليس، ومن حكم في شيء من دين الله برأيه خرج من دين الله»، وقال (ص): «من أفتى الناس بالمقاييس فقد هلك واهلك ومن أفتى وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ فقد هلك واهلك»، وعنه: «شرار الأمور محدثاتها»،  عن علي بن أبي طالب: «لا رأي في الدين»، عن الحسين: «من وضع دينه على القياس لم يزل دهره في الارتماس مائلا عن المنهاج ظاعنا في الاعوجاج ضالا عن السبيل قائلا غير الجميل»، عن علي بن الحسين: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس»، عن الباقر: «من أفتى الناس برأيه دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم، فقد ضاد الله حيث أحل وحرم، فيما لا يعلم»، وعنه: «كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل وبال»، عن الصادق: «ان أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق الا بعدا، وان دين الله لا يصاب بالمقاييس»، عن سماعة عن أبي الحسن الكاظم: «قلت له كل شيء تقول به في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون برأيكم، قال: بل كل شيء نقوله في كتاب الله وسنة نبيه (ص)»، «كل شيء ما لم يخرج من هذا البيت - وأشار إلى بيته - فهو باطل»،«من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس في النار»، «ان دين الله لم يوضع بالآراء والمقاييس». فهذه الاحاديث رواها الرسول والأوصياء، فلم يكن هناك إمام من أئمة أهل البيت إلا وسجل موقفا ناقدا لمدرسة الرأي، وصمها فيه بالانحراف.

لكن هذه الأحاديث وأشباهها، لم تكف رجال الخط الاصولي عن المضي قدما في حقل الالغام الذي مثلته المساحة الفكرية التي شغلتها مدرسة الرأي، فنجد على سبيل المثال لا الحصر، رمز الأصولية السيد محسن الاعرجي، الموصوف برجل التحقيق والفقه، يطالعنا بمقولته: ان المخالفين .. فتحوا بابا عظيما لاستنباط الأحكام كثير المباحث دقيق المسارب جمّ التفاصيل وهو القياس،.. فاحتجنا إلى تلك المباحث والّف فيها متقدمونا كابن الجنيد، وابن عقيل، وتلاهما من جاء بعدهما كالسيد والشيخين وأبي الصلاح وأبي المكارم وابن إدريس والفاضلين والشهيدين إلى يومنا هذا، أترانا نعرض عن مراعاتها مع مسيس الحاجة لان سبقنا إليها المخالفون، وقد قال (ص) الحكمة ضالة المؤمن؟!!». فهو يرى ان الرسول قال: الحكمة ضالة المؤمن، دون ان يرى الأحاديث الصادرة عن الرسول والأوصياء والمستغرقة لأبواب من كتب الحديث تنهى عن الرأي والعمل بالقياس كممارسة شططية اشتهرت بها مدرسة الرأي!! وإذا تأولنا هذه الاحاديث على غير وجهها وألبّسناها على أنفسنا بحصر مفهوم القياس في إطار ضيق، ألا تكون الافكار الصادرة عن الدائرة المغايرة المتناقضة مع دائرة أهل البيت، كافية في اعتبارها في معيارية أضعف الإيمان أنها شبهة!! وقد تراكمت في التراث الأحاديث الحاثة على اجتناب الشبهات، والتي من جملتها: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه»،«الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكة»، «اورع الناس من وقف عند الشبهة»، «يا كميل! أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت».

ولا يعتبر التوقف حلا نهائيا، لاسيما في حالة مثل فقدان المنهج، وانما التوقف يهدف الى التروي، وإفساح المجال لاتخاذ الاحتياطات بإجراء المزيد من التحري لكشف الحقيقة، باستقراء ومقارنة النصوص واستنطاقها، أو بالرجوع إلى الأعلم الذي لا شبهة عنده في الموضوع، والذي هو إمام وحجة على من دونه، كما يدل على ذلك قول الرسول: «والوقوف عند الشبهة والرد إلى الإمام فانه لا شبهة عنده». ففي الرد إلى الإمام (:الأعلم) رد إلى السنة، بدليل قول الإمام علي في تفسير قوله: {فردوه إلى الله والرسول}59/4. قال : الرد إلى الله رد إلى كتابه، والرد إلى الرسول رد إلى سنته، فكان الرد إلى الإمام ردا إلى سنته، التي هي امتداد لسنة الرسول الصادرة عن الكتاب الناطق. والخلاصة، هي ان التوقف والاحتياط في الشبهات حكم اضطراري، وليس نهائيا، يهدف الى تبين وجه الحق.

كل هذه الحواجز تجاوزها الخط الأصولي وقفز عليها، وأسس مسارا عمره اليوم يربو على  الألف سنة. لكن النتيجة ان الأمة رغم كل هذه المسيرة الطويلة للفكر الأصولي، لم تزدد إلا حيرة وتخلفا، فلم تكن لهذه الأصول القدرة على تفعيل العقول وإطلاقها من أسرها، بل همشت الدين بحصر عقلية الإنسان المسلم في هذا الإطار الضيق من العبادات الفردية والمعاملات القديمة، وحوّلت الإسلام إلى مشروع لإنقاذ الفرد لا الأمة، ودين للآخرة لا للدنيا. فعلم الأصول بهذا ما زاد عقل الأمة الا جمودا، وتكلسا على الماضي، وتبعية للآباء، ولحقب التاريخ العدمية، التي أضفيت عليها هالة قدسية مفتعلة، وتنكرت لعصر الرسالة الأول، الذي قاده الرسول والأئمة، بالارتهان إلى الآباء اللاحقين القادمين في مرحلة الاختلاف والتحريف.

وهاهي العقائر، في وقتنا الراهن، ترتفع في الدائرة الأصولية تطالب بالتخلي عن (علم الأصول) وباكتشاف أصول بديلة. وتنطلق المحاولات الفردية، هنا وهناك، تلتمس الخلاص من علم الأصول بإنجاز بديل افضل. فكانت محاولات تجاوز علم الأصول المعاصرة تدين المسيرة منذ انطلاقتها الأولى، قبل قرابة الالف سنة. الا ان هذه المحاولات تسعى لسلوك طريق الخطأ حين تنطلق من الاجتهادات الذاتية في ابتكار علم أصولي جديد، ولا تنطلق من آية الإكمال الدالة بالضرورة على وجود منهج أودعه الرسول الأمة، وفرطت فيه ذاكرتها الممثلة في الجانب التراثي قيد الاستعمال، ولكنه مازال محفوظا في الجانب اللاشعوري من الذاكرة، الذي يتضمن الجانب المهمل من التراث، المودع في كتب الحديث.


 

([i]) المجلسي، بحار الانوار، 2/ 283-316. الاصفهاني، عوالم العلوم، 2-3/591-626. القياس في الشريعة الإسلامية، 20-42.