في هذا العنوان نتعرض الى الاجابة التي فيها برر المتأخرون الحاجة الى علم الأصول، الذي لم ينبثق في إطار حياة الرسول بالنسبة للسياق السني، أو الأئمة بالنسبة للسياق الشيعي. فلماذا انبثق علم الاصول خارج سياق رجال الوحي والقرآن؟ هذا الاشكال الذي القاه الاخباريون في مياه الاصوليين، فأوجد علامة استفهام كبرى لم يستطع الفكر الأصولي إغفالها، والتحلل من أعباء الإجابة عنها، الأمر الذي حيّره لفترة قرنين من الزمن، قبل ان ينجز/ أو يعثر على إجابة. سنمتحن مدى جديتها وموضوعيتها في استعراضنا الآتي.
«ان حاجة عملية الاستنباط إلى هذه العناصر الأصولية هي في الواقع حاجة تاريخية وليست حاجة مطلقة، أي إنها حاجة توجد وتشتد بعد ان يبتعد الفقه عن عصر النصوص، ولا توجد بتلك الدرجة في الفقه المعاصر لعصر النصوص»([i]). وبناء على ان الحاجة مرتبطة بالزمن في ابتعاده عن عصر النصوص كان من الطبيعي »ان علم الأصول على الصعيد السني دخل في دور التصنيف في أواخر القرن الثاني إذ ألّف في الأصول كل من الشافعي (ت 182هـ) ومحمد بن الحسن الشيباني (ت 186هـ). بينما لا نجد التصنيف الواسع في علم الأصول على الصعيد الشيعي إلا في أعقاب الغيبة الصغرى، أي في مطلع القرن الرابع بالرغم من وجود رسائل سابقة لبعض أصحاب الأئمة (ع) في مواضيع أصولية متفرقة«([ii])، »إلا ان هذه الكتابات لم تكفِ للقول بوجود علم أصول إمامي«([iii]). »ومن الطبيعي ان يوجد ذلك الفارق الزمني وان يسبق التفكير الأصولي السني إلى النمو والاتساع، لان المذهب السني كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي (ص) فحين اجتاز التفكير الفقهي السني القرن الثاني كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة، تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط الأمر الذي يوحي بالحاجة الشديدة إلى وضع القواعد العامة الأصولية لملئها. واما الإمامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي، لان الإمام (ع) امتداد لوجود النبي (ص). فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الإمامية في الاستنباط اقل بكثير إلى درجة التي لا تفسح المجال للإحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول. ولهذا نجد ان الإمامية بمجرد ان انتهى عصر النصوص بالنسبة اليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على درس العناصر المشتركة، وحققوا تقدما في هذا المجال على يد الرواد النوابغ من فقهائنا من قبل الحسن بن علي بن أبي عقيل، ومحمد بن احمد بن الجنيد الإسكافي في القرن الرابع«([iv]). «وهذا يعني ان الإنسان كلما كان أقرب إلى عصر التشريع، واكثر امتزاجا بالنصوص كان اقل حاجة إلى التفكير في القواعد العامة والعناصر المشتركة، لان استنباطه الحكم الشرعي يتم عندئذ بطريقة ميسرة دون ان يواجه الفقيه ثغرات عن عصر النص، واضطر إلى الاعتماد على التاريخ والمؤرخين والرواة، والمحدثين في نقل النصوص فسوف يواجه ثغرات كبيرة وفجوات تضطره إلى التفكير في وضع القواعد لملئها»([v]).
فكرة الحاجة التاريخية لعلم الاصول ليست وليدة ذهنية محمد باقر الصدر، الذي ننقل عنه أغلب هذه النصوص، لان طرح الصدر هو اعادة صياغة لفكرة متقدمة عليه، طرحت في معرض جواب الأصوليين على المحدثين، نجدها عند الوحيد البهبهاني (ت1208هـ)، حيث كتب في كتابه «الفوائد الحائرية»* الذي خاض فيه معركته ضد الإخباريين يقول: «لما بعد العهد عن زمان الأئمة وخفت إمارات الفقه والأدلة على ما كان المقرر عن الفقهاء والمعهود بينهم بلا خفاء بانقراض وخلو الديار عنهم إلى ان انطمس اكثر آثارهم كما كانت طريقة الأمم السابقة والعادة الجارية في الشرائع الماضية، انه كلما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى إمارات قديمة وتحدث خيالات جديدة إلى ان تضمحل تلك الشريعة. توهم متوهم ان شيخنا المفيد ومن فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة مبدعين بدعا كثيرة.. متابعين للعامة مخالفين لطريقة الأئمة ومغيرين لطريقة الخاصة مع غاية قربهم لعهد الأئمة ونهاية جلالتهم وعدالتهم ومعارفهم في الفقه والحديث وتجردهم وزهدهم وورعهم»([vi]). ونجد فكرة الحاجة التاريخية إلى علم الأصول بوضوح أيضا في نص السيد محسن الاعرجي (ت 1227هـ)، إذ كتب في وسائله ردا على المحدثين: «ان المخالفين لما احتاجوا إلى مراعاة هذه الأمور قبل ان نحتاج إليها سبقوا إلى التدوين لبعدهم عن عصر الصحابة وإعراضهم عن أئمة الهدى، وفتحوا بابا عظيما لاستنباط الأحكام كثير المباحث دقيق المسارب جمّ التفاصيل وهو القياس، فاضطروا إلى التدوين اشد ضرورة، ونحن مستغنون بأرباب الشريعة وأئمة الهدى، نأخذ منهم الأحكام مشافهة ونعرف ما يريدون بديهة، إلى ان وقعت الغيبة وحيل بيننا وبين إمام العصر (ع) فاحتجنا إلى تلك المباحث وألف فيها متقدمونا الجنيد وابن عقيل، وتلاهما من جاء بعدهما كالسيد والشيخين وأبي الصلاح وأبي المكارم وابن إدريس والفاضلين والشهيدين إلى يومنا هذا. أترانا نعرض عن مراعاتها مع مسيس الحاجة لان سبقنا إليها المخالفون وقد قال (ص) الحكمة ضالة المؤمن؟! وما كنا في ذلك تبعا وانما بحثنا عنها أشد البحث واستقصينا أتم الاستقصاء، ولم نحكم في شيء منها الا بعد قيام الحجة وظهور المحجة»([vii]).
فيظهر مما تقدم ان فكرة الحاجة التاريخية إلى علم الأصول، قد تمخضت عن الصراع الفكري الدائر بين الخطين الإخباري والأصولي، وان الفكرة وليدة عقلية الوحيد البهبهاني، وتبناها الخط الأصولي، وبدأ بالترويج لها فبرزت في كتاباتهم اللاحقة، كما وجدناها في كتاب السيد الاعرجي، ثم بلورها الصدر في كتابه «المعالم الجديدة» وأسهب في الحديث عنها، فكانت هي كل ما كتب في تاريخ علم الأصول، فيما يخص هذا الجانب. كما يلاحظ عند الالتفات إلى عبارة السيد الاعرجي، انه يعترف صراحة بقيام الخط الأصولي بعملية اقتباس لعلم الأصول من الدائرة السنية، فعلم الأصول هو بمثابة الحكمة، التي لم يجدها الخط الأصولي في التراث الشيعي، ووجدها في التراث المناوئ، وهذا ما جعل المحدثين يشنعون على رموز الخط الأصولي المفيد والمرتضى والطوسي ..
وتعتبر هذه الرؤية ردا على الاستربادي، الذي نجح في إحداث أزمة حقيقية، اضطرب لها الخط الأصولي بتألّب الرأي العام الشيعي عليه، مما أدى إلى شل نشاط الأصوليين على امتداد قرنين من الزمن، ونجاح الاستربادي في ذلك يعزا إلى إشكاليته المفحمة، التي يحدثنا عنها الصدر بالقول: «مثل انجح الأساليب التي اتخذها المحدث الاستربادي، ممثلا للاتجاه المحدّث، لإثارة الرأي العام الشيعي ضد علم الأصول والأصوليين، هو استغلاله حداثة علم الأصول لضربه، فهو علم لم ينشأ في النطاق الإمامي الا بعد الغيبة، وهذا يعني ان أصحاب الأئمة وفقهاء مدرستهم مضوا بدون علم أصول، ولم يكونوا بحاجة إليه، وما دام الفقهاء تلامذة الأئمة، من قبيل زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، ومحمد بن أبي عمير، ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم، كانوا في غنى عن علم الأصول في فقههم، فلا ضرورة للتورط فيه، ولا معنى للقول بتوقف الاستنباط والفقه على علم الأصول»([viii]). ولم يكن الإسهاب في استعراض محمد باقر الصدر في شرحه لفكرة الحاجة التاريخية لعلم الأصول الا لأهمية هذا الرد عند الأصوليين، في مواجهة الإشكالية الإخبارية، التي طرحها الاستربادي، حيث كتب الصدر بعد كل ما تقدم يقول: «ويمكننا ان نعرف الخطأ في هذه الفكرة على ضوء ما تقدم سابقا من ان الحاجة إلى الأصول حاجة تاريخية، فان عدم إحساس الرواة والفقهاء الذين عاشوا عصر النص بالحاجة إلى تأسيس علم الأصول، لا يعني عدم احتياج الفكر الفقهي إلى علم الأصول في العصور المتأخرة، التي يصبح الفقيه فيها بعيدا عن جو النصوص ويتسع الفاصل الزمني بينه وبينها. لان هذا الابتعاد يخلق فجوات في عملية الاستنباط ويفرض على الفقيه وضع القواعد الأصولية العامة لعلاج تلك الفجوات»([ix]). الا ان هذه التخطئة لا تتم، باعتبار ان هذه الرؤية المعنونة بالحاجة التاريخية لعلم الأصول، رؤية فرضية تعتبر نظرية، أقرب من ان تعتبر حقيقة نهائية ومسلمة، بُرر بها الواقع المفروض لعلم الأصول المسئول عن تحديد مفاهيم ومقاصد نصوص الدين، والذي بتطبيقه على التراث النصوصي الشيعي، تم بناء صرح فكري عريض ينسب لمتأخري الشيعة، وهذه النظرية التبريرية يمكن ان نمتحن موضوعيتها ومدى قدرتها على الصمود في وجه النقد في النقاط التالية:
الأولى: ان الضرورة تفرض وجود منهج لفقه النص، صدر عن الرسول وليس عن غيره، تلك الضرورة يفرضها كمال الدين على عهد الرسول، ولان بدون هذه الضرورة، يمكن القول بنقص وقصور الرسالة وبتقصير الرسول، وهذا محال ينفيه الكتاب عن الدين وعن الرسول، في قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}3/5، وهي الآية التي احتج بها الصادق، على رجل من المغيرية، سأله عن شيء من السنن، فقال(ع): «ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم، الا وقد خرجت فيه السنة من الله ومن رسوله، ولولا ذلك ما احتج بما احتج علينا، فقال المغيري: وبما احتج؟ فقال أبو عبدالله قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعتي ورضيت لكم الإسلام دينا}3/5، فلو لم تكمل سننه وفرائضه، وما يحتاج إليه الناس، ما احتج بما احتج به»([x]). فكان المنهج الاستنباطي من جملة السنن التي ينبغي صدورها عن الله ورسوله.
الثانية: إذا ما غضضنا الطرف عن النقطة الأولى، وسلمنا جدلاً بان المنهج وليد الحاجة التاريخية، فيمكننا التساؤل: هل وجود الرسول والوصي بين الأمة كافيا في إشعارها بعدم الحاجة إلى منهج تفقه به النص؟ ألم تكن هناك حاجات أخرى سبقت الحاجة التاريخية المزعومة تفرض ضرورة العلم بمنهج ينظم علاقة العقل بالنص؟ والجواب يمكن ان نجده إذا ما قمنا بمراجعة المنطلقات، التي انبعثت منها الرسالة، وطبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها، حيث يمكن ان نكشف عن مجموعة من الحاجات التي سبقت هذه الحاجة التاريخية المفترضة، وكانت مسؤولة عن انبثاق شعور الأمة بالحاجة الماسة إلى المنهج، وهذه الحاجات هي كالتالي:
لقد بعث الرسول رحمة للعالمين، وأرسل للناس كافة، كما يؤكد القرآن. وأي عقيدة على امتداد التاريخ أرادت الامتداد والبقاء، لا بد من ان ترسخ جذورها، وذلك بنشر تعاليمها، وإيجاد جيل عقائدي يكافح ويجاهد لنشرها، وهذا يتطلب ان لا يكون علم الرسالة محصورا حصرا حكريا على شخص، أو مجموعة مقدرة باثني عشر شخصا، يعيش الدين في ظلهم عصر اليقين الذي تلتقي الأرض من خلاله مع السماء، وبعد موتهم أو غيابهم تنقطع الصلة وينفض اللقاء، فتستقل الأرض وأهلها عن السماء وهداها، وتتخبط في ديجور عماها، رغم وجود القرآن بين أظهرها دون ان ينفعها. فصار أمر الدين مرتبطا بالأشخاص لا بالكتاب، وهذا محال. إذ هدى أولئك الأشخاص محمد والأوصياء يكفله القرآن، فإذا ما غاب الأوصياء عنهم، فان السبيل هو القرآن، بدلالة قول الرسول: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن (...) من جعله إمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار»([xi]). فأهل الأرض إذا ما غاب الأوصياء فان هداهم معقود بناصية الكتاب، لذلك في (حديث الثقلين) اعتبر الكتاب حجة، كما العترة حجة: «اني مخلف فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». فهذه المقولة تصدر عن الرسول الذي يتحدث عن المرحلة التي تلي رحيله، فتوقع غيبة العترة في بعض مراحل التاريخ، واوصي الأمة بالتمسك بالكتاب لضمان استقامتها، ولايمكن التمسك به الا إذا استطاعت ان تفقه الكتاب بالاستقلال عن الوصي، مما يعني ان علم الكتاب غير مقصور على الإمام الغائب، بل غير محصور في الرسول والأئمة منذ البداية!.
ان رقعة الدولة الإسلامية، التي اقتصرت على المدينة في بداية أمرها، أخذت لاحقا بالتمدد على ارض الجزيرة حتى شملتها بأسرها وعمت أطرافها، وسرعان ما تسارعت حركة الفتوحات لتضيف لرقعة الدولة الإسلامية أراضٍ شاسعة، وبلحاظ بدائية وسائل النقل والمواصلات المعتمدة على الدواب، فان الداعية الإسلامي، كان بحاجة إلى إمضاء شهور ليقطع على ظهر دابته أراض ممتدة على مدّ البصر، كلما توغل فيها عزلته عن التواصل مع مركز الدولة الإسلامية، التي فيها القيادة المرجعية. مما جعل هذا الوضع الجغرافي يفرض بلحاظ بدائية المواصلات، ضرورة وجود منهج للداعية كي يستطيع القيام بدوره كفقيه وقاض، فيقضي ويفتي في الحوادث المستجدة، والطارئة على التجمعات البشرية، التي يحط فيها رحاله مبلّغا، حيث الرجوع لالتماس الإجابات متعذرا. فكان لابد من منهج، ولو لم يتوفر هذا المنهج حينذاك لفرضت هذه الحاجة نفسها على المسلمين، ودعتهم لمطالبة الرسول به لأداء مسئوليتهم المناطة بهم. ويصادق على ذلك الواقع التاريخي، فقد ورد بعث الرسول للبعوث للقيام بمهمة التفقيه والقضاء، في أطراف الجزيرة كاليمن يفتون بتأويل الكتاب والسنة، في مسائل مستجدة تأكدوا من سلامة بعضها لما قفلوا راجعين إلى المدينة بسؤال الرسول.
فرض واقع التقية على رجال الرسالة انقلاب معطيات المعادلة في الحقل السياسي، فبعد ان كانت المعادلة تفضي إلى نتيجة تتمثل في الوصي، أصبحت تساوي إماما ضالا، مما عبر عن انقلاب كيان الأمة الهرمي رأسا على عقب. فاصبح خليفة الرسول وحزبه في أسفل درجة في سلم الأمة، وقريش التي شكلت الدرجة السفلى، أضحت في موقع السلطة، تستضعف الأوصياء وتضطهدهم بفرض الرقابة الدائمة عليهم، ولا يسلم الإمام في كثير من الاحيان من تحديد مكان إقامته، مما كفل عزله عن القطاع المؤمن بولايته، والمسترشد بفكره وقيادته. وهذا ما جعل الاتصال به مجازفة، وعملية متعذرة، تنطوي على الكثير من المخاطر، التي قد تكلف الإنسان حياته.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار هذا العامل الى جانب عامل التوسع الجغرافي، حيث تناثرت الكيانات الشيعية على رقعة البلاد الإسلامية، وانعزال أتباع الإمام الذين يمثلون دور الفقهاء والقضاة في تلك الكيانات والتجمعات البشرية النائية، فان الأمر حينها يزداد تعقيدا لدرجة غير قابلة لاحتمال فقد المنهج، فالحاجة تفرض وجود معرفة بالمنهج عند الفقهاء، وتفرض على الأئمة الذين كانوا رهن الإقامة الجبرية والسجون أو تحت الرقابة المشددة، ان يفطنوا إلى ذلك قبل حصرهم في مصائد الأعداء.
ونجد عند الرجوع الى سجلات التاريخ شهادته بأن الأئمة من أهل البيت، كانوا يُفقّهون الكيانات الشيعية المتبعثرة على خريطة الأمة، بما يبعثون في الآفاق من بعوث فقهية، مناطة بها مسؤولية تنوير تلك الكيانات، بتعليمها تأويل القرآن، وتصريف نصه على قراءات.
كذلك لا ينبغي ان يكون علم الكتاب منحصرا في إمام الأمة، سواء أكان الرسول أو الوصي. باعتبار علم الكتاب غير نافد فهو تبيان لكل شيء. ولم يكن الرسول/الوصي، قادرا على بيان كل شيء ولا الإجابة على كل تساؤلات أمة مترامية الأطراف، سيتسع مداها ليشمل الأرض بأسرها، وتتطور احتياجاتها ومشاكلها مع تطور الحياة وتقدم الزمن، ويدل على ذلك اعتراف الرسول الصريح: «الا ان الحلال والحرام اكثر من ان أحصيهما وأُعرفهما فآمر وأنهي عن الحرام في مقام واحد»([xii]). فبيان الرسول مثّل جزءا يسيرا من علم الكتاب غير النافد، وصار الاسلوب الأمثل ان لا يكتفي الرسول بإعطاء المسلمين الفتوى، بل يعلمهم كيف يصطادونها من القرآن. ولهذا علّم المسلمين التأويل كمنهج لاستنباط الفتوى من الكتاب، وحضهم على ممارسة الفتوى، وقال: «من أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك واهلك»، إلى آخر معالم المشهد التاريخي، الذي نذكّر به القارئ، لنوصل أفكاره بما تقدم من فصول. وإذا ما عاد الامام الغائب، سيعيد بعث المشروع التأويلي الاول ليعلم الناس تصريف القرآن على سبعة احرف، ليعود الأمر كما بدأ.
والخلاصة، لقد كانت الحاجة إلى وجود المنهج بين يدي المسلمين، حاجة مطلقة وماسة، حملت همها الرسالة منذ يومها الأول*، واُعتبرت هدف من أهدافها الحيوية، التي عليها المعول في بقاء الإسلام، لذلك اعتبر الرسول غياب التأويل إفراغا للإسلام من محتواه، فلن يبقى منه الا عناوين، وشعائر فارغة من المحتوى، ومن مضامين القرآن الغير متناهية، لن يبقى الا الرسم. ولذلك أكد الرسول على تعلم القرآن ونشر العلم به قبل ان يرفع. ثم إلى جانب هذه الحاجة ظهر اثر تنامي المساحة الجغرافية وبدائية المواصلات، مما عزز الحاجة عند المسلمين عامة، والدعاة الذين يضربون في الأرض لإبلاغ الرسالة خاصة، لاسيما وهم يتعاطون مع كثير من المستحدثات في المجتمعات، التي يحطون فيها رحالهم. ثم تغيرت الظروف بعد رحيل الرسول فعادت الجاهلية لتحتم العمل بالتقية، ليعطي هذا الأمر للأزمة بعدا جديدا يسهم في تعقيدها، فتتكثف معه الحاجة اكثر فاكثر للمنهج، فكل هذه الحاجات على امتداد المراحل التاريخية للأمة التي عاصرت الرسول والأوصياء، كانت تفرض مسيس الحاجة إلى المنهج، وكل هذه الحاجات سبقت الحاجة التاريخية المفروضة، والتي تبين إنها لم تفرض الا بعد ان سطت طلائع الخط الأصولي على علم الأصول ومُلحقاته من الدائرة المذهبية المغايرة. فأرادوا ان يبرروا فعلتهم، فابتكروا فرضية الحاجة التاريخية إلى علم الأصول، ليواجهوا بها اعتراض المحدثين.
الثالثة: ان التخطئة لحجة المحدثين لايمكن ان تتم، لان حجتهم، في الحقيقة، هي حجة قد ألقاها الإمام الصادق من قبل، وهم تلقفوها ليفحموا بها الأصوليين. ويمكن استعراض الحديث الوارد عن الصادق لنلمح المقارنة بين الحجتين في الإطارين، الإطار الذي ألقيت فيه والإطار الإخباري، فالإمام الصادق في إطار جدله مع أهل الرأي والقياس، الذين يمثلون الرواد الأوائل المنتجين لعلم الأصول في صيغته البدائية، قبل ان يُحسّن بجهود الأجيال اللاحقة ويعنون بعلم الأصول، قال (ع): «هل يستطيع أعداء الله ان يزعموا ان أحدا ممن اسلم مع محمد أخذ بقوله ورأيه ومقاييسه، فان قال: نعم، كذب على الله وضل ضلالا بعيدا، وان قال: لا، لم يكن لأحد ان يأخذ برأيه وهواه ومقاييسه، فقد أقر بالحجة على نفسه، وهو ممن يزعم ان الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض الرسل: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}144/3» ([xiii]).
والمقارنة بين الحجتين واضحة، فالصادق احتج على أهل الرأي والقياس، واحتج المحدثون على الشيعة الذين اتخذوا منهج الرأي والقياس، في صورته المحسنة. كان احتجاج الصادق(ع) بأصحاب الرسول، وكان احتجاج المحدثين بأصحاب الأئمة. وتلخصت حجة الصادق بالقول: هل احتاج من اسلم مع محمد إلى الرأي والقياس؟ وتلخصت حجة المحدثين: هل احتاج أصحاب الأئمة إلى علم الأصول (: الرأي والقياس بصورته المحسنة)؟ وفي الإجابة عن كلا السؤالين، ان أجيب بالإيجاب ففي ذلك الكذب، وان أجيب بالنفي لزمت المجيب الحجة. والأصوليون لم يتبنوا الإيجاب، بذلك أجابوا بالنفي فأقرّوا على أنفسهم بالحجة المُدينة. وبناء على هذا الإقرار الملزم وصف المحدثون الأصوليين بأنهم «مجتمعين على الضلالة مبدعين بدعا كثيرة.. متابعين للعامة مخالفين لطريقة الأئمة ومغيرين لطريقة الخاصة»، كما في عبارة الوحيد البهبهاني الآنفة، التي يورد فيها اتهام المحدثين، وهذه الصفات هي الصفات ذاتها التي رتبها الإمام الصادق على حجته حين وصف أهل الرأي في منحاهم هذا، بأنهم ارتدوا عن هدى الرسول، وتأول فيهم قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}144/3، وهذه الآية التي تطبقها مدرسة التأويل على الانقلاب السياسي بعد الرسول، هاهي تطبقها أيضا على الانقلاب الفكري، لتساوي بينهما في الردة عن الصراط، الذي نهجه محمد (ص)، وأمرت الأمة بالاستقامة والاستمرار عليه..
بهذه النقاط الثلاث وما تفرع عنها تصبح نظرية الحاجة التاريخية لعلم الأصول محط نظر، وتحتاج إلى المراجعة الجادة، على ضوء ما استجد من رؤية، لانقدمها هنا كنظرية بديلة، وانما كحقيقة سوف نبرهن على سلامتها ببحث استدلالي مطول، انطوى عليه القسم الثاني من الكتاب، يكفل تحويل منهج التأويل المعروضة معالمه، هنا، في خطوط عريضة إلى تفاصيل، تجعله قابلا للتطبيق على النص، بعد ان نثبت اعتماد الرسول واهل بيته على قواعد التأويل في إنتاجهم للتطبيقات المروية عنهم.
* كتاب «الفوائد الحائرية» كتبه الوحيد البهبهاني ردا على كتاب «الفوائد المدنية» للاستربادي .
* هذا الهم المبكر تجلى في نزول الايات في المرحلة الملكية تطرح عنوان التأويل كمنهج للكتاب.
([i]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة،21.
([ii]) ن، م، 54.
([iii]) حسين مكي العاملي، اصول الاستنباط، المقدمة التاريخية.
([iv]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة، 54-55.
([v]) ن، م، 54.
([vi]) ن، م، 86-87.
([vii]) ن، م، 86.
([viii]) ن، م، 211.
([ix]) ن، م، 79-80.
([x]) الاصفهاني، العوالم، 2-3/ 382.
([xi]) الريشهري، ميزان الحكمة، 8/66.
([xii]) حسن الشيرازي، كلمة الرسول الاعظم، 72.
([xiii]) صادق الشيرازي، القياس في الشريعة الإسلامية، 46.