التصوّر الملتبس:

 

نتيجة اعتماد الفكر الشيعي الأصولي المنظومة المنهجية الجاهزة، التي قدمتها الدائرة المغايرة، فقد استورد كل الإشكاليات المطروحة في دائرة تلك المنظومة. وكان من أخطر تلك الإشكاليات مواجهة التساؤل عن الواقع المنهجي في عصر الرسول، وما تلاه من عصور الأوصياء، فالسؤال: هل وجد منهج للاستنباط يتعاطى من خلاله المسلمون الأوائل مع النص؟ وقد أدت مواجهة السؤال، في إطار مفعم بالتدافع والمخاصمة، إلى إجابة متسرعة، مستعارة من تراث مدرسة الرأي، مع بعض التعديل. فتلخص الجواب بالنفي! وترتب على ذلك نفي صفة الفقه ليس عن أجيال الصحابة والتابعين فحسب، بل عن الرسول، أيضا، بناء على القول بقيام فقه الرسول على الوحي، واكتفاء من حوله بالبيان النبوي! وتبرر هذه النتيجة بتعريف الفقه، بأنه عملية استدلال ونظر مجالها النصوص، ولما كان علم الرسول لم يقم على استدلال ونظر، فذلك يعني ان الرسول ليس فقيها!! ولما كان الصحابة يرددون بيان الرسول فحسب، ولم يعملوا النظر في النص، ترتب على ذلك تجريدهم من صفة الفقاهة. يضاف إلى ذلك ان المنهج الفقهي لم يكن له وجود إلا في مراحل لاحقة ومتأخرة، تم فيها تطوره بصورة تراكمية على امتداد زمني مديد. لذلك اكتسب المتأخرون بهذا المنهج المستحدث صفة الفقاهة، ولم يكن للرعيل المتقدم نصيب فيها. وبناء على هذا التصور، لم يكن المتقدمون سوى مجموعة من الرواة والحفظة للوحي، بما فيهم الرسول الذي يروي ما يتلقاه عن جبرائيل، ليس أكثر!!.

لنتابع هذه الاجابة ومضاعفاتها من خلال خطاب المعاصرين، الذين يعيدون طرح خطاب القدماء بصيغة معاصرة. يقول الخوئي: «لاشك ان النبي (ص) لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وانه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم، وانه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته، فيأتمرون بأوامره، ويزدجروا بزواجره»([i])، ومؤدى هذا الخطاب ان عهد الرسول لم يتم فيه تأسيس واقع للفقه، يمنهج ادراك المسلمين في تعاطيهم مع النص الديني قرآنا وسنة، فالرسول كلم المسلمين بالطريقة المألوفة للتفاهم فيما بينهم. ويعبر عن هذا المعنى بعبارة أكثر وضوحا محمد باقر الصدر عندما يقول: «كان علم الشريعة الذي يحاول التعرف على الأحكام التي جاء الإسلام بها من عند الله تعالى، في مرحلته الأولى في صدر الإسلام، قائما على مستوى الحديث، وكان العمل الأساسي فيه يكاد ان يكون مقتصرا على جمع الروايات وحفظ النصوص، وان طريقة فهم الحكم الشرعي من تلك النصوص والروايات، فلم تكن ذات شأن في تلك المرحلة، لأنها لم تكن تعدوا الطريقة الساذجة، التي يفهم بها الناس بعضهم كلام بعض في المحاورات الاعتيادية»([ii]). فأتضح قيام الواقع الفقهي على جمع وحفظ نصوص القرآن والأحاديث، فخلى الواقع آنذاك من أي عملية اجتهادية تقوم على الاستنباط من الكتاب والسنة. ويؤكد هذه الفكرة محمد مهدي شمس الدين، بالقول: «لاشك ان الاجتهاد بالمعنى المصطلح لم يكن موجودا في عهد الرسول (ص)، وإنما حدث هذا الاصطلاح بعد ذلك، فقد كانت الشريعة في دور التكامل بالوحي القرآني وبالسنة، وكانت النصوص في الخاصة تعالج أمور المسلمين المستجدة وتبين أحكامها، وكذلك القواعد العامة في التشريع»([iii]). وتتابعت الأقوال في هذا الصدد: «ان المفسرين الأولين من الصحابة والتابعين كانوا يعتمدون على ما عرفوا أو نقل إليهم من كلام نبيهم تفسيرا للآيات وإيضاحا لسبب نزولها، أو على اجتهادهم الشخصي في فهم الألفاظ كما وردت معانيها في الأدب الجاهلي، ومن توسع منهم استند إلى تفسير اليهود والنصارى لكتب دينهم يوضح ما أشار إليه من أحداث يهودية ونصرانية، ولم يعرفوا استنباطا علميا لحكم فقهي ولا كان لهم منهج علمي ومذهب يتبع»([iv]).

ويترتب على مجمل هذه الأقوال: «ان الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه - صيغة ومضمونا - لم يكن موجودا في عهد النبي (ص)، ولم يكن يطلق على الرسول انه فقيه، لان الأصل ان علمه بالأحكام لم ينشأ عن النظر والاستدلال، وإنما عن الإيحاء إليه»([v])، وهذا التصور للوضع الفقهي الذي ساد في عصر الرسالة وعلى امتداد عصور الأوصياء، لم يكن تصورا وليد عقلية رجال الدين المعاصرين، بل هو تصور تاريخي موروث، سبق خوض المتقدمين فيه. كما يطالعنا ابن المطهر الحلي (ت 726)، في حديثه عن إمكانية اجتهاد الرسول، بالقول: «الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في النظر، فيما هو من المسائل الظنية الشرعية، على وجه لا زيادة فيه. ولا يصح في حق النبي (ص)، وبه قال الجبائيان، لقوله تعالي: {ما ينطق عن الهوى}53/4، ولان الاجتهاد إنما يفيد الظن، وهو (ع) قادر على تلقيه من الوحي. وأنه كان يتوقف في كثير من الأحكام حتى يرد الوحي. ولو جاز له الاجتهاد لصار إليه، لأنه أكثر ثوابا (...) ولان الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، فلا يجوز تعبده (ع) به لأنه يرفع الثقة بقوله. وكذلك لا يجوز لأحد من الأئمة الاجتهاد عندنا، لأنهم معصومون، وإنما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول، أو الهام من الله تعالى. وأما العلماء فيجوز لهم الاجتهاد، باستنباط الأحكام من العمومات في القرآن والسنة، وترجيح الأدلة المتعارضة. أما بأخذ الحكم من القياس والاستحسان فلا»([vi]). فالجبائيان من أعلام مدرسة الرأي، والحلي في تناوله للمسألة إنما يستعير منهما الإجابة، فلا يعدو قوله ما أجابوا به، الا بتوسعة الحكم بحيث لا يقتصر على الرسول، وإنما يشمل الأئمة من أهل بيته، ليكون للتشيع بهذه الإضافة أجابته المميزة على هذه الإشكالية. ثم يحلل لعلماء المذهب الاجتهاد القائم على الظن، وليس ذلك إلا لتجنب القول بانسداد باب العلم، بِفقد الرسول وغيبة الإمام، الذي حصر العلم اليقيني بهما، وتم تصور ذلك العلم في إطار الوحي والإلهام فحسب.

فالفكر الأصولي المنفصل عن الفكر الإخباري، يخلف هذا الأخير فيه رواسب، يستند إليها ليتخلص من إشكاليات عويصة ناتجه عن الأخطاء التأسيسية. وأبرز تلك الرواسب الفكرية النظرة إلى علم الكتاب، باعتباره من مختصات الرسول والأئمة. وهو ما يؤدي إلى خلق مضاعفات يعكسها بحث المتأخرين في موضوع انسداد باب العلم. ويدعو للتساؤل عن طبيعة الممارسة الفقهية بعد ذهاب العلم بذهاب أهله. فلنتابع مبررات هذه الفكرة، والمخرج الذي يلتمسه الفكر الأصولي للخروج منها، ومدى موضوعية أطروحته هذه.

«ان القرآن .. اشتمل على علم ما كان وما يكون، وكانت معرفة هذا العلم من القرآن مختصة بأهل بيت النبوة من دون ريب»([vii])، هذا ما يقوله السيد الخوئي، ويضيف في عبارة لاحقة: «فهم المخصوصون بعلم القرآن على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب»([viii])، هذه العبارة يطلقها السيد الخوئي ولا يقدم لها دليلا، إلا ان ذلك يعرب عن استناده على نصوص السنة، التي استند عليها الاخباريون من قبل، والدالة على ان أهل بيت الرسول هم المخاطبون بالكتاب، لا غيرهم، مما يولد شبهة انحصار العلم بهم، وهو ما ينتج عنه تصور معين لعلاقة الرسول بالكتاب، قائمة على أساس الوحي والإلهام، وخارجة عن إطار الموضوعية العلمية القابلة للتحصيل. فهي علاقة اعجازية، فقراءة الرسول/ الوصي للقرآن تتمايز عن قراءة بقية الأمة.. وحتى لا ينتهي هذا الكلام بالخوئي إلى حصر علم الكتاب بالرسول والأئمة من أهل بيته، ويؤدي إلى انسداد باب العلم بفقدهم، وحتى لا يؤدي  الأمر إلى التساؤل عن الغاية من العملية الفقهية برمتها، كممارسه استنباطية في النص، يتدارك بالقول: «ان القرآن وان أشتمل على علم ما كان وما يكون، وكانت معرفة هذا من القرآن مختصة بأهل بيت النبوة من دون ريب، ولكن ذلك لا ينافي ان للقرآن ظواهر يفهمها العارف باللغة وأساليبها، ويتعبد بما يظهر له بعد الفحص عن القرائن»([ix]).

تشير هذه المقولة إلى الأحاديث التي تصف الكتاب في إطار التأويل الذي يمنحه اللاتناهي، فإذا كان علم الباطن يختص بأهل البيت، فان لمن دونهم ان يتمسكوا بالظاهر، بهذا يبقي الخوئي نافذة من العلم! ولكنها منحصرة في الإطار الظاهر من النص! فهذا الظاهر عليه المعوّل في فهم الدين في زمن الغيبة. لتكون الأحكام بذلك ظاهرية لا واقعية، ظنية لا يقينية، وحجية الظواهر يبينها بالقول متابعا: «فان المولى يحتج على عبده إذا خالف ظاهر كلامه، ويصح له أن يعاقبه على المخالفة، كما ان العبد نفسه يحتج على مولاه، إذا وافق ظاهر كلام مولاه وكان هذا الظاهر مخالفا لمراده. وعلى الجملة فهذه السيرة متبعة في التمسك بالظهور، حتى يقوم دليل قطعي على الردع»([x])، ولكن إذا كان النص ظاهرا وباطنا، فكيف يمكن الأخذ بظاهر القرآن دون باطنه؟ أليس هذه الممارسة في إطار التفسير، تعتبر نمطا من التفسير المعنون بالتفسير بالرأي، وهو محرم؟ يجيب الخوئي بالقول: «ان التفسير هو كشف القناع..، فلا يكون منه حمل اللفظ على ظاهره لأنه ليس مستورا حتى يكشف، ولو فرضنا انه تفسير فليس تفسيرا بالرأي لتشمله الروايات الناهية المتواترة، وإنما هو تفسير بما يفهمه العرف من اللفظ، فان الذي يترجم خطبة من خطب نهج البلاغة، مثلا، بحسب ما يفهمه العرف من ألفاظها، وبحسب ما تدل القرائن المتصلة والمنفصلة، لا يعد عمله هذا من التفسير بالرأي»* ([xi]).

وهذه الجولة في فكر المعاصرين، الذي يترافع عن فكر آبائه الماضيين، وما قدموا من تصورات، يشكل السند لانبثاق علم الأصول، الذي يتألف من مباحث لفظية وعقلية، هدفوا من ورائها منهجة الطريقة العامة، التي اعتمدها الرسول في تبيين مقاصده، حيث لم يستقل بطريقة أخرى. وبهذا نجد ان كل المقولات  الآنفة، التي جردت عصر الرسالة من واقع فقهي قائم على الاستنباط، لتحصر الفقه في العطاءات النصوصية المتلقاة عن الوحي، إنما تهدف إلى نفي واقع فقهي وجد على عهد الرسول. لتعطي بذلك المشروعية بل حق الوجود لعلم الأصول، الذي يشتغل به الفقهاء المتأخرون. وان أدى ذلك إلى إفراز تصور ينطوي على الكثير من الإشكاليات الخطيرة في أبعادها، والنتائج التي لا يقدر رجل الشارع على بساطته ان يقبلها. منها إشكالية تجريد الرسول والرعيل الأول من وصف الفقهاء..

ويمكن تقييم هذه الأطروحة، وامتحان مدى موضوعيتها بعدة اتجاهات إشكالية، نعرضها كالتالي:

وبناء على ذلك، يمكن ان نخلص بتصور لعهد الرسول مصحح للتصور قيد المناقشة، فحواه: ان الشريعة في حياة الرسول كانت في طور التكوين والتكامل، الا ان هذا التكامل لم يقتصر على نزول جبرائيل بالوحي فحسب، بل اعتمد على التأويل الذي يقوم به الرسول والمؤمنون الراسخون في العلم، حيث يخولهم المنهج الفقهي، إنتاج النصوص القرآنية بإنزال الآيات القرآنية إنزالا تأويليا، بقراءة بعضه في بعض على سبعة أحرف كلها صائبة. أو يقومون بالتعبير عنها بعبارتهم التي تحيلها إلى أفكار قرآنية، يمكن ان ينسبوها إلى المنطق النبوي فيحيلونها إلى أحاديث نبوية، تتناول القضايا الحياتية في جميع جوانبها، الحاضرة والآتية والماضية، ففي هذا الإنتاج للنصوص المرتبط بإرادتهم يسهمون في تكوين الرسالة، الغير قابلة للتناهي في نصوصها، بحيث لا يطرأ الحديث عن إكمالها، إلا في حدود إكمال متطلبات الواقع من النصوص التأويلية المجلية لمشاكله، والواضعة للحلول الناجعة لقضاياه، وتقتفي الأجيال اللاحقة من الأمة أثر الأجيال المؤسسة، فتؤول القرآن وتنزل النص تأويلا أو ترويه عن الرسول، لتحل به قضايا عصرها وإشكالياته، وترسم به ملامح مستقبلها وتحدد معالم تطوره، ليكون عصرها امتدادا لعصر الرسالة الاول، وفيه ما زالت الرسالة في طور التكامل.

فينتج عن هذا التصور، انه لم يعد هناك أساس لفكرة اقتصار الشريعة في الحقبة النبوية على التكوين والتكامل المرتبط بالوحي المباشر. ولم يعد هناك أساس للقول بان الفقه قام على مستوى الجمع والحفظ. والذي قاد إلى تجريد الرسول والمعاصرين له من الفقاهة، بقصر علمهم على التلقي والتلقين، لان الحق ان علمهم قائم على الاستدلال والنظر في النص النازل نزولا مباشرا أو غير مباشر. وهذا يعني ان المسلمين عرفوا في عهد الرسول منهجا في الاستنباط يمتاز بالدقة العلمية، والموضوعية، والرصانة، التي سنلامسها عن كثب في القسم اللاحق من الكتاب. ويبطل القول بان التأويل مقتصر علمه على الرسول والأئمة، وهو الزعم الذي يطلق ليبرر قصور المعرفة بالتأويل، وبالواقع الفقهي المنتسب إلى التأويل، الذي أنتج القراءات التي نسبت لتلامذة الرسول. كما ان القول بانحصار التأويل في الرسول والأئمة سد لباب العلم، وفتح باب التقوّل في الدين على مصراعيه، لان الظواهر لا يمكن الاستناد إليها، في الوقت الذي جاء الإسلام ليكشف ان النص له وجهان  ظاهر وباطن، وان حقائق النص قائمة على عملية عبورية من الظاهر إلى الباطن، تحدث عنها الإمام الصادق فقال: «يا هيثم التميمي! ان قوما آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيئا، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئا، لا إيمان بظاهر إلا بباطن ولا بباطن الا بظاهر»([xv]). وهذا ما يوضح كيف ان الفهم المعاصر للنص المقتصر على الظواهر قد تقدم حكم الإمام الصادق عليه بالخطأ، فكلا الاتجاهين الظاهري والآخر الباطني، اللذين تتوزع عليهما المذاهب الإسلامية، يمثلان الشمال واليمين، وكلاهما مضلة، والاتجاه الوسط الذي يأخذ بالظاهر والباطن في فهم النص، هو الاتجاه الذي يمثل الجادة وقصد السبيل.


 

* وهذا الرأي أيضا يتبناه محمد الشيرازي في موسوعته الفقهية مجلد:(أحكام القرآن). ووقع الخوئي في التناقض حين سمى كتابه (البيان في تفسير القرآن)، بينما تلافى الشيرازي ذلك حين سمى تفسيره: (البرهان في تقريب القرآن إلى الأذهان).


 

([i]) الخوئي، البيان، 264.

([ii]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة، 46.

([iii]) مجلة الاجتهاد، العدد (90) السنة (1992).

([iv]) عبده الشمولي، تاريخ الفلسفة العربية والإسلامية، 179.

([v]) مهدي فضل الله، الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام، 18.

([vi]) ابن المطهر الحلي، مبادئ الوصول الى علم الاصول،  240-241.

([vii]) الخوئي، البيان، 270.

([viii]) ن، م، 268.

([ix]) ن، م، 270.

([x]) ن، م، 272.

([xi]) ن، م، 269.

([xii]) المجلسي، بحارالانوار، 2/113-124.

([xiii]) الهندي، كنز العمال، ح(29096).

([xiv]) الصدوق، اكمال الدين، 2/352، المجلسي، بحار الانوار، 92/326. الطبرسي، الاحتجاج، اعلام الورى، 432.

([xv]) محمد الصفار، بصائر الدرجات، 557.