ما تقدم، كان رؤية مقارنة للتحولات الفكرية المتعاقبة على امتداد المراحل التاريخية، من خلال دراسة بعض المقولات الرئيسة في منظار حقبتين وتراثين، أحدهما: مروي عن حقبة الرسول وأهل بيته، والثاني: مروي عن فقهاء القرن الرابع، وما تلاه من حقب ما بعد الأئمة. ولاحظنا من خلال هذه البحوث المقتضبة، التغيير والتبديل الطارئ على منظار القيم، ومفاهيم العقيدة. فمن جهة نجد أن منطق أرسطو يحل بديلا عن البنية التحتية التي مثلها التأويل. وترتب على ذلك انهيار المنظومة المفاهيمية للإسلام، واستحكام القطيعة بين النص والأمة، بعد ان أسهم المنطق الأرسطي في عملية تزوير علم اللغة، بتكثير واهِم لعلومها. يردف هذا التقويض من جهة أخرى، بما سمي بعلم الحديث الذي يمكن (الفقيه) بدعوى تحقيق النصوص ان يمارس عملية هدم لبنية التراث الحديثي الموروث عن الرسول والأئمة، بصورة يصدق عليها بانها هدم للدين، وإفساح المجال عريضا أمام الآراء، لان تشغل المساحة الفارغة والناتجة عن سقوط الاعتبار عن الأحاديث بصورة انهيارية، بعد ان كان علم الحديث قائما في مدرسة التأويل على عرض الأحاديث على القرآن، وإعادة استنباطها منه. وبعد ان كانت عملية الإفتاء قائمة على إنتاج الأحاديث، وليس عرضها فحسب. ويعزو كل ذلك إلى غياب مفهوم التأويل القائم على ركنية الناسخ والمنسوخ عن فكر تشيع ما بعد الأئمة، مما يؤدي إلى بروز الانشقاق الأصولي في الحقل الشيعي فيمارس عملية اعتماد واسعة لفكر مدرسة الرأي، من جملتها انتخابه لمفهوم النسخ من تلك الدائرة المغايرة، فاعتمد اغلب تلك المقولات وتذبذب بينها، وإشكالية المفهوم المعتمد؛ اولا انه خاطئ، وثانيا انه قائم في إطار نظري وملتبس في الإطار العملي. وهذا الغياب للتأويل من خلال غياب الفهم لركنيته الناسخة، ينعكس من جهة أخرى على إيجاد ظلال من الضلال، نشخص بعضه في مقولة محدودية النص وتناهي علمه، التي تفرز الفراغ التشريعي الواسع النطاق، الذي أفسح المجال للفكر الأمامي، فيما بعد حقبة الأئمة، لان يملأ هذا الفراغ بتبني كل مناهج مدرسة الرأي، وما أجرى عليها من تعديلات وتشذيبات لا تخرج تلك العلوم المنهجية عن هويتها، ولا تفكك ارتباطها بمصدرها، ثم تأتي المتابعة الأصولية لما كتبت مدرسة الرأي من مباحث تحت عنوان علوم القرآن، فكتب رجالها في هذا الإطار. وما عنونت هذه المباحث بـ (علوم ..) إلا محاولة للتوهيم بكثرة علوم الكتاب، الذي ليس له على زمن الرسول إلا علما واحدا يتحدد في التأويل، وكأن هذه التكثير في العنوان ممارسة تعويضية للفراغ المضموني لهذه المباحث، التي لاتدل إلا على الجهل بعلم القرآن، ليعبر عن ان القرآن في وضع محرّف تغيب فيه أبرز خصائصه، ويجرد من أسمى معالم سلامته، التي يشهد بها النص ذاته. ولكن لا تجد لها حقيقة في واقعة، فالقرآن لم يعد تبيانا لكل شيء، كما لم يعد له كلمة الفصل في المنازعات والخلافات المعروضة عليه، فأصبح وصفه بذلك قائما في الإطار النظري. ثم يعضد هذا، ما يطرأ على مفهوم التحريف من تحول ينقلب فيه رأسا على عقب، ليصبح التحريف يعني الصيانة من التحريف، ويصبح التأويل هو التحريف. لنجد كيف يتورط التشيع المتأخر ويدان من قبل الرأي الآخر بالتحريف، ويلزم عن ذلك إدانة أئمة أهل البيت ضمنا، دون ان يقدر التشيع المتأخر الدفاع عن نفسه، بعد ان جهل معالم مفاتيح كنوز الكتاب.
بهذا التصور المتراكب نلاحظ كيف كنا؟ وأين أصبحنا؟، كنا نسير في اتجاه مشرق الشمس، وكانت الحالة الفكرية للكيان المستقيم على خط النبوة في انشراح وانفتاح، تجعلها مهيمنة على كل الواقع المذهبي، وتترك بصماتها فيه عميقة، قبل ان تدور الدوائر لتجعلنا نرتد عن مسيرتنا لنسير في الاتجاه المناقض، لتعيش الحالة الفكرية للكيان المستقيم حالة الأفول والغروب!. بهذا التصور، نصبح قادرين على تحديد زاوية التغيير في المفاهيم، التي جعلت مقولات التراثين على طرفي نقيض، تعبر عن انعطافه، أحدثت قطيعة بين الأمة وتراث الأئمة، لنكتشف إننا نقف أمام مسارين متوازيين، لا قُدّام مسار واحد متصل آخره بأوله، لننقض بذلك التصور، الذي يوحي بان واقع الفكر الإسلامي المعاصر، يمتد بجذوره إلى عهد الرسالة الأول، ويتطور عنه تطورا طبيعيا. وحينها لا نعدو الصواب، إذا ما أطلقنا على ما جرى من تحوّل، حوَّر مسار الأمة إلى المسار المناقض، بأنه انقلاب فكري.