الفصل الثامن: القرآن والمعاصرون (استمرار المحنة)

 

((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، ((يأتي على الناس زمان القرآن في وادٍ وهم في واد غيره)) الرسول الأعظم (ص).

 

 

 

 

الارتهان للموروث:

يشكل واقع الفكر الديني المعاصر امتدادا لبناءات فوقية، تم تأسيسها في عصر ما بعد الغيبة، على قاعدة من علوم منهجية سبقت إلى وضعها مدرسة الرأي، فالعقلية المعاصرة مازالت محكومة بتلك البناءات، ومرتهنة لتلك المسلمات الموروثة، التي جعلتهم يقفون من المتقدمين موقف الانبهار الآسر، الذي تعبر عنه مقولة: ان المتقدمين لم يتركوا للمتأخرين شيئا، ولن يكون أبدع مما كان. ويمكن تحسس هذا الارتهان للماضي باعتماد الابناء المستمر على الموروث الآبائي في تعاطيهم مع الدين، وفي ذلك أصدق تعبير عن تبعية الفكر الديني المعاصر للمتقدم. إن هذا الارتهان للموروث الآبائي، وتحول المعاصرين إلى امتداد له، جعل إنتاجهم الفكري في الحقل الديني يعاني من عقم، أدى به في نهاية الأمر إلى الإعراب عن إفلاسه، الذي يتجلى في العودة إلى اجترار العطاءات الفكرية القديمة، بإعادة تأصيلها باسنادها الى ما جاء في التراث تارة، وباعادة تحديثها بربطها بمكتشفات العلم الحديث تارة اخرى. حيث يراد تحديث الاسلام من خلال مقولة: قال الإسلام منذ أربعة عشر قرنا وسبق بمقولته العلم الحديث، دون القدرة على الكشف عن بنية القرآن المنهجية، التي تجعل العقل المسلم قادرا على الاكتشاف والمنافسة، بدل المحاكاة والادعاء الأجوف. وإذا كانت هناك ثمة محاولات في التغيير والتجديد، فإنها تنطلق من ذات المنطلقات، التي انبعثت منها العقلية الآبائية في مدرسة الرأي، وكأنها بذلك تعرب عن خضوعها للرواسب التي تربت في ظلها. فلم يكن هناك خروج على الإطار الفكري التقليدي، حيث مازالت الحركة الفكرية الدينية تدور في تلك الدائراة، أسيرة لمنطلقاتها وقواعدها، وان رفعت شعار العودة إلى القرآن والسنة، والترفع عن الكثير من المباحث العقلية البعيدة عن النصوص، الا ان التدقيق في المادة التي تفرزها تلك العقول، تنم عن استمرار الارتهان للماضي بأخطائه، لتكون الأخطاء المعاصرة امتدادا لأخطاء المتقدمين، تصديقا لقوله: {وأحاطت به خطيئته}.

لقد اصبح الستار التقليدي المقدس بمثابة القدر، المفروض على عقلية الأمة، التي تعيش واقع التخلف الشامل كجزاء لهجرها القرآن، الذي رام ان يجعلها {خير أمة أخرجت للناس}. إلا انها بانفكاكها عنه أصبحت أذل الأمم، فيما الركب الحضاري للأمم الأخرى ينهب في مسيرته الآفاق، وينجز الثورات الواحدة تلو الأخرى. وبذلك يهيمن على الكون ويغير معالم وجه الأرض، مستندا الى النظام الفكري والقيمي الذي جاء به القرآن، بينما مازال العقل المسلم يدمن قواعد الفلسفة اليونانية، ويغفو في عالم وردي، تسبح فيه  اطياف أرسطو ومقولاته. لتستمر محنة الأمة بالتنامي والتضخم، كالعجينة المختمرة، مع استمرار اقصاء القرآن ونبذه. فألامة لا تستطيع ان تنتشل عقلها من قدرها الراهن، وتتجاوز شقاءها الحاضر الا بالقرآن المؤول، ولا وجود لحلول أخرى!.

وبناء على امتداد الفكر المذهبي الحاضر للمتقدم منه، فان مناقشتنا للفكر المذهبي المعاصر، استمرار لمناقشة الفكر الديني القديم، وسنحاول باكتشاف وجهات نظر المعاصرين/ القدماء، حول الجدل الذي أحدثه دخول الرأي بصيغته المحسنة إلى الفكر الشيعي، وكيف تم تبرير هذا الدخول؟ كما نروم ان نفهم: كيف نظّروا الى الحقل الفقهي على عهد الرسول، في إطار مقارن مع الرؤية المتقدم وصفها في الفصل الأول من الكتاب؟..