يجدر بنا بعد هذا الاستعراض التاريخي لمعالم التحول، الذي شهدته العقلية المنتمية لمدرسة أهل البيت، في امتداداتها وجذورها التاريخية، ان نتوقف لنسبر التداعيات العميقة لهذا التحول. الذي أدى الى التحاق الكيان الشيعي بالكيانات المذهبية الخارجة عن حدود التأويل والمعتمدة للرأي. والذي يعني نجاح مشروع السلطة في احتواء وتدجين مشروع المعارضة. وحسم الصراع بدخول الكيان الشيعي إلى بيت طاعة السلطان، الا ان التقاء الفكر الإمامي مع فكر الرأي، لم يتم بانبثاق الاتجاه الأصولي، بل برزت نواته في الوسط الحديثي أولا. فقد عهدنا ان رؤية مدرسة التأويل للقرآن في عهد الأئمة، ترى ان القرآن كتاب منهجه التأويل، وهو غير متناه في علمه، ويقرأ على قراءات غير محصورة، وقابل للحركة في مكوناته التي يتألف منها، وانه غير محصور الآيات، وان تطبيق المنهج التأويلي على النص ينزل الآيات، ويطلق الأحاديث. كل ملامح هذا التصور تلاشت في الفكر الروائي الشيعي، الذي استعرضنا قناعاته. ووُجد تصور حول القرآن، يساوق التصور الذي تبنته مدرسة الرأي على اختلاف مذاهبها.
فهذا شيخ المحدثين الصدوق (ت 381 هـ) كتب في "رسالة الاعتقادات": «اعتقادنا ان القرآن الذي أنزاله الله على نبيه (ص) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره مائة وأربع عشر سورة، بل نقول: انه نزل من الوحي الذي ليس من القرآن، ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشر ألف آية، وذلك مثل (...)* كله وحي ليس بقرآن، ولو كان قرآنا لكان مقرونا به موصولا إليه غير مفصول عنه»([i]). فشيخ المحدثين يرى ان القرآن في صيغته التي عرضتها المصاحف العثمانية، التي حوت قراءة زيد هو القرآن، ليس الا. ولكن لانه ينتمي إلى تراث روائي مثقل بالتأويل، فان قناعته هذه تصطدم مع احاديث كثيرة من جملتها: «ان القرآن الذي جاء به جبرائيل (ع) إلى محمد سبعة عشر آلف آية»([ii])، ويجد مصاديق هذا الحديث في ركام من الروايات، التي تتضمن آيات قرآنية، قرأها الائمة من اهل البيت بزيادة أو نقيصة أو إبدال، مما يجعلها علامات فارقة عن الآيات، التي حواها المصحف العثماني، فعلل الصدوق هذه الآيات بانها وحي، باعتبار ان الأئمة كانوا يرفقون تلاوتهم لهذه الآية بتعليق، صيغته المألوفة: «هكذا نزل بها جبرائيل». فلو أضيف هذا الوحي الذي نزل به جبرائيل إلى القرآن، لتحقق الحديث الذي يبلغ بعدد آيات القرآن سبعة عشر آلف، إلا ان هذا التصور الذي نحاول ان نرسم من خلاله الخطوات المنطقية لفكر الصدوق فيما قاله، يحتوي بناؤه المنطقي على ثغرة، خلاصتها ان الحديث الذي يحدد مكونات الكتاب بسبعة عشر آلف آية، ينص على ان ذلك الكتاب هو القرآن، النازل على محمد. بينما ينفي الصدوق عنه صفة القرآنية باعتباره مفصولا عن القرآن ليس موصولا. وهذا التعليل الذي يورده الصدوق، ليس له سند في النصوص، فمتى كان الاتصال والانفصال معيارا للداخل من القرآن أو الخارج منه؟ وربما استوحى الصدوق ذلك من وعد الله بحفظ القرآن. وبالتالي ما يوجد من القرآن ينبغي ان يكون هو النص الكامل. وهو ما قد يصحح مفهوم الصدوق في الاتصال والانفصال. ولكنه لايسد الثغرة التي تصف القراءات المغايرة، بانها من جملة الوحي النازل، لكنها لاتدخل في الوحي القرآني. وإلا يبطل تعليله ويعود المدلول غير متحقق. ونعتقد بان الصدوق لا يستطيع ان يوصف تلك القراءات بالقرآنية، لانه لو فعل، فان مجموع القراءات، التي وردت بها الأحاديث، لا تتم عدد القرآن بسبعة عشر ألف آية. وهذا يؤدي به إلى القول بنقصان القرآن وضياع بعضه، وهذه المحصلة تصطدم مع القول بحفظ القرآن وتمامه!.
فهذا الارتباك في الفكر المُحدّث في تعليله للقراءات، هو الذي دعاه إلى الاعتراف بان القرآن في الصيغة التي قدمها المصحف العثماني، وتبنتها مذاهب الرأي، هو القرآن الكامل. ويبقى ان الصدوق في هذا الرأي لا يمثل كافة المحدثين، الذين برزت فيهم اتجاهات تقول بنقص القرآن أو الزيادة فيه، استنادا إلى أحاديث وردت بذلك، تعززها أحاديث التحريف المتضافرة عند كلا الفريقين. لكن يبقى لرأي الصدوق اعتباره الذي تدعمه مكانته كزعيم، مما يجعل اتجاهه بين تلك الاتجاهات له موقع الاتجاه الرئيس. وتوافق هذا الاتجاه مع اتجاه الرأي، هو الذي مهّد لوجود قاعدة مشتركة بين الطرفين الشيعة ومذاهب الرأي، وانتفت فكرة التحريف، التي كانت مدرسة أهل البيت توصم بها اتجاه الرأي وتياره، وهو التحريف الذي يحققه تيار الرأي حين يفصل التأويل عن القرآن. مما يؤدي إلى طمس معالم القرآن في ظل التأويل، فالاتجاه الحديثي الرئيس بتصريحه المتقدم ينفي وقوع التحريف. بينما كانت فكرة التحريف جدارا يفصل بين الفكر الشيعي المتقدم وبين مدرسة الرأي. يضاف إلى ذلك فكرة الإمامة المختصة في البيت النبوي. وهما المحوران المسميان بالثقلين في خطاب الرسول، الذي جعل التمسك بهما ضمانة للاستقامة، وصيانة الأمة من الضلالة. ولكن بانهيار هذا الجدار بين الكيانين المتناقضين التشيع والرأي، جعل الاندماج النسبي بينهما مسألة وقت. لاسيما بغياب التأويل الذي أوجد فراغا خطيرا في فكر الكيان الشيعي المتأخر على الصعيد المنهجي. مما جعله يتطلع إلى المنهج الذي انجزت مدرسة الرأي بلورة كاملة لمكوناته، تحت عنوان العلوم الإسلامية.
ومع الزمن تبلور الواقع الشيعي إلى اتجاهين وفريقين؛ آثر الفريق الأول الرواية، وآثر الفريق الثاني الدراية، التي وجد سبيلها في العلوم التي أنضجتها مدرسة الرأي، ولم يجدها في التأويل الذي جُهل بصورة تامة. وعبر الفريق الذي انسلخ عن الفكر الروائي عن اتجاه وسطي بين الفكر الشيعي الراوي للنصوص وفكر الرأي في مناهجه، فاعتمد مرويات الشيعة ومناهج الرأي، ليخلص إلى خلق صيغة تلفيقية، وفكر توفيقي، ناتج عن دراسة التراث الشيعي بمناهج الرأي، فأوجد تراثا فكريا في الأصول، والفقه، والكلام، والتفسير، والحديث، قوامه الآراء المتناقضة والمختلفة. ويتجاوز التراث التأويلي لمدرسة أهل البيت. وترتب على ذلك مضاعفات تجلت في استبدال الفرقة بالوحدة، والظن باليقين، والتقول في الكتاب باستنطاق الكتاب!.
وهكذا، لما كان الثقلان هما الضمانة لاستقامة الأمة، فبالضلال عن الثقل الأكبر القرآن بتضييع العلم بتأويله، يسقط الفريق الضال في الضلال العملي عن أئمة أهل البيت. باعتبار ان الإمام ترجمة للكتاب، كما روي عن الامام علي: ((ذلك الكتاب الصامت وانا الكتاب الناطق))([iii])، وكما نقرأ في الزيارة: ((السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه))([iv]). فهذه الترجمة إنما تتم عبر مقدمتها، وهي العلم بتأويل الكتاب. فالإيمان بالأئمة دون فهم لكيفية ترجمة الكتاب، يجعل الإيمان بهم نظريا، والإقتداء بهم متعذرا. فكان في القطيعة مع القرآن قطيعة مع العترة التي ليست هي إلا ترجمة للكتاب. إذ ليست الدعوة للتمسك بالثقلين، التي نادى بها الرسول، دعوة للتمسك بشيئين بمقدار ما هي دعوة للتمسك بشيء واحد ذي وجهين: بالكتاب، وبالنموذج التطبيقي للكتاب (: الترجمان). فكان الجهل بأحدهما يعني الجهل بالآخر. فالتشيع المتأخر الذي انحصر الإسلام فيه على مدى عصور الأئمة، تحول إلى الإسلام الاسمي، فلم يمثل من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، أسوة ببقية المذاهب التي حادت عن هداها. وان بقي في موروثه الروائي يمثل الإسلام الحقيقي، حيث حوى الفكر الإسلامي الكامل بإبرازه معالم الثقلين، إلا انه لا يعبر في الإطار الفكري المتداول والمعمول به، عن ذلك التراث الأصيل، الذي ورثناه عن أهل البيت.
([i]) الصدوق، رسالة الاعتقادات، المطبوع مع شرح الباب الحادي عشر، 93، وعنه الميلاني، التحقيق في نفي التحريف، 11.
([ii]) الكليني، الكافي،2/463.
([iii]) المجلسي، بحار الانوار، 39/270
([iv]) عباس القمي، مفاتيح الجنان، 625.