لقد أطلق الطوسي مشروعه متحررا من سطوة المحدثين، بعودة الاستضعاف للشيعة في ظل الدولة السلجوقية السنية. ولذلك توقع ان يتعرض للانتقادات، ولكنها لن ترتقي إلى ما ارتقت إليه في حالة ابن الجنيد والعماني، أو ابن الغضائري، الذي أماته المحدثون بغصته، على حد تعبير أحد الكتّاب المعاصرين([i])، باعتبار ان سقوط الدولة البويهية، التي منحت الوسط الحديثي سطوته، انهى سقوطها تلك السطوة.
وممن انتقد الشيخ الطوسي ابن إدريس صاحب السرائر (ت 578 هـ) الذي جاء بعده بقرن، فوجه نقده إليه في هذا الكتاب بالقول بانه: «اتخذ طريقة أهل السنة وأشاعها في الشيعة»([ii]). وجدد محمد أمين الاستربادي (ت1033هـ) انتقاده في القرن الحادي عشر في كتابه "الفوائد المدنية". والهجوم الذي توجه به الاستربادي اتجاه الخط الأصولي، لم يكن مسئولا عن أطلاق الحركة الإخبارية، كما هو رائج. وانما كان التشيع بصيغته الإخبارية، هو التشيع الأول كما بدا منذ الغيبة. وليست صرخة الاستربادي، التي ضمنها كتابه الآنف الا ترديدا لقناعات الوسط المحدث السابق لظهور الحركة الأصولية، فلم يكن الاستربادي الا مُعبرا عن ذلك الوسط الأول، وما جيله الا واحدا من الأجيال الوارثة لفكر وقناعات ذلك الوسط. وعبّر عنها الاستربادي لأهليته لان يلعب هذا الدور، فهو صاحب الثقافة الموسوعية، كما وُصف. وكان قادرا على التصدي للأصوليين الجدِلين، بعكس ما عرفنا عن الشخصية الشيعية المحـدّثة، في العهود المتقدمة. التي كانت شخصية مسالمة، منطوية على نفسها، مكتفية بالأحاديث، مبتعدة عن الجدل. لذلك تجاوزت معالم شخصية الاستربادي هذه المواصفات، لكي تتأهل للتصدي. فتبنت مواصفات الشخصية الأصولية القائمة على الإطلاع على فكر الخصوم، والباحثة عن الثغرات فيما يقولون، المتميزة بالجدل وبالتموقع على الثغور الفكرية، تناوش وتهاجم الأطراف الأخرى في سبيل إثبات الذات والمذهب، الذي تنتمي له. فكُتب لها بذلك الصيت والانتصار، وهذه المواصفات هي ذاتها التي اتخذتها الشخصية الشيعية الأصولية التي مثلها المفيد، والمرتضى، والطوسي في القرن الرابع من خصومهم المذهبيين. الا ان الوسط الشيعي المحـدّث لم يجد طوال الحقبة المنصرمة المتجاوزة للعشرة قرون الا باستربادي واحد. لكنه كان بمواصفات تاريخية، تكسرت على صخرته التي جسدها في كتابه " الفوائد المدنية" كل الردود التي كُتبت في محاوِلة لتفنيد بياناته، وبقي كتابه إلى يومنا هذا قيد التداول. الا ان نتيجة كونه مخطوطا، بخط فارسي، وغير محقق، جعل عملية الاستفادة منه محدودة. وهذا الوضع المفروض على الكتاب من جملة الممارسة الاضطهادية، التي يمارسها الوسط الأصولي تجاه المحدِّث الإخباري وتجاه الرأي الآخر، لما مثله من نكبة تاريخية للخط الأصولي.
وكان الاستربادي يمثل إرادة أمة من المحدثين، يعتبرون من أكابر رجالات الخط الشيعي في زمانهم، تمتد من تحتهم قاعدة عريضة من الجماهير، فكان أولئك المحدثون من أمثال: السيد نعمة الله الجزائري صاحب المؤلفات الجمة، والشيخ يوسف البحراني صاحب الموسوعة الفقهية «الحدائق النظرة»، والمحدث ملا حسن الفيض الكاشاني صاحب «تفسير الصافي» والموسوعة الحديثية «والمحجة البيضاء»، والشيخ محمد بن محسن الحر العاملي مؤلف الموسوعة الكبيرة «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، والسيد هاشم البحراني مؤلف التفسير «البرهان في تفسير القرآن»، الذي ينقل فيه تأويلات الأئمة الواردة في آيات القرآن، الا انهم لا يمتلكون مواصفات شخصية الاستربادي. وانما شخصيتهم نموذج لشخصية المحدث التقليدية المتصفة بالمسالمة. فلم يتصدوا إلى الفكر الأصولي، وتركوه يشق طريقه في الحياة، وهم ينظرون.
ومما قاله المحدثون في الطوسي: «كان هذا الشيخ المطلق رئيس مذهب الحق، وإماما في الفقه والحديث، الا انه أكثر الاختلاف في الأقوال، وقد وقع له خبط عظيم في كتابي الأخبار في تمحله للاحتمالات البعيدة والتوجيهات غير السديدة، وكان له خيالات مختلفة في الأصول، ففي "المبسوط" و"الخلاف" مجتهد صرف وأصولي بحت، بل ربما سلك مسلك العمل بالقياس والاستحسان في تبني مسائلهما، كما لا يخفى على من أرخى عنان النظر في مجالهما، وفي كتاب "النهاية " سلك مسلك الإخباري الصرف، بحيث انه لا يتجاوز فيها مضامين الأخبار، ولم يعـدُ مناطيق الآثار»([iii])، وواضح من خلال هذا النقد تلمس الاخباريين للتحول في كتابات الطوسي، الا ان الطوسي كشف ان كتاباته الأولى، انما فرضت منهجيتها التقية، فلم يكن متلونا في مواقفه او في مناهجه، فقناعاته كانت واحدة منذ البداية، باعتباره ينتمي الى خط استاذيه المفيد والمرتضى. ويبقى ان هذا الانتقادات التي توجهت إلى الطوسي لإفشائه مناهج الرأي لم تكن كافية، باعتبارها انتقادات سلبية، تركز على الهدم ولا تقدم بديلا يستعاض به عن الواقع المنهي عنه والدخيل. وكانت ابرز تلك الانتقادات كما أشرنا ما انطوى عليه كتاب "الفوائد المدنية"، الذي لم يكتمل له النجاح المؤزر، نتيجة عجزه عن طرح منهج الاستنباط المكتشف في تراث أهل البيت، والقادر على تمثيل البديل عن علم الأصول، المقتبس من الدائرة المناوئة. وكل ما قدمه من منهج كان عبارة عن الجمود على الرواية، والتوقف، والاحتياط. لذلك كان تأثيره نتيجة تخطئته الموفقة للاتجاه الأصولي. مما أدى به إلى كسب الرأي العام الشيعي ليعود الوسط الشيعي إلى طبيعته الحديثية، بانحسار النشاط الأصولي، وازدهار النشاط الإخباري في المقابل لمدة قرنين من الزمن. كتب خلالها سلاسل موسوعية من كتب الحديث كموسوعة "بحار الأنوار"، "الوسائل"، " الوافي "، والموسوعات الأخرى المشار الى عناوينها فيما تقدم، في وقت كان الاجدر بهم البحث عن المنهج الأصيل، لذلك سرعان ما استأنف الخط الأصولي نشاطه في التأصيل لمناهج الرأي، وتوسل بالعنف تجاه رموز الإخباريين مستخدما سلاح الفتوى، بعد ان أعيته الحيلة في دائرة الحوار، بالتي هي أحسن.
تحول الصراع بين الطرفين من الجدل الهادف الى كشف الحق، إلى صراع من اجل الزعامة والنفوذ، يتوسل بالعنف وإراقة الدماء. وفي هذا الإطار أفتى محمد باقر البهبهاني (ت1028هـ) بحرمة الإقتداء بالشيخ يوسف البحراني (ت1186هـ) في الصلاة([iv])، وكان الشيخ البحراني يعيش في كربلاء إلى جانب البهبهاني، وحاول تلميذ البهبهاني جعفر كاشف الغطاء(ت1228هـ) تحريض القبائل العربية ضد الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الإخباري، المقتول عام (1232هـ)، والمتصدي للبهبهاني والأصولية، بعدما أفتى البهبهاني بانحرافه عن طريقة الاثنى عشرية! وتصديه لمحاربة الأصوليين ([v]). وحاول النزاع استمالة مواقع النفوذ السياسية، فسعى الأصوليون لكسب تأييد سلطان إيران الشاه فتح علي القاجاري (ت1250هـ)، حيث وضع كاشف الغطاء كتابا ضد الميرزا النيسابوري بعنوان: «كشف الغطاء عن معائب الميرزا محمد عدو العلماء»، قدمه إلى الشاه، فرد عليه الميرزا محمد بكتاب سماه: «الصيحة بالحق على من الحد وتزندق»([vi])، وصدرت في إيران فتوى المفتي بقتل الميرزا محمد النيسابوري الإخباري، مما دعاه إلى التوجه إلى العراق([vii]). «وقام الميرزا بنشاط فعال ضد الفقهاء في العراق مما جعل موسى كاشف الغطاء - الذي تزعم الأصولية بعد وفاة والده - يهاجر من النجف إلى بغداد (الكاظمية) لغرض معالجة الموقف، وبعد اتفاق جملة من الفقهاء على إصدار فتوى تبيح قتل الميرزا محمد، قتل هذا الداعية الجريء عام (1232هـ) بعد إحراق داره قتلة مأساوية!!»([viii])، وتكررت عمليات القتل والتصفية لرموز الخط الإخباري باسم الدين، وتحت شعار أهل البيت. في الوقت الذي لم تسجل اراقة دم أحد من رموز الخط الأصولي بفتوى صادرة عن إخباري. وتقلصت المساحة التي انتشر عليها المحدثون أمام زحف الأصوليين القائم على العنف الدامي المستهدف لرموز المحدثين، « لا لشيء الا لانهم شخصوا انحراف مسيرة الأصولية عن مسار أهل البيت، وأقاموا على ذلك البينات»، وتهددوا مراكزهم الاجتماعية بالأفول، وزعاماتهم الدينية بالانحسار.
فيعزى انحسار الصفة الاخبارية عن الكيان الشيعي المتأخر إلى عجز المحدثين عن طرح البديل المنهجي المستخلص من تلك الأحاديث، التي اعتنوا بروايتها وجمعها وتصنيفها، رغم ما لهم من جهود في تأويل القرآن، الا انها كانت محاكاتا وتقليدا لتأويلات أئمة أهل البيت، كما في نموذج "مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار " للمولى عبد اللطيف الكازروني([ix])، وتفسير الصافي للكاشاني، فلم ترتق تلك الجهود إلى المستوى الجاد في دراسة حقيقة التأويل، والتوصل الى تحديد خطواته المنهجية. وهذه الأزمة المنهجية عند الأخباريين دفعتهم الى تبني برنامج الرسول وأهل البيت القائم على التطهر الذاتي، للوصول الى الحقيقة بالالهام والكشف، أي ان يصبحوا عبادا محدثين. فاشتهر بعض علمائهم بذلك، منهم الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الاخباري المقتول عام (1232هـ) فينقل ان علاقتة بالشاه فتح علي القاجاري «توطدت بعدما استطاع الميرزا محمد الاخباري ان يتنبأ بمقتل جنرال روسي في الحرب الدائرة بين ايران وروسيا آنذاك، من خلال ما يتمتع به من قوى روحيه غريبة، وقد صدقت هذه النبوءة، حيث جيء برأس الجنرال محمولا الى طهران، ووضع أمام الشاه»([x])، ومنهم الشيخ أحمد الاحسائي (1242هـ) الذي نسبت الفرقة الشيخية بزعامة تلميذه كاظم الرشتي (1259هـ) نفسها اليه، وهي فرقة يعتمد رجالها لتحصيل المعرفة بالدين على الكشف والالهام، او بالالتقاء المباشر بالإمام الغائب، وبعد وفاة كاظم الرشتي انقسمت الشيخية الى ثلاث فرق «على أساس من تحديد الطريق الموصل الى الإمام المعصوم وتلقي المعلومات عنه»([xi]).
والخلاصة، ان تراث أهل البيت رغم اشتماله على الحقيقة المنهجية بشقيها النظري والتطبيقي*، لم يحظ بالدراسة على امتداد الحقبة فيما وراء عصور الأئمة. فلم تخرج دراسة واحدة تتناول بحث موضوع التأويل في الفكر الشيعي، واكتفي بالتراث المصنوع على يد أمثال الطوسي، وبتعليق علم التأويل على مشجب الرسول وآله، فهم الذين يعرفون التأويل دون سواهم. قال المحدثون مقولتهم هذه، ومازال كلا الوسطين الأصولي والمحدث يرددا هذه المقولة دون دليل ولا بيّنة. فهي مجرد مقولة مزعومة مؤسسة على الشبهات، وتقود إلى التحلل من المسئولية. وهكذا اصبح الكيان الشيعي منذ قرابة الألف عام يتحرك في خط غير الخط، الذي حدد معالمه تراث أهل البيت. فبغياب التأويل انتهى عصر النصوص، ليبدأ عصر الرأي الذي يجعل الممارسة الفقهية قائمة في دائرة التقوّل في الكتاب والسنة، بأقوال وآراء تعبر عن فكر أصحابها لا فكر الوحي. وانتقلت ممارسة الإفتاء كحق لله يتجلى بناطقية الكتاب، إلى حق لفقيه الرأي الذي هجر الكتاب لجهله بمنهج استنطاقه، ومثل دور الناطق باسمه تقولا، فهو إمام الكتاب لا الكتاب إمامه. بينما سلك فريق من الاخباريين مسلك الرياضة الروحية، والتطهر الباطني، لتحصيل المعرفة الدينية على أساس الكشف والالهام. وبذلك قفز على المشكلة المنهجية دون وجود ضمانة للوصول الى الحل بهذا القفزة! ليكون الحل لمسألة المنهج في هذا الاطار يتمثل في وجود الشخص المحدَّث، يحلحل المسائل بالكشف في اطار جزئي، هذا اذا حدث. كما يلاحظ في واقع هذه الفرق. إلا ان هذه المعرفة الكشفية غير قادرة على الارتقاء بتلك الفرق الى الكشف عن الحقيقة المنهجية، بدليل ان أزمة المنهج ما زالت قائمة لديهم! فكان منهج الكشف حلا لأزمة فردية، أقرب من كونه حلا لأزمة الأمة.
* الشق النظري: يتمثل في الاحاديث التي شرحت منهج التأويل، بينما الشق التطبيقي: يتمثل في كل الاحاديث والروايات المروية عن الرسول وآله والصحابه والحواريين.
([i]) البهبودي، صحيح الكافي، المقدمة.
([ii]) الخونساري، روضات الجنات، راجع الترجمة.
([iii]) الخونساري، روضات الجنات، 6/217.
([iv]) الخونساري، روضات الجنات، 4/402.
([v]) مجلة الفكر الجديد، العدد الاول، جودت القزويني: الحركة الاخبارية وحقيقة الصراع الاصولي، عن العبقات، الورقة 28 (مخطوط)
([vi]) الخونساري، روضات الجنات، 2/202.
([vii]) حرز الدين، معارف الرجال، 2/336.
([viii]) مجلة الفكر، عن الخونساري، روضات الجنات، 2/129، العبقات الورقة 99 (مخطوط).
([ix]) الذهبي، التفسير والمفسرون، 2/46: انظر المقدمة النظرية للتفسير التي ينقل موجزها المصدر.
([x]) مجلة الفكر الجديد، الحركة الاخبارية وحقيقة الصراع الاصولي، 219. عن الدجيلي، الفقهاء حكام على الملوك، 69.
([xi]) مجلة الفكر، جودت القزوين، 224.