التشيع وتأصيل (المناهج):

يمكن رصد عملية تأصيل العلوم المنهجية لمدرسة الرأي في الفكر الشيعي، ببدء دراسة النصوص الإمامية على ضوء تلك المناهج، لتشكل مرحلة جديدة في هذا الفكر، لم تعهد من قبل. ابتدأت هذه المرحلة بابن الجنيد، الذي كتب كتابه في الأصول تحت عنوان "التهذيب"، مرورا بالمفيد الذي كتب في الأصول رسالة بعنوان "أصول الفقه"، وكتب في الكلام والتفسير، وقال بخبر الواحد في الحديث، بالإضافة إلى ما كتب في الفقه من ردود على الأسئلة المختلفة المطروحة عليه، والتي دونت في رسائل متفرقة، يأتي بعد ذلك دور تلميذه المرتضى، الذي تسلم منصب رئاسة الطائفة في العراق، والذي كتب في الأصول كتابا مبسوطا سماه "الذريعة"، وهي أصول لفظية وعقلية يعتمد عليها في فهم النصوص، وقد سبق لائمة أهل السنة ان حرروها وبحثوها، وكتب في التفسير اماليه "آمالي المرتضى"، وفيه تناول نصوص من الكتاب والحديث، وفسرها بالطريقة التي درج المعتزلة على التفسير بها، بالاعتماد على اللغة وأشعار الجاهلية، والمناقشات العقلية، ويعتبر "آمالي المرتضى" النموذج الوحيد الذي وصل من القرن الرابع يضاهي كتب التفاسير، التي كتبها أهل الاعتزال، حيث كتب رجال الاعتزال مئات التفاسير آنذاك، لم يصل منها غير شذرات متفرقة في الكتب، فمثل ما كتبه المرتضى نموذجا كاملا لتلك التفاسير الاعتزالية، عند الدارسين المعاصرين لفكر الاعتزال. وللسيد الرضي أخو الشريف المرتضى تفسير، يتناول فيه الأحاديث والآيات بالكيفية ذاتها التي تناولها المرتضى، بالإضافة إلى ذلك، كتب الشريف المرتضى في الكلام. بهذه التأليفات خرج رجال هذا الخط المعقلن على الوسط الشيعي المحدّث.

ثم جاء دور الطوسي، الذي مثلت جهوده في التأليف عملية صهر لكل الجهود الجزئية والتمهيدية، التي تقدمت منذ ابن الجنيد فالمفيد فالمرتضى، فصهرها في كتب موسوعية بلورت الفكر الشيعي المتأخر بعد دراسة المرويات الشيعية بمناهج أهل الرأي، فكان الطوسي كما هو الخط الذي ينتمي إليه، ينطلق في مشروعه من قناعة قائمة على ضرورة المنهج لفهم النصوص والاستنباط منها، وإلا لا يكون العالم عالما من دون ذلك، حتى لو حفظ الأحاديث والمرويات. ويمكن تحري قناعة الطوسي بضرورة المنهج، وانتقاده بذلك للوسط المحدث بأسره من خلال ما كتب في مقدمة كتابه " العدة في الأصول " والذي ينقسم إلى قسمين؛ الأول يتناول أصول الدين، والثاني يتناول أصول الفقه. حيث كتب يقول: «ان هذا فن من العلم لابد من شدة الاهتمام به، لان الشريعة كلها مبنية عليه، ولا يتم العلم بشيء منها دون إحكام أصولها، ومن لم يحكم أصولها، فإنما يكون حاكيا ومعتادا ولا يكون عالما»([i])، وفي هذه الفقرة يعبر الطوسي بوضوح عن قناعته بالمنهج أولا، وثانيا تعريضه بالوسط الحديثي، وتجريده من العلم وصفة العلمائية، واعتبارهم حكواتية.

يستطيع الباحث في التراث الذي كتبه الشيخ الطوسي، ان يشخص مرحلتين مرت بهما كتاباته، كما يصرح الطوسي نفسه بذلك؛ ففي المرحلة الأولى كان الشيعة في ظل الدولة البويهية يعيشون في ظل سلطان يحميهم، والطوسي زعيما لهذه الطائفة جاريا في كتابته بما يتوافق مع عقلية الطائفة الروائي، وفي هذه المرحلة كتب كتبه في الحديث مثل "التهذيب"، "الاستبصار"، "آمالي الطوسي"، كما كتب كتابه الفقهي "النهاية"، ليمثل نموذجا راق لأهل الحديث، الذين اعجبوا بما كتب واثنوا عليه، كما كتب في الرجال كتابين: " الفهرست"، "رجال الشيخ"، وهذان الكتابان ليس فيهما خروج على مألوف المحدثين، إذ سبق وصنف بعضهم كتبا في هذا الإطار.

وبدأت المرحلة الثانية، بسقوط سلطان الدولة البويهية، ومجيء الغزاة من ترك السلاجقة. وغُلب فيها الشيعة على أمرهم بذهاب السلطة البويهية، وقيام سلطنة تتبنى المذهب السني، فتعرض فيها زعيم الطائفة الشيعية الطوسي للاضطهاد، فنهب بيته سنة (448 هـ)، وهُجّر إلى النجف، أو بالأحرى فرّ إليها، وباستقراره في النجف تحرر الطوسي من ضغوط وسطوة الوسط الحديثي، الذي تزعمه بصورة رسمية، وبدأ يكتب وفق قناعاته ويصرح بحقيقة ما كتب في المرحلة الأولى، وينتقد واقع الطائفة الموغل في الحرفية الروائية، وينتقد ضيق عقلية أصحاب الحديث، التي اتقاء لها تجنب الكتابة وفق قناعاته، فتأجل مشروعه التأسيسي إلى ما بعد زوال الدولة البويهية، وزوال سلطة الوسط الحديثي معه، فكتب في مقدمة كتابه المبسوط يقول مكاشفا ومنتقدا: «وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع، وتشغلني الشواغل، وتضعف نيتي أيضا فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به، لانهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ، التي ان مسألة لو غير لفظها وعُبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم، لتعجبوا وقصر فهمهم عنها..». ولم يكن في حقيقة الأمر قلة رغبة الطائفة في "علم الأصول" ناجمة عن إلفتهم الأخبار، بل لنظرتهم إلى الأصول باعتباره نتاج لمدرسة الرأي المناهضة لمدرسة أهل البيت، وان الأئمة عاصروا ميلاد هذا العلم عند مذاهب الرأي، ووصموه بالبطلان ونسبوا مذاهب الرأي الى الانحراف. فترتب على تلك النظرة، التزامهم بنتاج مدرسة أهل البيت ونهج حوارييهم، الذي رأوه محصورا في رواية الأحاديث، فاقتصرت ممارستهم الفقهية على الرواية. وبالتالي لم تكن المسألة مسألة إلفة الأخبار، فاللجوء لهذا التعليل فيه مجانبة للحقيقة مقصودة.

وتحدث الطوسي في المقدمة ذاتها عن كتابه الفقهي "النهاية"، الذي كتبه في ظل الدولة البويهية، أي في المرحلة الأولى من كتاباته، فقال: «وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولهم من المسائل وفرقوه في كتبهم.. أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك». فهو قد كتب كتابه يطلب فيه استئناس الطائفة المحكومة بالعقلية المحدّثة، ويتجنب استيحاشها، أو إثارة حفيظتها بالتزامه بعبارات الأحاديث. فلم تكن كتاباته تلك تعبر عن قناعته، وانما يمليها عليه واقع عقلية الطائفة الموغل في تمسكه الحرفي بالرواية. هذه التصريحات المتحررة ما كان الطوسي ليصرح بها الا لشعوره بالتحرر من قناعات الفكر الروائي السائدة، والرقابة الفكرية التي يمارسها الوسط عليه. وشعوره في الوقت نفسه ببدء مرحلة جديدة، يتمتع فيها بنعيم الحرية الفكرية، التي تمنح قلمه الانطلاق في مشاريعه التأسيسية، فلم يعد بحاجة لان يجعل إنتاجه متكيفا مع قناعات الوسط الحديثي، الذي تزعمه، فيضطر إلى استئناسهم وطلب عدم استيحاشهم فيما يكتب. فبدأ يكتب كتبه المتوافقة مع رؤيته المنبثقة من ضرورة وجود علوم منهجية تؤسس للفكر منطقه، الذي يتعاطى من خلاله مع النصوص، وهذا ما دعاه في البداية إلى مناقشة القناعات الفكرية للوسط المحدث ونقضها، قبل ان يعيد تأسيسها من جديد، وفق العلوم المنهجية العقلية التي استعارها من المذاهب المخالفة، فكتب في الفقه كتابي "المبسوط" و "الخلاف"، بناء على الأصول التي اصلها في كتاب "العدة في الأصول"«وهو ابسط ما ألف في هذا الفن عند القدماء أفاض فيه القول في تنقيح مباني الفقه، بما لا مزيد عليه في ذلك العصر»([ii]). كما كتب في الأصول: «مسألة في العمل بخبر الواحد، وبيان حجية الأخبار»([iii])، ومن خلال هذين الكتابين «أسس طريقة الاجتهاد المطلق في الفقه»([iv]).

واخترق الطوسي على صعيد التفسير، قناعة الوسط الحديثي، الذي ما آمن بغير التفسير بالمرويات، فألف كتابه " التبيان في تفسير القرآن " مبتدءا بمناقشة قناعة المحدثين: «واعلم ان الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بان تفسير القرآن لا يجوز الا بالأثر الصحيح عن النبي وعن الأئمة الذين قولهم حجة كقول النبي وان القول فيه بالرأي لا يجوز..» وبدأ في نقاش هذه القناعة: «والذي نقول في ذلك انه لا يجوز ان يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد، وقد قال تعالى: {انا جعلناه قرآنا عربيا}3/43، وقال: {بلسان عربي مبين}195/26،{وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه}4/14،.. فكيف يجوز ان يصف بأنه عربي مبين، وانه بلسان قومه، وانه بيان للناس ولا يفهم بظاهره شيء؟!، وهل ذلك الا وصف له باللغز المعمى، الذي لا يفهم المراد به الا بعد تفسيره وبيانه؟ وذلك منزه عن القرآن، وقد مدح الله قوما على استخراج معاني القرآن، فقال: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}83/4، وقال في قوم يذمهم حيث لم يتدبروا القرآن، ولم يتفكروا في معانيه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}24/47، وقال النبي (ص): «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي» فبين ان الكتاب حجة، كما ان العترة حجة، وكيف يكون حجة ما لا يفهم منه شيء؟، وروي عنه عليه السلام انه، قال: «إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط»، وروي مثل ذلك عن أئمتنا عليهم السلام. فكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شيء؟ وكل ذلك يدل على ان ظاهر هذه الأخبار متروك، والذي نقول به، ان معاني القرآن على أربعة أقسام:

أحدها: ما اختص الله تعالى بالعلم به..

وثانيها: ما كان ظاهره مطابقا لمعناه..

وثالثها: ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا..

ورابعها: ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عنهما.. ­ومتى قسمنا هذه الأقسام، نكون قبلنا هذه الأخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تأويل الآي جملة»([v]).

فالطوسي في هذه المناقشة، أيضا، أراد ان لايوحش العقلية المحدثة بأفكاره، بعد ان صرح مجازفا بالقول، ان الدلالة الظاهرة للأحاديث المستندة إليها قناعة أهل الحديث متروكة. ثم تدارك بان أشعرهم انه خلص إلى طريق وسط، يجعل تلك القناعة القائلة بالمنع سارية في إطار معين من القرآن، مفسحا المجال لامكانية التدبر والتفسير أيضا ضمن حدود. ولكن في الحقيقة هذا التجويز أفسح له المجال لتفسير القرآن من أوله إلى آخره. دون ان يكون هناك ما هو ممنوع تفسيره، أو الكلام فيه.

وإذا ما أردنا تقييم مناقشته، فهو أجاد في استدلاله على ضرورة التفسير للكتاب والتدبر في آياته، الا ان هذا الاستدلال قاصر، لا يمنح صاحبه امتياز التفسير للكتاب، لان ليس مطلق التفسير مطلوبا، إنما التفسير على أسس منهجية فصّل الكتاب معالمها، ولأننا أدركنا في فصول الكتاب المتعاقبة، ان تفسير القرآن يخضع لشروط، وان هذه الشروط والقواعد عنوانها التأويل الذي نص عليه الكتاب، كما في قوله: {ولا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم}7/3، وفي ظله تتمايز آيات القرآن بلحاظات مختلفه إلى محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وظاهر وباطن، فالأحاديث التي تخصّ علم التأويل بأهل البيت، والتي تمسّك بها الوسط الحديثي، ينكشف وهم هذا التخصيص ما رُوي إلى جانب هذه الأحاديث من أخبار، توضح ان امكانية تأويل النص متاحة لكل من اطلع على علم التأويل وأحاط بشروطه. ثم ان النصوص التي تمسك بها الطوسي لاستحلال عملية التأويل بصورة مطلقة، كرد فعل على الموقف المحدّث، الذي أوجد العقدة بالمنع، والرغبة الجامحة بالتمرد على الحظر، أيضا، هي الأخرى قاصرة. لانه في الحقيقة اعتمد جزء الدليل ليسلك في التفسير مسلك الفرق الأخرى. يضاف إلى ذلك ان الأحاديث الناهية عن التفسير بالرأي، أريد من إطلاقها صيانة التأويل من التجاوز، فظاهر تلك الأحاديث الناهية عن التفسير بالرأي غير متروك، كما ادعى الطوسي. فالموقفان كلاهما خطأ ؛ موقف المحدثين، وموقف الطوسي الهادف إلى التصحيح.

ونجد عند تصفحنا أوراق تفسير الطوسي، انه سلك فيه مسلك التفاسير الأخرى عند فرق الرأي، المعتمدة على علوم اللغة، وعلم الفقه، والأصول، والكلام في تفسيرها. وأسهب في استشهاده بأقوال مذاهب رجالات الرأي في كل آية تقريبا، واغفل تفاسير أهل البيت، التي تتناول الآيات بمعان باطنية تارة، وظاهرية أخرى، إغفالا تاما. لتعلق شبهة التحريف بها، كما بينا، ولعدم قدرته على تبرير المعاني الباطنية، وهو الذي ينتمي للاتجاه المعقلن لا الروائي المسلم بكل ما وردت به الأحاديث. فكتب تفسيره في عشرة مجلدات، يستوعب بها القرآن من (الفاتحة) إلى (الناس)، مع مسحة مذهبية، كما يفعل أئمة المذاهب عندما يوجهون الايات لتدل على عقائدهم وافكارهم المذهبية. وعن تفرده في مشروعه التفسيري هذا، كتب في مقدمة كتابه يقول: «أما بعد فان الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب اني لم أجد أحدا من  أصحابنا، قديما وحديثا، من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على فنونه ومعانيه»، لذلك كتب للمذهب تفسيرا يجاري تفاسير المذاهب الأخرى.

وعلى صعيد علم الكلام، الذي أصل له الطوسي في قسم من كتابه "العدة في الأصول"، كتب عدة مؤلفات اخرى توضح عناوينها رغبته في تأصيل هذا العلم في الفكر الشيعي، ليوجد مقدمة تكفل دراسة الجانب العقيدي للمذهب بشكل منهجي، فكانت عناوين كتبه هي: "مقدمة في المدخل لعلم الكلام"، "ما لا يسع المتكلم الإخلال به في علم الكلام"، "ما يعلل وما لا يعلل"، "الكافي في الكلام" غير تام، "أصول العقائد"، وهذا الاخير اشتمل على مباحث في (التوحيد)، واخرى في (العدل) غير مكتملة.

وهكذا، نجد ان الكتابات الموسوعية للطوسي، التي تطبق مناهج مدرسة الرأي (: التفسير، والفقه، والأصول، والكلام) على النصوص والمرويات الإمامية، في سابقة غير معهودة، تجعل الطوسي المؤصل الابرز، الذي قعد الفكر الشيعي على قاعدة مثلتها مناهج مدرسة الرأي، فشكل الطوسي انعطافة وقفزة نوعية لجهود هذا التيار، في مسعاه لإخراج العقلية الروائية من إطارها إلى إطار الرأي، تحت دعوى الخروج من الرواية إلى (الدراية)، ومن اللاعقلانية إلى (العقلانية). الا ان هذه العقلانية قد فرغت من محتواها، حيث نجد عناوين الدين تطرح في البحوث الفقهية الأصولية، بالطريقة التي تناولتها مدرسة الرأي، التي افرغت الإسلام من محتواه حين اعتنت بشكليات الدين وشعائره، وغيبت المضامين. فشعيرة الصلاة على سبيل المثال أسست على شطر التراث، الذي يتناول الصلاة باعتبارها أفعالا وأذكارا مشروطة بشروط معينة، واهمل شطر التراث الاخر الذي يتناول الصلاة كمضامين وغايات سامية، تهدف الى تطهير الفكر والوجدان الانساني، وتسموا به مناقبيا وتحقق له انسانيته، وتنطلق أبعادها لتبعث الكيان الاجتماعي على التطهر والسمو، والتمسك التشريعي بصفته الجمعية، وتتمادى أبعادها في العمق حين تحرض مضامينها الباطنية - كما سندرسها في دراسة قادمة - الانسان والأمة المؤمنة على تحرير الارض. فالصلاة كخزان لكل هذه القيم فرغت من محتواها، فاصبحت جسدا خاويا، وممارسة لاغاية لها، ولا أثر تتركه على الفرد الممارس لها، فضلا عن ان تترك اثرها على الأمة. وأهمل التراث الاصولي، أيضا، دراسة عناوين الدين المرتبطة بكيان الأمة الجمعي تاثرا بمدرسة الرأي، التي أوكلت العناوين المرتبطة بالكيان الجمعي الى الحكّام، يُنظِّرون لها كيفما شاؤوا، بل ويستوردون النظريات في ادارة الحكم والدولة من الامبرطورية الفارسية البائدة، او الرومانية المجاورة. واقتصرت عناية فقهاء مدرسة الرأي في الاطارين، بعد هذا الاقصاء، بالمسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، التي لا علاقة لها بالسلطان، ولا تدخل ضمن اختصاصاته وصلاحياته. فتضخم فقه الفرد على حساب فقه الأمة، الذي أصابه الضمور، بل تلاشى. فضمن الفقهاء بذلك السلامة الشخصية من بغي السلطان، حينما أعطوا (ما لله لله، وما للسلطان للسلطان)!! بل أصبح فقهاء التشيع من المقربين للسلطان، كما قربت الحكومات المتعاقبة فقهاء مدرسة الرأي لذات الأسباب، بعد ان كان موقع أئمة التشيع التاريخي يمثل المعارضة.

ولما أصبح التبني واضحا للعلوم المنهجية الممثلة لاتجاه الرأي في الوسط الشيعي، جاءت الأجيال التالية لتدقق عملية الاقتباس أكثر، وتم ذلك من خلال مجهودات متراكمة، أبرزها القول بمقولتين:

المقولة الأولى: تربيع مصادر التشريع: كانت مصادر التشريع في فكر أهل البيت مقتصرة على الكتاب والسنة كنصين غير متناهيين لتماهيهما مع العقل، وظلا بهذا الوصف في منظار الوسط الشيعي الغارق في الإخبارية، دون ان يشخص علاقتهما بالعقل، أي انه لايلمس اللاتناهي في النص، وانما يرويه عن أهل البيت فحسب، مما يعبر عن قطيعة بين النص والعقل. ثم جاء التيار الأصولي كردة فعل على نظرة التيار الإخباري لعلاقة النص بالعقل، فقام بتربيع مصادر التشريع بإضافة الإجماع والعقل، إلا ان إضافة الدليل الرابع وإعطاء دليل الإجماع قيمته، لم يتم في المرحلة الأولى، بل مُهد له السبيل بجهود المتقدمين. حتى جاء ابن إدريس الحلي (ت598هـ) في كتابه الأصولي المعنون «بالسرائر»، ليعلن ان مصادر التشريع أو الأدلة التشريعية الكبرى أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فكتب يقول: «فإذا فقدت الثلاثة - يعني الكتاب والسنة والإجماع - فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل فيها»([vi]).

وهذا التربيع لمصادر التشريع أسسته مدرسة الرأي - مذهب الإمام الشافعي (150-04هـ). فأصول مدرسته الفقهية هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وليس القول بأصل القياس في دائرة الرأي الا بناء فوقيا على فكرة أساسية مثلتها مقولة تناهي النص ومحدوديته. التي ابتنيت على قصر فهم النص على ظاهره. حيث إذا ما وردت مسألة خارج نطاق ظاهر النص، يلجأ الفقيه إلى الأدوات القياسية لاستنباط الحكم. وليس القول بالعقل في الإطار الشيعي الا تحويرا للأصل الرابع، بدليل ان هذا الأصل طرح ليؤدي وظيفة القياس نفسها، حيث يلجأ إليه الفقيه الأصولي في الدائرة الشيعية، إذا ما فقَد النص الدال على المسألة المبتلى بها. يضاف إلى ذلك عدم قدرة الأصوليين الشيعة على بلورة تعريف مقنع للعقل على امتداد قرون. فابن إدريس لم يذكر تعريفا للعقل، رغم انه أول من طرحه وصرح به في كتاباته، إذ من الضروري ان يعرفه وهو يؤصل له. الا ان عبارته المقتضبة، الآنفة الذكر، لا تدل على ان طرحه يأتي في سياق تأصيل، وانما كان يصرح بالواقع القائم والغير مدون، مما يدل على وجود اعتماد لهذا التربيع عند الأصوليين الشيعة، الا انهم لا يصرحون به كتابةً. ولامبرر لهذا التكتم الا الخشية من الدخول في نزاع مع الوسط الشيعي، الذي تغلب عليه الصفة الإخبارية، والذي لايؤمن الا بالكتاب والسنة كمصدرين للتشريع.

وبمجيء المحقق الحلي (ت676هـ)، الذي أتى بعد ابن إدريس، عرّف دليل العقل ببعض مصاديقه فكتب في كتابه «المعتبر» ما ملخصه: «وأما الدليل العقلي فقسمان: أحدهما ما يتوقف فيه على الخطاب: وهو ثلاثة: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ودليل الخطاب*، وثانيهما ما ينفرد العقل بالدلالة عليه ويحصره في وجوه الحسن والقبح»([vii])، «ويزيد عليه الشهيد الأول (ت786هـ) في مقدمة كتابه «الذكرى» فيجعل القسم الأول ما يشمل الأنواع الثلاثة التي ذكرها المحقق، وثلاثة أخرى وهي: مقدمة الواجب، ومسألة الضد، وأصل الإباحة في المنافع، والحرمة في المضار، ويجعل القسم الثاني ما يشمل ما ذكره المحقق وأربعة أخرى وهي: البراءة الأصلية، وما لا دليل عليه، والأخذ بالأقل عند الترديد بينه وبين الأكثر، والاستصحاب. وهكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلفين، في حين ان الكتب الدراسية المتداولة، مثل المعالم والرسائل والكفاية، لم تبحث هذا الموضوع ولم تعرف الدليل العقلي، ولم تذكر مصاديقه، الا إشارات عابرة في ثنايا الكلام»، وهذه الظواهر اللفظية التي يُعرَّف بها العقل من جملة المباحث، التي تناولها علم الأصول في مدرسة الرأي، فليست هي ابتكارا للأصوليين الشيعة. وانما اتخذوها ليحلوا بها إشكالية غياب تعريف العقل كأصل رابع، أضافوه إلى مصادر التشريع.

وبعد ان يستعرض محمد رضا المظفر تقصيه لمسألة الأصل الرابع ابتداءً من المفيد، ينتهي به الاستقصاء إلى القول: «ومن تصريحات المحقق والشهيد الأول يظهر انه لم تجل فكرة الدليل العقلي في تلك العصور، فوسعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظية: مثل لحن الخطاب،..، وفحوى الخطاب.. ودليل الخطاب،.. وهذه كلها تدخل في حجية الظهور، ولا علاقة لها بدليل العقل المقابل للكتاب والسنة، وكذلك الاستصحاب، فانه أصل عملي قائم برأسه، كما بحثه المتقدمون في مقابل دليل العقل.  والغريب في الأمر انه حتى مثل المحقق القمي (ت1231هـ) نسج على مثل هذا التفسير لدليل العقل فأدخل فيه الظواهر مثل المفاهيم، بينما هو نفسه عرفه بانه (حكم عقلي يوصل به إلى الحكم الشرعي وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي)(وأحسن من رأيته قد بحث الموضوع بحثا مفيدا معاصره العلامة محسن الكاظمي في كتابه «المحصول» وكذلك تلميذه المحقق صاحب الحاشية على المعالم الشيخ محمد تقي الاصفهاني الذي نسج على منواله...»([viii])، فمن ابن إدريس الحلي إلى العلامة الكاظمي قرابة سبعة قرون، فطوال هذه المدة المديده، لم يكن هناك تعريف نظري لأصل العقل!!.

وإذا ما رجعنا إلى الاجماع الأصل الثالث الذي أول من ذكره المفيد في رسالته الأصولية، حيث كتب يقول: «وليس في اجماع الأمة حجة من حيث كان اجماعا، ولكن من  حيث كان فيها الإمام المعصوم. فاذا ثبت انها كلها على قول فلا شبهة في ان ذلك القول قول المعصوم. اذ لو لم يكن كذلك كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطلا، فلاتصح الحجة باجماعها لهذا الوجه»([ix])، والإجماع كدليل العقل لم يقل به الوسط الأصولي الشيعي الا مجاراة لمدرسة الرأي. وفي ذلك كتب محمد رضا المظفر قائلا: «جعله الأصوليون من أهل السنة أحد الأدلة الأربعة أو الثلاثة على الحكم الشرعي، في مقابل الكتاب والسنة، أما الأمامية (الأصوليون منهم) فقد جعلوه أيضا أحد الأدلة على الحكم الشرعي، من ناحية شكلية واسمية فقط، مجاراة للنهج الدراسي في أصول الفقه عند السنيين، أي انهم لا يعتبرونه دليلا مستقلا في مقابل الكتاب والسنة، بل إنما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنة، أي عن قول المعصوم، فالحجية والعصمة ليستا للإجماع، بل الحجة في الحقيقة هو قول المعصوم، الذي يكشف عنه الإجماع عندما تكون له أهلية هذا الكشف»([x])، والحقيقة ان الأخذ بهذا الأصل الثالث أعطى اعتباره، ولم تكن عملية الاستدلال تستند عليه كأصل كاشف لرأي المعصوم فحسب، فكثيرا ما كان يدعى الإجماع دون ان يكون كاشفا، وهذا ما يدل على اعطائه قيمته التي أعطيها في مدرسة الرأي، يدل على ذلك قول صاحب المعالم: «والعجب من غفلة جمع من الاصحاب عن هذا الاصل وتساهلهم في دعوى الاجماع عند احتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن اتفاق جماعة من الاصحاب، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من دون نصب قرينة جلية ولا دليل لهم على الحجية يعتد به»([xi])، وهذا الواقع مازال قائما. يضاف الى ذلك ان المقارنة بين الأصل الثالث والأصل الرابع تبين انه لم يكن الاخذ بالاجماع أخذا شكليا، ولا مجاراة للنهج المدرسي السني فحسب. وان كان ذلك يدل على عمق التأثر، الذي لم يقف على التحوّل الجوهري، بل وطال الصيغة المنهجية في العرض، فيتبين ان عملية الاقتباس لعلم الأصول من الدائرة المغايرة بدأ بالأفكار، وانتهي بأخذ مخطط عرض تلك الأفكار.

وتزداد قناعتنا هذه، إذا ما نظرنا إلى المسألة بلحاظ بعدها التاريخي، المستعرض فيما مر من أوراق البحث. حيث دل التاريخ على صراع دائر بين مدرستين سخرت القوى السياسية في ذلك الصراع كل طاقتها، بحيث لا يكاد صاحب النظرة الظاهرية يدري، هل كانت الأداة السياسية في خدمة المذاهب أم كانت المذاهب في خدمة السياسة؟ والحقيقة ان المذاهب صنعتها السياسة تارة، وحرفتها تارة أخرى، وخدمتها باعتبارها تلبي مصالحها تارة ثالثة، فاتخذت منها قناعا تحارب من ورائه مدرسة أهل البيت، إلى ان استطاعت في نهاية المطاف تغييب الإمام الأخير، وتحريف الكيان الشيعي عن أصوله الفكرية، بتجهيله بمنهج فقه النص أولا، ثم تقديم مدرسة الرأي بمناهجها باعتبارها بديلا، ونموذجا مثاليا يحتذى، فاقتفي أثره تيار انشقاقي مثله الخط الأصولي.

المقولة الثانية: اجتهادية العملية الفقهية: الاجتهاد مصطلح اشتهرت به مدرسة الرأي السني  المقابلة لمدرسة التأويل. وأول من نقله إلى الوسط الشيعي الأصولي، المحقق الحلي (ت676هـ)، إذ كتب تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول: «وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا، لانها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسيا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد، فان قيل: يلزم، على هذا، ان يكون الإمامية من أهل الاجتهاد قلنا: الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث ان القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس»([xii])، ويتضح من نص المحقق بانه يشرح مصطلح الاجتهاد، كما هو في عرف الفقهاء آنذاك، دون ان يعني انه طوره أو تطور في عرف الفقهاء، كما ذهب لذلك محمد باقر الصدر، حين قال: «ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن اسم الاجتهاد بعد ان طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي»([xiii])، لاننا إذا تحرينا مصطلح الاجتهاد في مدرسة الرأي وجدناه ينطبق على ثلاث معاني:

الأول: بمعني الرأي.

الثاني: بمعنى القياس.

الثالث: بمعنى الجهد المبذول لاستنباط الحكم من مصادره.

والدليل على المعنى الأول، قولهم المروي عن معاذ بن جبل عندما أرسله الرسول إلى اليمن: أرأيت يا معاذ ان نزلت بك حادثة لم تجد لها في كتاب الله عز وجل أثرا ولا في السنة ما أنت صانع؟ قال: أجتهد رأيي فيها، فقال (ص): الحمد لله الذي وفق رسوله إلى ما يرضيه، ويقول مصطفى عبد الرزاق: «فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، وهو مرادنا بالاجتهاد والقياس، وهو أيضا مرادف للاستحسان والاستنباط»([xiv]). والدليل على المعنى الثاني قول الشافعي لمحاوره المفترض لما سأله: «فما القياس؟ أهو الاجتهاد؟ أم هما مفترقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد»([xv]). أما الدليل على المعنى الأخير، قول الغزالي (ت505هـ) في تعريف الاجتهاد: «عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال (...) ولكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة»([xvi])، ولم يكن هذا التعريف من الغزالي تطويرا، وانما تجريد للمفهوم. كما يشير لذلك كتاب «حصر الاجتهاد» في حديثه عن مفهوم الاجتهاد المتقدم عند مدرسة الرأي بالقول: «والذي يظهر من تتبع كلماتهم ان الاجتهاد بمعناه الخاص مرادف للرأي، وان القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونظائرها، إنما هي من قبيل المصاديق لهذا المفهوم»([xvii])، مما يفيد بذلك ان الاجتهاد جهد عقلي مبذول في تحصيل الحكم الشرعي على اختلاف التقنيات والأدوات المنهجية المستعملة في استنباطه، هذا ما عبر عنه الغزالي. وجاء الشيعة فيما بعد ليقتبسوا هذا التعريف، الذي أورده الغزالي. فكان أقدم نص إمامي في الحقل الأصولي يدل على الاجتهاد بهذا المعنى، النص المتقدم الوارد عن المحقق الحلي (ت676هـ)، الذي يتضح من تاريخ وفاته بالمقارنة مع وفاة الغزالي، انه كان لاحقا له، فاعتمد الشيعة هذا التعريف، مع نفي بعض تلك التقنيات السنية، والتعويض عنها بأخرى، في عملية استحداث تجري في الإطار التفصيلي، ومتعلقة بالأدوات ليس اكثر.

وبهذا يتضح  ان المحقق الحلي والفقهاء الإمامية، لم يُقدموا تعريفا للاجتهاد، ولم يُقدّموا على تطوير هذا المصطلح. وانما كل ما قاموا به، هو اقتباسهم للتعريف في صيغته المجردة عن الادوات المنهجية، التي كان لهم فيها رأي. فعدّلوا فيها حذفا وإضافة. فكان اقتباس الاجتهاد كمصطلح له مفهومه، من جملة الاقتباسات التي اقتبسها الاصوليون الشيعة من المدرسة المغايرة. فالاجتهاد بالمعنى الثالث: بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، هو متبنى المحقق. ولكن باستثناء القياس وأخواته. مما جعل العملية الفقهية القائمة على الرأي واحدة في الإطار السني، كما هي في الإطار الشيعي، مع اختلاف ثانوي في بعض الأدوات والتجهيزات المنهجية المتوسل بها.

خلاصة:

يتبين بهاتين المقولتين، كيف بلغ التماثل بين مدرسة الرأي في الإطار السني مع مدرسة الرأي في الإطار الشيعي، مما جعل التيار الأصولي الشيعي في محكمة التاريخ مدانا، ومحكوما عليه بأنه ضيّع هوية الكيان الشيعي الفكرية. فمثّل حالة الاغتراب الفكري، التي فيها انسلخ التشيع من هويته، التي أعطتها له مدرسة أهل البيت التأويلية. ليستتبع  بالتماسه الهوية الفكرية من مدرسة الرأي، ويفقد استقلاله، لذلك أُعترف به في بعض مراحل التاريخ المعاصرة كفرع لمدرسة الرأي السنية، بإلحاقه بالمذاهب السنية الأربعة، ليعتبر خامسا* .

وبهذا نلاحظ كيف استُوعبت مدرسة أهل البيت في مدرسة الرأي، وانتهت الثنائية القطبية، والصراع والتجاذب القائم بينهما، بانتصار مدرسة الرأي، وزوال مدرسة التأويل بشكل محقق. وقد يقال بان الثنائية القطبية انتهت بغياب التأويل والتحوّل إلى الرواية دون دراية. وهو قول سديد، إلا ان الواقع الشيعي المحدث الغائب بوعيه عن التأويل، ظل في روايته لتراث مدرسة أهل البيت، يدل على تلك المدرسة التأويلية، ويعتبر أثرا لها، وقابلا للنهوض إذا ما تمكن رجاله من تحري معالم المنهج الضائع في ثنايا وطيات ذلك التراث. إلا ان الضربة القاصمة حدثت ببروز التيار الأصولي المتوجه بالكيان الشيعي إلى تبني مناهج مدرسة الرأي، والاستيعاب لها. فلم يلتفت إلى حاجته إلى منهج بعد ان سد الفراغ بمنهج بديل استورده من الفكر المغاير، واحس من خلاله بشعور واهم بالاكتفاء، مما أخرج الكيان الشيعي المتأخر من دائرة التأويل في صيغته الروائية إلى دائرة الرأي في صيغته الاجتهادية ..


 

* لحن الخطاب هو ان تدل قرينة عقلية على حذف لفظ، فحوى الخطاب: يعنون به مفهوم الموافقة، ودليل الخطاب: ويعنون به مفهوم المخالفة.

*  افتى الإمام الكبر شيخ الازهر محمود شلتوت شيخ الازهر بجواز التعبد بالمذهب الشيعي، والحقه بالمذاهب الاربعة ليكون خامسا. وهذه نص عبارته: ((إنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعّبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة)). (أسلامنا ـ ص 59 ـ مصطفى الرافعي ـ رسالة الإسلام ـ مصر).

 


 

([i]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة، 57.

([ii]) آغا بزرك الطهراني، طبقات الشيعة في القرن الخامس عشر، 160.

([iii]) ن، م.

([iv]) ن، م،160-162. محمد صادق بحر العلوم، في ترجمته للطوسي الواقعة في مقدمة كتابه الفهرست.

([v]) الطوسي، التبيان، 1/4-6.

([vi]) محمد رضا المظفر، اصول الفقه، 3-4/122.

([vii]) ن. م.

([viii]) ن، م، 3-4/124.

([ix]) المفيد، اصول الفقه، 41.

([x]) ن، م، 3-4/97.

([xi]) معالم الدين، 174، وعنه الانصاري، فرائد الاصول، 1/82.

([xii]) المحقق الحلي، معارج الاصول، 117. محمد باقر الصدر، دروس في علم الاصول،
 57-58.

([xiii]) ن، م.

([xiv]) مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، 138.

([xv]) الشافعي، الرسالة، 271.

([xvi]) الغزالي، المستصفي، 2/350.

([xvii]) محمد الشوشتري، في مقدمته على: آغا بزرك الطهراني، تاريخ حصر الاجتهاد، 13.