القرآن والحرب الكلامية:

تعرض في الحرب الكلامية الناشبة، الثالوث المدافع عن المذهب، إلى شبهة التحريف التي أرادت مدرسة الرأي ان تنسبها له، وكانت حجتهم في ذلك الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت، والتي يظهر فيها اعتماد أئمة أهل البيت الإبدال والإكمال في قراءتهم للقرآن. ولكن لعدم معرفة الثلاثي، المدافع عن الطائفة الإمامية، حقيقة التأويل، فان المفيد قال عن خبر الآحاد «ليس بحجة ولا موجب علما، ولا عملا على كل وجه»([i])، وهي فكرة ظهرت أساسا في مدرسة الرأي وخلاصتها: «ان خبر الآحاد لا يفيد علما في أصول الدين ولا عملا في فروعه»([ii]). ولم يكن موقف المفيد هذا، الا نوعا من الالتفاف على خصومه المذهبيين، وهو يجادلهم. وقد توسل بفكرة خبر الآحاد، واسقط عن تلك الروايات والأحاديث الاعتبار والحجية، التي أراد خصوم المذهب ان يلزموه بما تقتضيه تلك القراءات من القول بالتحريف. ويظهر المفيد من جوابه في المسألة السرورية محاولا الكشف عن تعليلات، يجعلها تصرف تلك الأحاديث عن إفادة التحريف، وأقوى مخرج يجده في القول بخبر الآحاد، فكتب يقول: «فإن قال قائل: كيف يصبح القول بان الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وانتم تروون عن الأئمة عليهم السلام، انهم قرأوا: {كنتم خير أئمة أخرجت للناس}،{وكذلك جعلناكم أئمة وسطا}،{ويسألونك الأنفال}، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس. قيل له: قد مضى الجواب عن هذا، وهو: ان الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله بصحتها، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عما في المصحف الظاهر، على ما امرنا به حسب ما بيناه، مع انه لا ينكر ان تأتي القراءة على وجهين منزلين أحدهما ما تضمنه المصحف، الثاني ما جاء به الخبر، كما يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على وجوه شتى»([iii]).

هذه الذريعة نفسها يتوسل بها المرتضى، وكذلك يفعل الطوسي في مقدمة كتابه «التبيان» عندما كتب يقول: «أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا.. وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى (ره)، وهو الظاهر من الروايات غير انه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها»([iv]). والطوسي هنا يستخدم فكرة أستاذه المفيد في محاولته إسقاط حجة الخصم، التي يمسكها على المذهب الإمامي، ويفصح لاحقا في مرحلة تأصيله لمناهج الرأي، عن ان القول بفكرة خبر الآحاد لم تكن الا حيلة، والتفاف على الخصم لإسقاط حجته، فكتب في «العدة» يقول: «ان المنكر لجواز العمل بأخبار الآحاد من الإمامية، كانوا يقفون هذا الموقف السلبي من أخبار الآحاد، في مقابل اخصامهم الذين كانوا يعتمدون على أخبار الآحاد، لاثبات بعض الأحكام المخالفة لهم، والتي دلّت أخبارهم على خلافها»([v])، فالفكرة أريد من ورائها التخلص من التركة الروائية من الآيات الواردة بالزيادة والنقيصة والإبدال، والمروية عن أهل البيت، والتي تتضمن القول بالتحريف، فاسقط الثلاثي الاعتبار عنها بعد ان تورط في تعليلها.

فكانت المذاهب المناوئة من خلال الحرب الكلامية المستعرة تضغط بمعتقداتها على أتباع التشيع. الذين كان جهلهم، وضعفهم، وحراجة موقفهم تدعوهم إلى تبني، ليس فكرة خبر الآحاد فحسب، بل كانت فكرة خبر الآحاد تعبيرا عن ثغرة من ثغرات عدة فتحت في البنية الفكرية لأهل البيت، دخلت منها الكثير مما ليس منه، بل تسربت مناهج الرأي بأنواعها. فكان هذا التصدع وما اعقبه من تشرب ناشئ عن الأزمة الحادثة في الفكر الشيعي على الصعيد المنهجي. كما أدت الحرب الكلامية إلى اشغال رجال التشيع عن دراسة تراث أهل البيت دراسة جادّة، يتحرّون فيها معالم المنهج الإسلامي الأصيل. وبهذا حُرم الفكر الشيعي من اكتشاف واسترداد هويته من خلال تراثه. ولا يعفي هذا الدافع رجال التشيع، بما فيهم الرجال الثلاثة، من تهمة التقصير والإهمال، الذي يتجلى في الدعوة للإعراض عن قسم من التراث، كان سلاحا في يد مدرسة التأويل، اثبتوا من خلاله انحراف مسارات مذاهب الرأي، قبل ان يتحول إلى فكرة مضادة يتورط فيها أتباع التشيع المتأخر، مما دعاهم إلى تبني موقف التحرر منها، والإعراض عنها. وما تبع ذلك من الانصراف إلى مدرسة الرأي، والنهل من أجاجها، وتأصيل مناهجها في الفكر الشيعي. في وقت كان الأجدر بهم ان يصرفوا هذا الجهد والوقت في البحث عن الحقيقة الضائعة في التراث، بدل بذله في تأصيل شجرة الرأي الخبيثة في الفكر الشيعي، رغم النهي المتواتر من الرسول وأهل بيته، القاضي بعدم الاقتراب منها، فضلا عن تعاطي ثمارها الخبيثة.


 

([i]) المفيد، اصول الفقه، 41.

([ii]) البهبودي، صحيح الكافي، (المقدمة).

([iii]) بحار الانوار، 89/ 75.

([iv]) الطوسي، التبيان، 1/المقدمة.

([v]) الطوسي، العدة في الاصول، وعنه هاشم معروف الحسني، الموضوعات في الاثار والاخبار، 76.