نقطة التحول:

مات الحملة لعلم الكتاب، وضاع التأويل الذي استحال بالتقية المفرطة إلى سر، تم ذلك في الحقبة التي تلت عصر غياب الإمام الثاني عشر، وهي الحقبة الملأى بالأحداث والفتن، والتي انتهت بتفتت الدولة العباسية المترامية الأطراف، حيث غلبت كل قوة على جزء من الأرض، وأقامت عليه دولتها، وتبنت مذهبا من المذاهب. عندها برز الكيان الشيعي، بعد طول استتار وتوارٍ عن الأعداء، على السطح ليقف تحت الأضواء على قدم المساواة مع المذاهب الأخرى، ليتعاطى فكره في العلن في ظل الدولة البويهية، كانت اشكاليته انه برز وهو يحمل أزمته، المتمثلة بضياع التأويل.

كشف افتقاد المنهج، الذي يخول الفقيه قراءة النص قراءة معاصرة، تواكب تطورات الحياة، عن عمق الأزمة التي يعيشها الوسط الشيعي على الصعيد الفكري، هذا الصعيد الذي يمثل ضابط حركة الإنسان في الحياة. وسعّر أوّار هذه الأزمة الواقع المزدهر لمدرسة الرأي، حيث شهد القرنان الثالث والرابع تدوينا لعلومها المنهجية، وهي الفترة ذاتها التي برز فيها مأزق التشيع وأزمته المنهجية.

تحول علماء التشيع بضياع التأويل إلى الرواية من بعد دراية، واقتصر علمهم على ذلك، مما حدا بمذاهب مدرسة الرأي، التي تعيش عصرها الذهبي، بما صبغت به مذاهبها بالعلمية والجدلية، لان تحتقر المذهب الشيعي وفقه الإمامية، وذلك لأمرين: الأول، افتقاده المنهج الذي يوسع الفقه عبر التفريع، الذي يهب الدين القدرة على المعاصرة. والثاني، اعتماده على الرواية بالرغم من تناقضها واختلافها. فعِلم رجال التشيع المتأخر لا يتجاوز مناطيق الروايات، ففكرهم روائي، وقبولهم بتناقضات الأحاديث التي يتعاملون معها بصورة انتقائية، جعل وصفهم بالحشوية أمرا شائعا، وهذه النظرة للمذهب ورجاله، يوضحها الطوسي في مقدمة كتابه المبسوط، حيث كتب يقول: «اني لا أزال اسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية، ويستنزرونه وينسبونه إلى قلة الفروع وقلة المسائل، ويقولون: انهم أهل حشو ومناقضة، وان من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأصول».

ان غياب التأويل في الفكر الشيعي المتأخر، جعل التشيع يتراجع في قبال مدرسة الرأي، بعد أن كانت له الهيمنة والسطوة كما في عصر الصادقين، وبدأ عصر الرأي القائم على فرض الفروض وتصور أحكامها، بما فيه من تجاوز للواقع ومستحدثاته، واصبح علماء الشيعة روواة يتميزون بالمحافظة والانغلاق ازاء الاخر، وعلى الحوار والجدل مع الأطراف المذهبية الكلامية، نتيجة منحاها الروائي المجانب للجدل، مما أغرى خصوم المذهب بهم، وزاد من حدة الهجوم عليهم في حرب كلامية لا هوادة فيها، فاصبحوا بمنزلة أهل الحديث الحشوية في علاقتهم بالمعتزلة، حيث كانوا مغلوبين على أمرهم لا يجارون المعتزلة الجدِلِين، فكان أصحاب الحديث في حالة تقهقر أمام أهل الكلام، لولا ظهور الأشعري فيهم، ثم الانقلاب المذهبي لصالح أهل الحديث في عهد المتوكل، لكان مصيرهم الاندراس.

فالذي فتح الباب عريضا لتأثر الوسط الشيعي المحدث بمدرسة الرأي بمذاهبها المختلفة، يمكن تحديدها في نقاط؛

أولا: علاقة المغلوب بالغالب التي اتسمت بها علاقة الشيعة (الإمامية) في تلك الحقبة بالمذاهب الأخرى.

ثانيا: طبيعة الدراسة التي تفرض الاختلاط والتمازج، حيث ينخرط الطالب في حلقات الدرس، التي تقيمها كل المذاهب، ويتلقى العلوم عن رجالات المذاهب المختلفة، فهذا الواقع أدى إلى نشوء جيل من الإمامية، يعقد مقارنة بين رجال الطائفة، الذين تغلب عليهم رواية الحديث، وبين رجال مذاهب الرأي التي تتبنى الكلام والمنطق في عملية إقناع تعتمد الحجة والبرهان العقليين، مع وجود الفراغ في خلفية وذاكرة الطالب الشيعي من علم منهجي، يتعامل به مع النص. في وقت كان يتوافر لمدرسة الرأي عدة منهجية متكاملة تتعاطى بها مع النص: (في العقيدة علم الكلام، في الفقه علم الأصول، في التفسير علوم اللغة، في الحديث علم الرجال - الحديث). فغطت تلك المناهج النص في جميع جوانبه، فلم يكن هناك مانع من ان تفرض هذه العلوم المنهجية نفسها على أولئك الطلاب، وتفتح أعينهم بالانبهار بالمدرسة (العقلية)، وبالازدراء لواقع المحدثين الروائي.

ثالثا: يضاف إلى ذلك، ان التدوين لتلك العلوم جعلها في متناول الجميع. مما أدى لاطلاع بعض محدثي الشيعة عليها والتأثر بها، نتيجة شعورهم بالحاجة الماسة إليها، والذي شجع على ذلك كونها علوم عقلية، وانما صبغتها المذهبية تكتسبها بانسجامها مع النصوص المذهبية. إذ كان لكل مذهب نصوصه الخاصة التي يعتبرها، وبها يتميز عن المذاهب الأخرى. فمن خلال هذه النصوص يمكن ان يجرى على تلك المناهج بعض التعديلات، التي تجعلها متلائمة مع فكر المذهب، بإخراجها من صفتها المذهبية السابقة إلى صفة مذهبية أخرى، فيعطيها بذلك خصوصيتها، ويسهم في تكريس تميزه، الذي يحفظه من التماهي مع الآخر.

هذه العناصر أوجدت في أتباع التشيع، الذين عاصروا تلك الأزمة شعورا عميقا، بضرورة إيجاد منهج للتعامل من خلاله مع النصوص. وان الاكتفاء بالأحاديث والمرويات لا تجعل الملتزمين بحفظها وروايتها علماء، فدفع هذا الشعور بالكثيرين من أبناء التشيع، المشتغلين والمهتمين بأمور الدين، لتبني مناهج الرأي. فكان طليعة هؤلاء ابن عقيل العماني وابن الجنيد الملقبين عند المتأخرين بالقديمين، اللذين تأثرا بمناهج الرأي على أثر إطلاعهما على كتب مدرسة الرأي([i]). فاندفعا بصورة متحمسة لتبني تلك المناهج، مما أدى إلى اصطدامهما بالوسط الشيعي الحديثي المحافظ، فمنيا بهزيمة منكرة حين تألب عليهما الوسط بأسره، فابن الجنيد الذي تبنى القياس، وألّف الكتب بناء على ذلك، واجه ردّة فعل عامة أدت إلى انزوائه ووصم إنتاجه بالبطلان، فالتبني الفاضح للقياس الذي يقف منه الوسط الشيعي موقف النفور، نتيجة تضافر الروايات عن أئمة أهل البيت بالنهي عنه، هو الذي جعل منحى ابن الجنيد والعماني مرفوضا. الا اننا يمكن ان نفصل الموقف الرافض في اتجاهين:

الاتجاه الأول؛ هو الرفض للقياس كعنوان يعبر عن منظومة منهجية موظفة للاستنباط، تعرف بها مدرسة الرأي. وهو الرفض الذي مثله الوسط الشيعي بأغلبيته المحدثة.

الاتجاه الثاني؛ هو الذي استحسن التوجه الأصولي، ولكنه رفض الأخذ به بكل مفرداته، فاستنكر الأخذ بالقياس كمفردة من مفردات علم الأصول، لا القياس كعنوان يستوعب كل علم الاصول والعلوم الرديفة، وهذا التفريق في المواقف من انجاز ابن الجنيد على غاية من الأهمية، لانه سيكشف لنا كيف تحرك الاتجاه الثاني على الخط الذي مثل متابعة لجهود ابن عقيل والعماني، رغم استنكاره عليهما الأخذ بالقياس، فمن ضمن الذين ردوا على ابن الجنيد تلميذه الشيخ المفيد، حيث ألّف رسالة بعنوان " الرد على ابن الجنيد في القياس "، الا ان المفيد كان من الرافضين المنتمين إلى الاتجاه الثاني في رفضه، ومما يدلل على استحسان الاتجاه الثاني لتوجه ابن الجنيد الأصولي، الثناء والإطراء الذي حظي به ابن الجنيد، فينقل السيد بحر العلوم في ترجمته لحياة ابن الجنيد: «هذا الشيخ على جلالته في الطائفة ورئاسته وعظم محله قد حكى القول عنه بالقياس ونقل ذلك عن جماعة من أعاظم الأصحاب وعلى ذلك فقد أثنى عليه علماؤنا وبالغوا في إطرائه ومدحه وثنائه»([ii]). ومن المادحين له الشيخ الطوسي تلميذ المفيد حيث كتب في «الفهرست» يقول: «كان جيد التصنيف حسن القياس الا انه كان يرى القول بالقياس فتركت لذلك كتبه، ولم يعول عليها»([iii])، ومن المادحين في هذا الاتجاه أبي جعفر بن معد الموسوي وهو متأخر عن الشيخ الطوسي، حيث نقل عنه «انه وقف على كتاب ابن الجنيد الفقهي واسمه «التهذيب» فذكر انه لم يـرَ لأحد من الطائفة كتابا أجود منه ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ولا أرق معنى منه، وقد استوفى فيه الفروع والأصول وذكر الخلاف في المسائل واستدل بطريق الإمامية وطريق مخالفيهم»([iv])، فكان المفيد وتلاميذه من المادحين، الذين انتموا إلى الاتجاه الثاني الرافض للقياس كمفرده فحسب، لذلك تابعوا الاتجاه الجنيدي، الذي شكل المحاولة الأولى لتأسيس الخط الأصولي في الدائرة الشيعية، والمحاولة الأولى للاختراق الفكري الهادف الى كسر الاتجاه الحديثي، والتخلص منه كصبغة للتشيع.

وهذه الصدمة التي منيت بها الجهود الراغبة في كسر الجمود في الفكر الشيعي، حدا بروادها المفيد وتلاميذه من الاتجاه الثاني، إلى الحذر من طرح ما استحسن من مناهج الطرف الآخر، بالصورة العلنية الصارخة. فالمفيد تلميذ ابن الجنيد من خلال نتاجه تبنى اغلب مناهج مدرسة الرأي، التي تتلمذ على أيدي رجالاتها، مثل عبدالله البصري وعلي بن عيسى الرماني، وكلاهما من شيوخ المعتزلة. ويتضح تبنيه في مؤلفاته، إذ كتب في الأصول «وأصل فيه الخط الفكري الذي سار عليه ابن أبي عقيل وابن الجنيد قبله»([v])، وكتب في تفسير القرآن، ومنهجه في كتابه «أوائل المقالات» يعتمد على علم الكلام، وعلى الطريقة التي درج المعتزلة الكلام بها في العقيدة، وقوله بخبر الآحاد، الذي يمثل مبحثا في علم الحديث، الذي نشأ في دائرة الرأي. ثم نما هذا التبني وتبلور في نتاج تلامذته، وابرزهما المرتضى والطوسي، مما يوضح ثمرة موقف الاستحسان لاتجاه ابن الجنيد. كما ان مسيرة المفيد وتلامذته أخذت المنحى ذاته في اتجاه يواصل مسيرة ابن الجنيد والعماني. وهذا يرجح قول الاستربادي الذي عزا نمو هذا الاتجاه في التشيع إلى تحسين المفيد عمل ابن الجنيد والعماني لتلاميذه. فكتب الاستربادي في «الفوائد المدنية» يقول: «لما نشأ ابن الجنيد وابن عقيل طالعا كتب الكلام وأصول الفقه للمعتزلة ونسجا في الأثر على منوالهم، ثم ظهر الشيخ المفيد فحسن الظن بهما عند تلامذته كالسيد الأجل المرتضى ورئيس الطائفة فشاعت القواعد الكلامية، والقواعد الأصولية، المبنية على الأفكار العقلية بين متأخري أصحابنا»([vi])، وكذا يتبين ان الاتجاه الذي دشنه ابن الجنيد والعماني، تواصل من خلال المفيد وتلامذته.

وإذا كان تحليل الاستربادي قد يَرد عليه التشكيك في نزاهته، وشهادته مجروحه، لوقوفه في الجبهة المناهضة للخط الأصولي، فان هناك من الأصوليين المبرزين والمعاصرين كمحمد باقر الصدر، الذي يتبنى هذا التحليل، بل يرى ان القديمين ابن أبي عقيل العماني وابن الجنيد من الرواد النوابغ، من فقهاء الإمامية. فهما رأس حربة  الخط الأصولي، والمؤسسان لصرحه. فكتب يشرح كيف نشأ الخط الأصولي وتأسس على يد رجالات طليعتهم (الثنائي النابغ) مرورا بالمفيد وتلامذته وانتهاء بالمعاصرين. فكتب في هذا الاتجاه يقول: «.. نجد ان الإمامية بمجرد ان انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الأصولية، وأقبلوا على درس العناصر المشتركة، وحققوا تقدما في هذا المجال على يد الرواد النوابغ من فقهائنا من قبيل الحسن بن علي بن أبي عقيل، ومحمد بن احمد بن الجنيد الإسكافي في القرن الرابع. ودخل علم الأصول بسرعة دور التصنيف والتأليف، فألف الشيخ محمد بن النعمان الملقب بالمفيد سنة (413هـ) كتابا في الأصول وأصّل فيه الخط الفكري الذي سار عليه ابن أبي عقيل وابن الجنيد قبله، ونقدهما في جملة من آرائهما. وجاء بعده تلميذه السيد المرتضى (ت336هـ) فواصل تنمية الخط الأصولي وأفرد لعلم الأصول كتابا موسعا نسبيا سماه «الذريعة» وذكر في مقدمته ان هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتجاهات الأصولية التي تميز الإمامية باستيعاب وشمول... وصنف فيه عدد آخر من تلامذة المفيد، منهم سلار بن عبد العزيز الديلمي (ت436هـ) إذ كتب كتابا باسم «التقريب في أصول الفقه»، ومنهم الشيخ الفقيه المجدد محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) الذي انتهت إليه الزعامة الفقهية بعد أستاذيه الشيخ المفيد والسيد المرتضى، فقد كتب كتابا في الأصول باسم «العدة في الأصول»...»([vii]).

يضاف إلى تحسين المفيد لتلامذته هذا الاتجاه، تتلمذ هؤلاء التلامذة على أيدي علماء العامة كما تتلمذ لهم المفيد من قبل. ففي ترجمة السيد بحر العلوم للشيخ الطوسي، أحصى ابرز مشايخه من الخاصة والعامة باثنين وثلاثين شيخا، نصفهم من علماء المذاهب المخالفة، حيث اطلع الطوسي من خلالهم على مذاهب الرأي وآرائها، والتي خولته لاحقا وضع الكتب المقارنة، التي فيها يناقش آراء المذاهب، كما فعل في كتابه الذي عنونه بـ«الخلاف» والواقع في قرابة ألف وخمسمائة صفحة، والمطبوع في ثلاث مجلدات.

ومن العوامل الرئيسة، التي فرضت على المفيد وتلامذته هذا التبني للعلوم المنهجية، طبيعة القرن الرابع، التي احتدم فيه الجدال، نظرا للازدهار الذي شهدته مدرسة الرأي، بخروجها من بدايتها الفطرية الساذجة إلى مرحلة التدوين والحصاد لجهود طويلة، بذلت في بلورة علوم هذه المدرسة، ثم بقيام الدويلات المذهبية، التي اهتمت بالفكر والعلم وشجعت أهله، مما عزز وتيرة الحوار والتنافس والحرب الكلامية الدائرة بين المذاهب على اختلافها، والتي مثلت صراعا ضاريا من اجل البقاء، لا يثبت فيه الا الأقوى، ففي القرن الرابع «شهد لكل مذاهب المتكلمين من إمامية واشعرية ومعتزلة دعاة وأنصارا وأتباعا يتجادلون ويتناظرون، وكان لهذا الصراع الفكري أبعد الأثر، فلم تبق دعوة الا عرفت ولا فكرة الا استجليت، ولا وسيلة دفاع أو هجوم الا القي بها في ميادين المساجلة والمناظرة، فكان لزاما على رجال كل مذهب ان ينشطوا للذود عنه، وإعطائه صفة القدرة على البقاء، وقد نبغ من الإمامية «ثالوث» لم يعرف القرن الرابع اكثر منه نشاطا وحماسا لعقيدته: «المفيد، المرتضى، الطوسي»([viii]). والذي يطّلع على الإنتاج الأدبي للمفيد يلحظ الحرب المذهبية المسعورة، فمؤلفاته البالغة (194 مؤلفا)، رهينة الحرب المذهبية السائدة آنذاك، ويتضح ذلك في تعبير عناوين المؤلفات، حيث عناوين نصف نتاجه الفكري تشتمل على كلمة (رد) و(نقض)، فمحتواها يشتغل بالنقض لأفكار الأطراف المذهبية الأخرى في هجمات مضادة، ومن جملة تلك العناوين الدالة : «النقض في الإمامة على جعفر بن حرب، النقض في الخمس عشرة مسألة على البلخي، النقض على ابن عباد في الإمامة، النقض على أبي عبدالله البصري، النقض على الظلمي في الغيبة، النقض على النصيبي في الإمامة، النقض على علي بن عيسى الرماني في الإمامة، نقض كتاب الأمم في الإمامة، الرد على ابن الاخشد في الإمامة، الرد على ابن رشيد في الإمامة، الرد على ابن عون في المخلوق، الرّد على ابن كلاب في الصفات، الرد على الجبائي في التفسير، الرد على كتاب الجاحظ في العثمانية، الرد على الخالدي في الإمامة، الرد على الزيدية، الرد على الشعبي، الرد على العفيفي في الثوري، الرد على المعتزلة في الوعيد.. إلى آخر مؤلفاته»([ix]).

والحرب الكلامية التي شنها هذا الثالوث بما ألف وكتب، إنما هي حرب دفاعية عن مذهب التشيع، في وجه سيل من الانتقادات المتراكمة منذ قرون. وكانت وسائل الدفاع والهجوم مستمدة من علوم مدرسة الرأي في الكلام والقائمة على المنطق والفلسفة والاستعانة بالإطلاع على مذاهب تلك الأطراف المناوئة، وما فيها من ثغرات، وما عندها من مؤيدات للمذهب الإمامي. فهؤلاء الأقطاب الثلاثة استعاروا من الخصوم أدواتهم، وحاربوهم بها، وانتصروا عليهم في كثير من المواقع. كما حارب الاشعري المعتزلة بسلاحهم، فهزمهم، وضمن لأهل الحديث البقاء. وانتقل اسمهم إلى الاشعري، كذلك نسب التشيع المتأخر في شهرته إلى هؤلاء الثلاثة، الذين جاءوا في حقبة ما بعد عصور الأوصياء، وضمنوا للتشيع البقاء وانتشلوه من أزمته. فتصدى الخط (المعقلن) للتشيع لا محدثي الطائفة، الذين لم يسمع لهم حس يذكر في الصراع الكلامي الذي لا أهلية لهم لتحمل أعبائه، ولهذا برز هؤلاء الثلاثة الذين تسلحوا بالعدة المنهجية لمذاهب الرأي، كمشيخة للطائفة، تعرف بهم لا اقل في العراق. رغم ان الطابع العام للوسط الشيعي طابع حديثي. ولكن مع بروز هؤلاء أخذ ينمو خط معقلن يبشر بانعطافة ومرحلة جديدة، كان هؤلاء الثلاثة روادها.

لهذا السبب حظي الثالوث الشيعي بمكانة عند الدولة البويهية، التي عاشوا في ظلها. فكان المفيد يزوره عضد الدولة في بيته، ويعوده إذا مرض([x])، وأعطي الشريف المرتضى نقابة العلويين([xi])، ونصّب الخليفة القائم بأمر الله الطوسي على كرسي علم الكلام ببغداد، فكان يحضر تحت منبره ثلاثمائة من المجتهدين من سائر الطوائف([xii]). وهذه المواقف الصادرة عن البلاط البويهي ناتجة عن تشيع البويهيين، مما حدا بهم لإظهار الاهتمام بعلماء الشيعة، رغم اهتمامهم أيضا بعلماء المعتزلة. وهكذا تعززت، بالمساندة الرسمية، مكانة هؤلاء الثلاثة في رئاسة الطائفة.    


 

([i]) الاستربادي، الفوائد المدنية، 56.

([ii]) فوائد الاصول، 9.

([iii]) الخونساري، روضات الجنات، 6/ 146.

([iv]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة، 61.

([v]) ن، م، 55.

([vi]) الاستربادي، الفوائد المدنية، 56.

([vii]) الصدر، المعالم الجديدة، 55-56.

([viii]) عبد الرزاق محي الدين، أدب المرتضى، 17.

([ix]) راجع هذه العناوين في ترجمة المفيد المتصدره لأماليه «امالي المفيد ».

([x]) المفيد، امالي المفيد (المقدمة)، 6.

([xi]) الخونساري، روضات الجنات، ترجمة المرتضى.

([xii]) آغا بزرك الطهراني، طبقات اعلام الشيعة في القرن الخامس، 160.