حول الأحاديث:

أما على صعيد تراث الأحاديث، فان علماء الطائفة في تلك الحقبة، لم يعتمدوا على غير الأحاديث المروية عن طريق أئمة أهل البيت. كما يتضح ذلك، عند تقليب كتب الأحاديث، التي دوّنها المحدثون على امتداد تلك القرون. وكان هذا الانغلاق على ما سوى الحديث الإمامي ينطلق من النهي عن الأخذ من المخالفين، في الوقت الذي كان النهي متوجها للجهال، أما فقهاء القرآن المؤول، حواريو الأئمة، كمحمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وأبان بن تغلب، فان الامر متوجه إليهم من خلال خطاب الإمام الصادق الى محمد بن المسلم حين قال له: «يا محمد بن مسلم ما جاءك من رواية من برّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك من رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به»([i])، فهذا الخطاب يظهر ان ليس هناك أي قيمة للطريق المروي به الحديث، فكل حديث معروض على كتاب الله سواء أجاء به البر أم جاء به الفاجر، لان البر بإمكانه ان يقع في الوهم، والفاجر ليس كل ما يصدر عنه كذب. وقد درج أصحاب الأئمة من فقهاء التشيع على أخذ الحديث عن فقهاء العامة والمخالفين ،أيضا، ولم يقتصروا على الرواية عن أئمة أهل البيت، أو على ما ينتجوه من خلال تأويلهم للكتاب، ويؤكد أخذهم ذاك، قول محمد بن أبي عمير: «اني رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة»([ii])، فكان العرض على الكتاب هو المعيار، فالتأويل هو منهج النقد للاحاديث كما هو منهج استنباطها، ولكن حين جهل هؤلاء المحدثون التأويل، اضطروا إلى الاكتفاء بالحديث المروي عن طريق أئمة أهل البيت.

وإذا ما تحرينا عملية تعاطيهم مع النصوص، وما تخضع له من ضوابط منهجية، لاحظنا ان العملية مجردة من أي تعاطٍ منهجي، فهي قائمة على الفهم الساذج لدلالات النص المتبادرة، فكانت الحوادث التي تطرقهم يلتمسون أجوبتها، ويحددون معالم الموقف العملي منها، بناء على المعطيات الظاهرية للأحاديث. فإذا ما فُقد النص لاذوا بالموقف السلبي، المعتمد على التوقف فيما لم يرد فيه حديث، وذلك كنتيجة طبيعية لاقتصارهم على الدلالات الظاهرية المحدودة الآفاق، التي يعبر التمسك بها عن حرفية الفهم للنص. هذا ما يصرح به الطوسي في مقدمة كتابه الفقهي (: المبسوط): «لانهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ حتى ان مسألة لو غير لفظها وعبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لتعجبوا منها وقصر فهمهم عنها»، وتحليل الطوسي لطبيعة شخصية المحدثين هذه جعلته يرتب عليها نتائج عملية. فيبين ان كتابه الفقهي المعنون بـ (النهاية) اعتمد على عبارات الأحاديث، حتى لا يستوحش الوسط المحدّث مما يكتب. وأضاف يقول: «وكنت قد عملت على قديم الوقت كتاب النهاية وذكرت جميع ما رواه أصحابنا من مصنفاتهم وأصولهم من المسائل وفرقوه في كتبهم.. أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لايستوحشوا من ذلك». هذا تصوير لبساطة عقلية المحدّث وسطحية علمه. وفي هذا نموذج للعالم الشيعي على امتداد القرون المتقدمة، فقد اقتصرت هذه العقلية المحدّثة على التعاطي الظاهري مع النصوص، لدرجة قصورها عن فهم المعاني والدلالات عند إجراء أي تحوير في عبارتها، كدليل على التزام حرفي بالنص، وهو ما لا يمكن تبريره الا بغياب المنهج المعبر عن فعالية العقل، واقتصار العملية الفقهية على جمع الأحاديث وحفظها وروايتها، والاعتماد على ظواهرها خشية التورط في تفسير يوقعهم في تفسير الرأي المحرم، هذه العقدة أحالت علمهم بالدين إلى رواية نصوصية لا دراية فيها.

أما عن تمحيصهم للتناقض والاختلاف الظاهر في نصوص الأحاديث، فان التزامهم الظاهري والحرفي بالنصوص، وجهلهم بمنهج الاستنباط، كشف عن جهلهم بمنهج نقد الأحاديث، لان منهج استنباط المعرفة ذاته يمثل أداة نقد المعرفة، فلذلك الجهل قبلوا بكل الأحاديث رغم تناقضاتها. فحين تعرضهم للأحاديث المختلفة اكتفوا بالتخيير بأيها شاءوا اخذوا، في عملية انتقائية وجدوها أيسر الطرق المشروعة. ويعترف الكليني (ت 360) في مقدمة كتابه (الكافي) بجهل علماء الطائفة في عصره بمعايير التمييز بين الأحاديث المتضاربة، فكتب يقول: «يا أخي! أرشدك الله، انه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء برأيه الا على ما أطلقه العالم بقوله (ع): اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، وقوله: دعوا ما وافق القوم فان الرشاد في خلافهم، وقوله: خذوا المجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك الا أقله، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (ع)، وقبول ما وسع من الأمر منه بقوله: أيما أخذتم من باب التسليم وسعكم»([iii]). فالمعايير التي طرحها فكر أهل البيت القائم على التأويل، لم يحط بها الكليني شأنه شأن علماء عصره من أبناء الطائفة ذوي العلم الروائي، فاكتفوا للتخلص من التناقض بالتخيير بين المتناقضات، بناء على النص الآنف، «بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم»، بينما لم يكن هذا الطريق ليغني عن الطريق الأساسي المتمثل في العرض على الكتاب، والذي يتطلب الإحاطة بـالتأويل كمنهج للنقد، كما هو منهج للفتوى والمعرفة، فكان الاكتفاء بالتخيير حلا نهائيا لتجاوز التناقضات في الحديث، لا يؤدي للتخلص من المشكلة على الإطلاق. بينما  يمكن الاكتفاء بالعرض على الكتاب المؤول كحلّ نهائي، يكفل المحافظة على الأحاديث، وصونها مما ليس منها، كما يكفل حل تناقضها إذا كان تناقضا ظاهريا، وليس جوهريا ناشئا عن الوضع والافتراء، فمعيارية العرض على الكتاب معيارية صارمة، تمثل فرقانا يجعل حدا فاصلا بين الحق والباطل، ويترتب على ذلك قبول الحديث أو ردّه، دون مراتب وسطية بين الحكمين، وهذا ما لم يحط به أولئك المحدثون علما.

هذا العلم الروائي الذي مثله الوسط الفكري الديني، المؤلف من عشرات الآلاف من المحدثين*، جعل نتاج ابرز المحدثين من الكتب والمؤلفات، لا يعدو تصنيف الأحاديث وتبويبها بين دفتين. فكل كتبهم أحاديث تروى، مثلا، حين نستعرض مؤلفات الصدوق**نجد إنها كُتب حديث، مطروحة كي يتعاطاها الوسط العام، ويستفيد منها بشكل مباشر. فعنوان أهم كتبه "من لا يحضره الفقيه " يعتبر نموذجا مثاليا يدلل على هذه الحقيقة، حيث يستطيع من لايحضره الفقيه الاستفادة من كتابه، الذي هو عبارة عن أحاديث مبوبة في أحكام العبادات. كذلك كانت تصنيفات بقية المحدثين، فهي كتب تدل على طبيعة علمهم الروائي المجرد عن الدراية، والمعتمد على النقل البعيد عن الإنتاج الفكري.

إلى هنا نكون قد حددنا معالم الفكر الديني، وملامح الشخصية المزاولة لهذا الفكر. بالإضافة إلى ذلك، نستنتج ان التراث الفكري لأهل البيت يتألف من ثلاثة عناصر:

1) القرآن: ويدخل تحت عنوانه القراءات القرآنية المروية عن الرسول وأهل البيت.

2) الأحاديث: ونعني بها عموم الأحاديث الواردة عن الرسول وأهل بيته.

3) التأويل: ونقصد به جانب من الآيات والمرويات التي تناولت التأويل باعتباره منهجا.

والمسار التاريخي يبين ان التأويل في هذا المركب الثلاثي هو العنصر الأهم الذي اختفى العلم به، فلم نلمح له اثرا في الصورة المرسومة، وباختفائه افتقد الدين القدرة على مسايرة تطور الحياة، وما تلقي به من مستحدثات. مما قاد أهله إلى تبني التوقف تجاه المستحدثات. هذا التوقف الذي لم يكن متوقعا ان يستمر، إذ الحياة غير قابلة لان تتوقف، فاما ان يوجد علاج عاجل لهذأ المأزق الفكري، واما ان الفكر الشيعي سيتعرض للانقراض من الوجود، لعدم قدرته على التأقلم مع تقدم الحياة، لافتقاده إمكانية الاستمرار خارج النمط القديم، الذي ترسمه ظواهر النصوص.


 

* بلغ عدد المحدثين، مثلا، في عصر الحسين بن بابويه القمي (ت329 هـ) مئتي الف محدّث.

** كتب الشيخ الصدوق، هي: علل الشرائع، معاني الاخبار، التوحيد، ثواب الاعمال وعقاب الاعمال، الخصال، عيون اخبار الرضا، كمال الدين وتمام النعمة، مشيخة الفقيه، أمالي الصدوق، من  لا يحضره الفقيه.


 

([i]) البحراني، تفسير البرهان، 1/ المقدمات.

([ii]) تفسير القمي، 2/ المقدمة.

([iii]) الكليني، الكافي، المقدمة.