حول القرآن:

تصف لنا مقدمة كتاب (التبيان) للشيخ الطوسي(385-460هـ) طبيعة الفكر الشيعي الذي ساد حول القرآن والتأويل: «واعلم ان الرواية ظاهرة في اخبار اصحابنا بان تفسير القرآن لايجوز الا بالأثر الصحيح عن النبي(ص)، وعن الائمة (ع) الذين قولهم كقول النبي (ص)، وان القول فيه بالرأي لايجوز»([i]). ففي عبارة الطوسي هذه شهادة على الوضع الذي آل اليه العلم بالقرآن وتأويله عند الشيعة، حيث اصبح تفسير القرآن، يعتمد على الموروث الروائي، الذي يتألف من روايات تأويل القرآن، والتي صنفها محدثو القرن الثالث الهجري في عدة كتب أبرزها: (تفسير العياشي)(تفسير القمي)(تفسير فرات الكوفي). فهذه التفاسير كلها تعتمد على الاحاديث المروية عن أهل البيت في التفسير، وكان واضعوها من ابرز العلماء المنتمين الى الكيان الشيعي في تلك الحقبة. وبهذه التفاسير يعربون عن عدم إيمانهم بتفسير، غير التفسير بالمأثور المروي عن أئمة أهل البيت.

وتؤكد عبارة الطوسي، أيضا، ان التفسير بالرأي لا يجوز، ويتحدد مفهوم الرأي لدى علماء الطائفة انذاك بوضعه في قبال التفسير بالمأثور، مما يقتضي تعريفه بانه كل تفسير يتجاوز الأثر الصحيح المروي عن الرسول وأهل بيته. وفي هذا المفهوم خروج عن المفهوم التراثي، الذي حددناه فيما تقدم، حيث عرّفنا الرأي بالتفسيرات التي تتجاوز التأويل كمنهج استنطاقي يفسر فيه القرآن بعضه بعضا، وهذا التجاوز للتعريف الحقيقي نتج عن قناعة مغلوطة، حكمت عقلية المحدثين، ترى ان تفسير الكتاب والعلم بتأويله، يقتصر على أئمة أهل البيت. وهذه القناعة سيطرت على ذهنية المحدثين استنادا لبعض الروايات المتشابهات، التي تشير الى اختصاص علم التأويل بـ «من خوطب به»([ii])، وهم الرسول وأوصياءه، بينما هذه الروايات الى جانبها روايات أخر تحكمها، تؤكد بان علم التأويل متاح للجميع، ولا يقتصر على فئة دون أخرى.

ويضيف الطوسي في مقدمة كتابه الآنف الذكر: «واعلموا ان العرف من مذهب أصحابنا والشائع من اخبارهم ورواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد*، على نبي واحد غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وان الانسان مخيّر بأي قراءة قرأ، وكرّهوا تجويد قراءة بعينها، بل أجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القرّاء، ولم يبلغوا بذلك حدّ التحريم والحظر»([iii]). وهذا التقرير لموقف المحدثين من القراءات يبين وقوعهم في تناقضات الاحاديث، فأربكتهم الاحاديث، التي جاءت تؤكد نزول القرآن على سبعة أحرف، والاخرى التي تكذب النزول على سبعة، وتصرّح بنزوله على حرف، وكان الموقف غامضا لانطماس معالم الأحداث الجليلة، التي تتعلق بها هذه الأحاديث، مما تم بيانه على امتداد الفصول المتقدمة، والتي حتمت تبني الأئمة لموقف التقية حين سؤالهم في الملأ العام عن فكرة نزول القرآن على سبعة أحرف، فغياب هذا التصور عن الوسط الحديثي، دعاهم الى القول بنزول القرآن على حرف، كما هو بين الدفتين بصيغته العثمانية. ولكن كان بالامكان الالتفات الى الروايات الكثيرة، التي أوردت قراءة الأئمة للقرآن على أحرف كثيرة بالزيادة والنقيصة، وهي الروايات الدالة، بلا ريب، على التزام الإئمة برواية القرآن على سبعة أحرف، «فبأيها قرأت أصبت»، الا ان غياب تصورهم لمسألة الاحرف السبعة، جعلهم ليس لهم القدرة على تعليل هذه المسألة، لكي يتبنوا القول بها، فهم لايعرفون الصلة القائمة بين فكرة نزوله على سبعة أحرف وفكرة التأويل. واذا فرضنا درايتهم بها، وهو فرض بعيد، كل المؤشرات تناقضه، الا انهم يقولون باحتكار أهل البيت لعلم تأويله، فلا يعلم تأويله إلا الراسخون في العلم، أي أئمة أهل البيت فحسب.

وفي الوقت الذي قالوا بنزول القرآن على حرف واحد، أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء! وان الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ، وكرهوا الالتزام بقراءة بعينها. ولابد انهم شمّلوا في ذلك المُجاز، مما روي عن أهل البيت من قراءات يتحرك فيها النص القرآني، ذلك بانهم اعتبروا كل الأحاديث التي بين أيديهم صحيحة، إلا ان البعض تمسك بالنهي الوارد عن القراءة بخلاف ما يقرأ الناس، والصبر الى ان يقوم القائم، كما مر في حديث الإمام الصادق.


 

*  اشارة الى الحديث الذي روي عن الصادق: «ان  الناس يقولون؛ ان  القرآن نزل على سبعة أحرف! فقال (ع): كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد »(الكليني، الكافي،1/361)


 

([i]) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، المقدمة.

([ii]) الاصفهاني، عوالم العلوم، 2-3/611. المجلسي، بحارالانوار، 46/349. الخوئي، البيان، 268.

([iii]) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، المقدمة.