الفصل السابع: القرآن وعصر الغيبة (غياب التأويل)

 

«كل أمة رفع الله عنها علم الكتاب لما نبذوه وولاهم عدوهم لما تولوه» الامام الجواد (ع).

 

 

 معالم الفكر الشيعي:

مر الفكر الشيعي بمرحلتين؛ تبدأ المرحلة الأولى، في حياة الرسول وتستمر إلى عصر الإمام الثاني عشر، وتنطلق المرحلة الثانية، بعد فترة انتقالية مدتها قرابة السبعين سنة، فيما بعد عصور الأوصياء، وتنتهي بخروج الإمام الغائب، ليعود الأمر كما بدأ. تتميز المرحلة الأولى بتأسيس الفكر الديني على أساس القرآن المؤول، المنتج لآيات الكتاب والأحاديث، مما يجعل الفكر نصوصيا قائما على عنصر القطع واليقين. بينما تميزت الحياة الفكرية في المرحلة الثانية بغياب التأويل، والاعتماد على ظواهر النصوص عند البعض، وعلى الرأي عند البعض الآخر. إلا ان طابع الانتاج الفكري لدى الجميع آراء وأقاويل، تستند الى الظن والاحتمال. عاشت الأمة الشيعية في المرحلة الأولى وحدة الكيان*، وتمزقت في المرحلة الثانية الى فرق ومرجعيات، هذا التحوّل من الوحدة الى الفرقة، انبنى على أساس الإنقلاب في البنية الفكرية من التأويل الى الرأي.

فهذه الظاهرة تكررت على امتداد تاريخ الرسالات السابقة، وتنسحب على الأمة الإسلامية، التي تقتفي أثر الأمم المتقدمة. فهذه السُّنة لا تبرز فقط برحيل الرسول وخلافة الوصي له، بل في كل مرحلة انتقالية، يخلف فيها الوصي الوصي الراحل، فتتعرض الحالة العقلانية في الأمة للاهتزاز، ووحدة الصف للامتحان، وهذا الواقع المتكرر يؤدي الى تفتت الأمة، والى انهيار حاكمية الكتاب فيها، والى غياب الحالة العقلانية عنها، الى ان ينتهي هذا التقهقر الى انحسار نظام الدين ويقتصر حضوره على الحضور الإسمي، والممارسات الشعائرية الفارغة من المضمون ..

في مرحلة الغيبة، كان من المفترض أن يؤول أمر الدين الى الفقهاء الوارثين لعلم تأويل الكتاب، والمترجمين بعملهم القرآن، والمعروفين بالزهد والورع والجهاد، الا أن الوسط الشيعي في ظرف السبعين سنة، ابتداء من 260 هـ وهي السنة التي استشهد فيها الإمام الحسن بن علي العسكري، وغاب فيها الإمام محمد بن الحسن المهدي، خلال هذه الحقبة ضاع تراث عصور الأوصياء في أهم جوانبه، المتمثل في التـأويل، وقبض العلم بقبض العلماء العارفين به. إذ يلاحظ المطالع لصفحات تاريخ تلك الحقبة، وبالتحديد في أواخرها، كيف غدا الواقع العلمي الشيعي واقعا متخلفا الى أبعد الحدود، تمثل تخلفه في تحوّل العلم كله الى رواية لا دراية فيه، فلم يكن هناك علماء، وإنما كان هناك رواة ومحدثون يروون نصوص الدين قرآنا وأحاديث. ويمكن إقامة الشواهد على ملامح ذاك الواقع بمقدمات بعض الكتب، التي كتبت في تلك الحقبة، ووصفت الواقع العلمي الشيعي، ولو بصورة مبعثرة الأوصال، الا انها على أي حال تعتبر وثائق بالغة الأهمية، في الـتّعرّف على ظروف تلك الحقبة، وملابسات النشاط العلمي وملامح التفكير الديني السائد آنذاك.


 

* قد يقال ان  هذا القول يجانب الحقيقة، باعتبار ان الشيعة بعد كل إمام من ائمة اهل البيت، تقريبا، افترقت الى عدة فرق، والجواب ان النظرة الى وحدة كيان الأمة الشيعية هنا لايعتمد على التصنيف الزمني والمرحلية التاريخية المشار اليها فحسب، وانما يعتمد ايضا على التصنيف الذي قوامه النظرة المبدئية، التي تقتضي ان الامة في ظل القرآن المؤول لا يمكن ان تنتج الفرقة، وفي ظل الرأي يتحتم انتاج الفرقه والمذهبية، فالفِرق الشيعية التي انشقت كانت ناجمة عن التأثر بالوسط الفرقي العام العامل بالرأي. ولان المرحلة الاولى التي كانت فيها الأمة  تتميز بوحدة الكيان، كانت في الحقيقة تتعايش الى جانب الفرق الاخرى العاملة بالرأي، مما يجعل تلك الفرق والمذاهب الشيعية المنشقة محسوبة على واقع الرأي، فيبقى دائما الكيان التأويلي متوحدا وكيان الرأي ممزقا. حتى في عهد الرسول كان التأويل يتعايش مع الرأي، وواقع الفرقة يقوم الى جانب واقع الوحدة، إلا ان المانع من انبثاقه امتلاك الرسول لقوة السلطة الرادعة التي بها تصان الوحدة، وهي القوة التي يفتقدها الوصي، فلا يستطيع بذلك ان يردع اصحاب الاهواء من ان يقوموا بحركاتهم الانشقاقية، لوقوع الكيان الشيعي ضحية الاستضعاف، بهذا ينتفي اللبس عن كلامنا حول وحدة كيان الأمة الشيعية في ظل القرآن المؤول، ويصبح قابلا للتصوّر.