قيود فكرية (2)

تجلت المشكلة في التصور الأموي في تراث الفضائل الكبير الصادر عن الرسول في أهل بيته، يضاف إلى ذلك القرآن المؤول، الذي يمثل منهلا غير متناه لتلك الفضائل، ينهل منه المحدثون بغزارة، وهذا ما حوّل عملية الوضع للأحاديث إلى جهد محدود، ومتواضع في إنتاجه، لاسيما وان القرآن المؤول قادر على إجهاض الموضوعات، بعمليات العرض على القرآن.

لهذا ابتكرت قريش الأموية طريقة تجاري فيها عملية الوضع لتراث الأحاديث في الفضائل. ففي الخطوة الأولى تابعت الجهود المتقدمة بإلغاء التأويل، وواصلت المنع للرواية والتدوين للأحاديث عن الرسول. ففي الخبر ان معاوية صعد المنبر، قائلا: «أيها الناس اتقوا الرواية عن الرسول، الا ما كان يذكر في عهد عمر، فانه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله»[25]، وقد وصفنا واقع الحديث على عهد عمر، ففيه نهى الفقهاء عن الرواية مطلقا، وصادر صحائف الحديث وأحرقها. والتزم عُمال معاوية على الأمصار بالنهي الصادر، نموذجا لذلك ، الوالي الأموي عبيد الله بن زياد الذي نهى زيد بن الأرقم الصحابي عن التحديث بأحاديث الرسول[26]. بعد كل هذا جيّش الأمويون انتهازيي الأمة وشذاذ الآفاق، كي يشاركوا في مشروع ضخم لوضع الحديث في إطار الخطوط العريضة التي يحددها معاوية فقد «كتب معاوية الى جميع عماله في جميع الأمصار:  ان لا تجيزوا الأخذ من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه اسم أبيه وقبيلته، ففعلوا، حتى كثرت الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يهب إليهم من الصلات والخلع والقطايع من العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، ثم كتب الى عماله: ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر فادعوا الناس الى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه، فان، ذلك احب إلينا، وأقر لأعيننا، وأدحض لحجة أهل البيت واشد عليهم، فقرأ كل أمير وقاض كتابه على الناس، فأخذ الرواة في فضائل معاوية وعلى المنبر في كل كورة وكل مسجد زورا، وألقوا ذلك الى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك الى صبيانهم، كما يعلمونهم القرآن حتى علموه بناتهم ونساءهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. وكثرت وظهرت الأحاديث الكاذبة، ونشأ عليها الصبيان يتعلمون ذلك. وكان اشد الناس في ذلك القرّاء المراؤون المتصنعون، الذين يظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولدوها ليحظوا بذلك عند الولاة والقضاة ويدنوا مجالسهم، ويصيبوا بذلك الأموال والقطايع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا وصدقا. فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها، واحبوا عليها وابغضوا من ردها أو شك فيها، فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يحبون الافتعال الى مثلها، فقبلوها وهم يرون انها حق. ولو علموا بطلانها وتيقنوا انها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا والباطل عندهم حقا، والكذب صدقا والصدق كذبا»[27].كرموهم اكرموهم وووووااا

ولم تكن غاية الوضع في فضائل أولئك الخلفاء ومن حولهم، ممن تابعهم الا احلالهم كبدائل للرموز من اهل البيت النبوي، يدل على ذلك كتاب معاوية الى عماله، إذ كتب يقول: «ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي  تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فان هذا احب الي وأقر لعيني وادحض لحجة أبي تراب وشيعته»[28]. وقد روى ابن عرفة، المعروف بنفطويه، في تاريخه، ما يناسب هذا الخبر، فقال: «ان اكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به أنوف بني هاشم»[29]. وبالإضافة الى هؤلاء الرواة المتسكعين على أبواب الولاة، يزاحمون الشعراء في إلقائهم للأحاديث على مسامع الولاة، فكانت أحاديثهم هجاء أو مديحا، بالإضافة إليهم شكّل معاوية جهازا للوضع يتألف من بعض الوضاعين، ممن سموا بالصحابة والتابعين. يصنعون الأحاديث التي يحدد فكرتها معاوية. ينقل ابن أبي الحديد عن شيخه الإسكافي: «ان معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير(*)»[30]، واجزل لهم العطاء على كل خبر يروونه، وبهذا  التكامل في عملية الوضع  التي تنتج ماكينتها الضخمة التراث الموضوع، الذي يوطد أسس الدولة القرشية، وينحت لرجالها رمزية قدسية بالأحاديث الموضوعة، ويسقط في المقابل رمزية أهل البيت بأحاديث مفتعلة، وبذلك يخلط أوراق الدين بقلب الطاولة رأسا على عقب.

لم يستطع الثالوث القرشي المتقدم، إسقاط رمزية أهل البيت بشكل مباشر. واكتفى بمنع الأحاديث المشيدة برمزيتهم وبالوضع في فضائل الثالوث بحدود. بينما قام الأمويون نتيجة الظرف المتهيئ بإسقاط رمزية أهل البيت من على منابر المساجد، بإجراء السب والشتم لأبى تراب وأهل بيته، وتحويل ذلك الى جزء من شعيرة صلاة الجماعة والجمعة. وكان الهدف من جملة عملية الوضع والشتم، إجراء تحوّل فكري في عقلية الأمة، بإعادة صياغتها، بما يتوافق مع فكر السلطة، وفي الاتجاه الذي يخدم استمرارية وجودها. وهو ما صرح به معاوية رأس السلطة في جوابه لابن عباس، الذي خاطبه بالقول: «الا تكف عن شتم هذا الرجل (يعني عليا)؟! قال: لا افعل، حتى يربوا عليه الصغير ويهرم عليه الكبير»[31]. واستمر الشتم الى ولاية عمر بن عبد العزيز، وتحول الى جزء من شعائر الإسلام، عند قطاع من الأمة، بحيث لما أوقف عمر بن عبد العزيز الشتم، قال الناس: «ترك السنة»[32]، ونشأت فئة على هذا الفكر الأموي، الذي يناصب العداء لأهل البيت، عرفت بالنواصب، وكان منها المرجئة(*) .

والخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز، الذي مثل مجيئه انعطافه نوعية في سياسة الدولة الأموية، تجاه التراث وأهل البيت، لإيقافه الشتم فوق المنابر، واصدر اوامره بتدوين أحاديث السنة: «ففي الموطأ ان عمر بن عبد العزيز كتب الى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: ان انظر ما كان من حديث رسول الله(ص) أو سنته فاكتبه، فاني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأوصاه ان يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي  بكر»[33] واخرج أبو نعيم في تاريخ اصبهان عن عمر بن عبد العزيز انه كتب الى أهل الآفاق: «انظروا الى حديث رسول الله (ص) فاجمعوه»[34]، الا ان هذا الخروج عن السياسة الأموية، وما تشكله من خطر على البيت الأموي، حدا بقريش الأموية للتخلص منه، وربما هذا ما يفسر قصر أيام حكمه، حيث لم يستمر في السلطة الا قليلا، (99 -101 هـ)، وبذلك صادروا مشروع تدوين الأحاديث، الذي غدا حبرا على ورق فلم يوضع قيد التنفيذ، أو بالأحرى نتوقع ان الأمر الناسخ صدر من خليفة عمر بن العزيز الى أبي  بكر بالإحجام عن التنفيذ وتناسي الأمر.

الا ان التراث الموضوع لم يغفل حاجات السلطة الظرفية. فظلم السلطة المستفحل لا يمكن تبريره. فاضطرت السلطة ان توجّه حركة الوضع لإنتاج أحاديث، تحض على الصبر على اضطهاد السلطة وظلمها المتنامي، وتمنيها بالجزاء الأخروي وجنان النعيم. فكان التزييف في هذا الاتجاه يسهم في حدوث انقلاب في جانب من المفاهيم الإسلامية، فيتحول مفهوم الصبر من الإيجابية التي تدعو الإنسان المسلم الى الصبر على الطاعة، وعلى الالتزام بأوامر الشريعة، التي من جملتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستنكار على الظالم بالقلب واللسان واليد، وان كلفه ذلك التضحيات، الى الصبر بمفهومه السلبي الداعي الى اللامبالاة، بما يقع من مظالم ومجازر، وتلاعب بمقدرات الأمة، وتجاوز للإسلام كنظام حياة(*).

ويمكن ختام المشهد الأموي، بكلمة أخيرة، نشهد فيها بأن العصر الأموي استطاع بظلمات جوره المتراكبة فوق بعضها، ان يلقي بالأمة في دركات الهاوية حقبا طويلة، لن تستطيع ان تتدارك نفسها، أو تقوم لها قائمة بعدها. وستعقم أرحام نسائها عن ان تنجب إلا حكّاما أمويين حتى النخاع، أو عبيدا في دولة أموية. ليتوارث الحكام والعبيد أوزار الأمة ويتوغلوا في أعماق جحيمها ليكملوا مسيرة الذل والقهر المتأبد، والتيه الذي يضاهي تيه بني إسرائيل. فلن تكون العصور التالية للعصر الأموي، الا امتدادا للأموية في الجوهر والمضمون، ومتابعة للتيه والضياع الخارج بالأمة عن أضواء التاريخ، الى ظلمات مقابر التاريخ. حتى يبعث الله الأمة من جديد على يد الرجل الموعود، ليعيدها الى الموقع، الذي تنتزع فيه أضواء التاريخ. فهذه الأمة قد كتب عليها، إما ان تكون في مقدمة الركب التاريخي، وأما مهروسة تحت عجلاتِه، ولا خيار ثالث، فلنتابع ..

 

المصادر والهوامش

 

* بذل معاوية لسمرة بن جندب اربعمائة الف درهم ليروي ان الاية: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)، قد نزلت في علي بن أبي  طالب، وان الآية التالية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) (ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، 4/73). ومن روايات بقية جهاز الوضع هذا، نجد رواية عمرو بن العاص عن النبي (ص): «ان آل أبي  طالب ليسوا لي باولياء انما وليي الله وصالح المؤمنين » (احمد امين، فجر الإسلام،213)، وروى عروة بن الزبير انه، قال: «حدثتني خالتي عائشة عن النبي (ص) قال لها: ان سرك ان تنظري الى رجلين من اهل النار فانظري الى هذين، قالت: فنظرت، فاذا بعلي والعباس قد أقبلا » (هاشم معروف الحسني، الموضوعات من الاثار والاخبار، 118)، وروى ابو هريرة في حضرة معاوية وعلى مسمع جمع من اهل الكوفة: «والله لقد سمعت رسول الله يقول لكل نبي حرم، وان حرمي بالمدينة ما بين عير الى ثور، فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة، والناس اجمعين، واشهد بالله ان عليا احدث فيها » واجازه معاوية بان ولاه المدينة (ابن أبي  الحديد، شرح النهج، 1/ 358).

* حتى قال الشاعر في المرجئة :

    اذا المرجئ سرك ان تراه       يموت بدائه من قبل موته

   فجدد عنده ذكرى علي       وصل على النبي وآل بيته 

(راجع: فجر الإسلام: 279، 282، 291، 294. ضحى الإسلام 3/ 316-329. جولد تسهير، العقيدة والشريعة في الإسلام: 72-77، 295).

* من جملة هذه الاحاديث الموضوعة الحاثة على الصبر على الظلم: روى عبدالله بن عمر: «اذا كان الإمام عادلا فله الامر وعليك الشكر، واذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر »، وروى عن ام سلمة عن رسول الله (ص) قال: «سيكون امرا فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برء ومن أنكر سلم، ولكن من رضي تابع، قال: قيل يا رسول الله، افلا ننابذهم بالسيف؟، فقال: لا، ما اقاموا فيكم الصلاة، واذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا ابدا من طاعته ». وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله: «يكون بعدي ائمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس، قال: قلت: كيف اصنع يا رسول الله ان ادركت ذلك، قال: تسمع وتطيع، وان ضرب ظهرك واخذ مالك فاسمع واطع ».(راجع صحيح مسلم 6/20-24. ابن عبد ربه، العقد الفريد، 1/8 البخاري، باب لزوم الجماعة).