نكتشف أهمية البُعد الفكري عند الأمويين،
الموازي في أهميته للبُعد العسكري، من البيانات الصادرة،
والتدابير والإجراءات المتخذة، مع أول استلام وسيطرة أموية على السلطة.
لاحظنا ذلك فيما تقدم من عهود، بالإجراءات المتخذة تجاه التراث النبوي، الإجراءات
ذاتها تكررت مع مجيء الأمويين، بإصدر معاوية في عام الصلح، الذي سمي بـ(عام
الجماعة)، بيانا الى مختلف عمّاله على الأمصار وأمرائه على الولايات، جاء فيه: «ان
برئت الذمة ممن روى شيئا عن فضائل أبي تراب وأهل بيته»، هذا البيان على درجة من
الأهمية، لايمكن إدراكها الا بتحليله على ضوء معطيات مرافقة.
الا ان من الجدير التذكير اولا، بأن الرسول هو
القائل في غدير خم: «معاشر الناس ان فضائل علي بن أبي طالب عند الله عز وجل، وقد أنزلها في القرآن
اكثر من ان أحصيها في مقام واحد، فمن نبأكم بها وعرّفها فصدقوه»*، وان الإمام علي حين جاءهم بالمصحف، فان مصحفه انطوى على قراءة
قرآنية تتمحور حول الولاية، وأحقية اهل البيت بالخلافة. وهذا
الواقع القرآني هو الذي يجعل فقهاء التأويل محسوبين على الجبهة العَلَوية. ولذلك
استهدفتهم عملية الملاحقة والتصفية، فيكفي في اتهامهم بالتشيع التزامهم بالتأويل
وعدم تحولهم عنه الى الرأي الممثل لموقف السلطة فيما بعد الرسول، إذ هذا الالتزام يجعلهم
يتبنون موقف المعارضة تلقائيا، وان لم يكونوا فعليا منخرطين بالعمل النشط في
صفوفها. هكذا نلمس ان عمق البيان الأموي، الذي يحظر فضائل أهل البيت، إنما بذلك
يحظر علم تأويل الكتاب ورواية الحديث، فينهي عن تصريف الخطاب القرآني، وانتاج
القراءات وصياغة الأحاديث، لارتباط هذه العملية الفقهية بموضوعات لها صلة بالإمامة
السياسة، وبأهل البيت وفضائلهم، التي تعني افضليتهم المانحه لهم الخلافة.
كما نجد في هذا البيان الأموي الناهي عن نشر
واشاعة فضائل أهل البيت استئنافا لبيانات وجهود الثالوث القرشي المتقدم، الناهي عن
التأويل والرواية بحجج الاختلاف، الا انه كان في الحقيقة يستهدف ما يجاهر به
معاوية في هذا البيان. ويمكن ان نعزز حقيقة هذا البيان بالحوار الساخن، الذي دار
بين معاوية وبين ابن عباس بهذا الشأن، الذي فيه عرّى ابن عباس خلفية هذا البيان،
وكشف عن عمقه الذي ترمي إليه قريش العائدة الى الحكم، من خلال البيت الأموي:
قال معاوية لابن عباس: فإنّا كتبنا في
الآفاق ننهي عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك!
فبادر ابن عباس الى القول: يا معاوية، أتنهانا
عن قراءة القرآن؟
قال معاوية: لا.
قال ابن عباس: أتنهانا
عن تأويله؟!
قال معاوية: نعم!!
قال ابن عباس: أفنقرأه ولا نسأل عما عني به؟! ثم
قال: فأيهما أوجب علينا
قراءته
أو العمل به؟!
قال معاوية: العمل به.
قال ابن عباس: فكيف نعمل به، ولا نعلم
ما عني الله؟
قال معاوية: سل عن ذلك من يتأوله غير
ما تتأوله أنت وأهل بيتك!!
قال ابن عباس: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي،
فأسأل عنه آل أبي
سفيان؟!
يا معاوية! أتنهانا ان نعبد الله بالقرآن بما
فيه من حلال وحرام؟! فان لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم
تهلك وتختلف!!
قال معاوية: أقرأوا القرآن وتأولوه، ولا تردوا
شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس: فان الله يقول في القرآن: {يريدون
ان يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}32/9.
قال معاوية: يا ابن عباس!
أربع على نفسك، وكفّ لسانك، وان كنت لابد فاعلا، فليكن
ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية.
ثم رجع الى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم،
ونادى منادٍ ان برئت الذمة ممن يروي في مناقب علي وفضل أهل بيته»[16].
فابن عباس سأل معاوية عن قراءة القرآن، لمعرفته
ان الكتاب مليء بفضائل علي وأهل بيته(*)، وان بيان معاوية الى الآفاق لا
يحظر تداول فضائل اهل البيت فحسب، وانما ينطوي على المنع من تأويل القرآن، المسؤول
عن انتاج العلم القرآني الباطن، الذي من جملته فضائل أهل البيت. فأراد فضح خلفية
البيان في جانبه الاخطر، الذي يستهدف عملية فقه النص، وبهذا يفضح كفر معاوية،
ويكشف عن عدائه للدين. فطرح سؤاله عن قراءة القرآن، وهل يمنع عنها، وأراد من القراءة
التأويل، وليست القراءة المجردة. ولكن معاوية حاول تفادي السؤال والإحراج، الذي
يحاول ابن عباس ايقاعه فيه أمام الملأ، بغضه الطرف عن المعنى الفعلي المراد من
السؤال. مما دعا ابن عباس الى إعادة تطويقه، بصياغة السؤال بشكل أكثر وضوحا، فسأله
بصورة مباشرة؛ ان كان ينهى عن تأويل القرآن، بذلك وضع معاوية في الزاوية الحرجة،
مما دعاه الى الإفصاح عن خلفية بيانه، والاعتراف بانه يستهدف الحظر على التأويل،
والمنع من رواية الاحاديث المستنبطة به(*).
كان الحظر على التأويل يعني بالضرورة تثبيت
قراءة زيد، معتمد المصاحف العثمانية، باعتبار ان التأويل دينمو يحرك ويعدد قراءة
الخطاب القرآني، وينزل الآيات تأويلا، فيخرج ما يحذره المنافقون: {يحذر المنافقون
ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم}64/9، باعتبارهم درجوا ان يقولوا:
{بأفواههم ما ليس في قلوبهم}167/3، فمنعوا من ممارسة التأويل لكي لا ينزل فيهم
آيات تكشف خروجهم من ربقة الإسلام، وتشرّع الجهاد ضدهم، وتؤدي الى إرجاع الخلافة
الى اهلها، فلأنهم غير قادرين على منع التأويل، في الاتجاه الذي يتعلق بالشأن
السياسي، ويمس أمن الدولة القرشية فحسب، لذلك توجّب عليهم ان يحظروا عموم التحريك
للخطاب تأويلا، وبذلك طمروا نظام الدين وتشريعاته، في الحلال والحرام، كما أشار
الى ذلك ابن عباس: يا معاوية! أتنهانا ان نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال
وحرام؟! فان لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك
وتختلف!!
فكانت قريش بين أمرين؛ التضحية بالتأويل أو
التضحية بالعرش، ولأنهم أهل سلطة ما آمنوا بالإسلام قط، ضحوا بالفكر التأويلي،
الذي يخلق المعارضة بقيادة أهل البيت، لذلك توجب التخطيط لسلب التأويل، من يد جبهة
المعارضة، كسلاح تخوض به الحرب الفكرية، وتنشئ قاعدتها الجماهيرية باستقطاب الأمة،
استنادا الى الآيات والأحاديث التي يصنعها التأويل، وبذلك تدفع المعارضة الأمة
لتأييد حقها بالعنف الدامي، والاستشهاد في سبيل عودتها الى السلطة، كفرض واجب على
كل المنتمين لملة الإسلام، كما فعل الامام علي ذلك إبان حقبة الثالوث القرشي من
خلال رجاله في العراق، مما أثمر قلب نظام عثمان، وتفجير حروب التأويل، حيث تأوّل
القرآن لاثبات إيمان حزبه، وكفر الأحزاب المناوئة له، كاستشهاده بقوله تعالى: {ولو
شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من
آمن ومنهم من كفر}253/2، والتي علق عليها بالقول: (فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا).
بينما تدعم السلطة الاتجاه الفقهي القائم على الرأي، الذي يمنحها الشرعية من خلال
تحريف دلالات النص، لتثبت شرعية الخليفة الغاصب للسلطة، ومن ثم توصم الفئات
الخارجة عليه بالبغي، وتوجب قتالهم.
هكذا تتكشف لنا الخلفية، التي تجعل عُمال الدولة
الأموية على العراق، ينفذون المجازر في صفوف القرّاء، في الوقت الذي يفرضون فيه
القراءة العثمانية، كقراءة يتيمة للكتاب، لا ينبغي تجاوزها الى غيرها، وهو التجاوز
القائم على أساس توظيف التأويل في الخطاب ليصرف وجوهه، ويطلق غزير علمه على هيئة
آيات وأحاديث، فالسلطة القرشية حتى تخفي التأويل المنتج لقراءات النص، كانت بحاجة
الى اعفاء كل شيء يدل عليه، فسعت عبر ولاتها على الأمصار الى درس القراءات، لاسيما
في الأمصار الواقعة سابقا تحت حكم الإمام علي وولاته، الذين أعادوا تأويل الكتاب
الى سابق عهده النبوي، فقرأوا القرآن على قراءات سبع، وصرفوه على وجوهه السبعين،
فانتشرت القراءات من جديد. ونموذج لسعي الامويين لدرس القراءات ما يرويه ابن ابي
الحديد:«أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان، وترك قراءة ابن مسعود، وأبي بن
كعب، وتوعد على ذلك دون ما صنع هو وجبابرة بني أمية، وطغاة مروان بولد علي (ع) وشيعته،
وإنما كان سلطانه نحو عشرين سنة، فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة
عثمان، ونشأ أبناؤهم، ولا يعرفون غيرها، لإمساك الآباء عنها، وكف المتعلمين عن
تعلمها، حتى لو قرأت عليهم قراءة عبدالله وأبي ما عرفوها، ولظنوا بتأليفها
الاستكراه والاستهجان، لألف العادة وطول الجهالة»[17]،
وقد بلغ من شدة الحجاج في هذا الأمر، وقسوته في تثبيت قراءة عثمان وسحق بقية
القراءات، انه كان يقول: «يا عجبا من عبد هذيل (يعني ابن مسعود) يزعم انه يقرأ
قرآنا من عند الله، ما هو الا رجز من رجز الأعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت
عنقه، ولأخلين منها (أي من قراءته) المصحف، ولو بضلع خنزير، [لأحكّنها من المصحف
ولو بضلع خنزير]»[18]. وواضح ان التزام أهل الكوفة الذين
عرفنا التزام الكثير منهم بقراءة ابن مسعود بعد حصر القراءات، لم يتم الا في ظل
التهديد بالقتل، الذي تضمنته عبارة الحجاج: «والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه»،
فهذه العبارة ليست تمنى فحسب، وانما هي وعيد لكل من يتجاسر على المضي على ما مضى
عليه ابن مسعود، وغيره من القرّاء الملتزمين بتأويل النص، وكان من الأسماء
البارزة، التي راحت ضحية لهذه الفتوى الحجاجية، سعيد بن جبير، الذي اسند الإمام
الصادق سبب قتله لإقتدائه بالإمام زين العابدين، وهو ما يتضمن إصرار ابن جبير على
تصريف الخطاب القرآني، فعن إسماعيل بن عبد الملك، انه قال: «كان سعيد بن جبير
يؤمنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبدالله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن
ثابت، وليلة بقراءة غيره وهكذا أبدا»[19].
بهذا الإرهاب الفكري والتهديد بالذبح اندرست
القراءات، واندرس معها التأويل، كما ان عبارة الحجاج «لأحكّنها ولو بضلع خنزير»،
تذكرنا بمقولة عمر للغلام: «حكها، فقال الغلام: لا، هذه قراءة أبي بن كعب»، ان المسافة الزمنية بين
الاثنين تبلغ عقودا من الزمن، فيها توارثت قريش مخطط المكافحة لتراث الاسلام. الذي
دخل مع تقدم الزمن في مراحل اكثر تعقيدا واتقانا في التطبيق، وصرامة في التنفيذ.
في هذا السياق حرصت قريش الأموية على تطوير وإتقان الجهد الذي قام به الثالوث المتقدم،
فرأوا ان المصاحف العثمانية، التي تحصر القرآن في قراءة من القراءات، لا تكفي
لاستئصال التأويل، لانه مازال له القدرة على التسلل والحضور من خلال الشكل
والإعجام، الذي تجردت المصاحف العثمانية منهما. فمازالت هناك إمكانية لتعدد قراءة
المصحف العثماني على مستوى الشكل والإعجام، لذلك سعت قريش الاموية، لتثبيت الخطاب
في هذه التفصيلات، بعد ان ثُبِّت في كلماته وعباراته، وكان الحجاج هو المخوّل
بالمهمة من قبل الخليفة الأموي. فأمر أبا الأسود الدؤلي للقيام بتشكيل القرآن.
فعبر عن الفتحة بنقطة فوق الحرف، وعن الكسرة بنقطة تحت الحرف، وعن الضمة بنقطة بين
يدي الحرف[20]،
وان كان أمر تشكيل القرآن تنسبه بعض الأخبار الى زياد بن أبيه[21]، الا ان المحصلة ان هذين ألواليين
يتلقيان أوامرهما من الخليفة الأموي في الشام، فكان هذا التشكيل ضابطا للخطاب
القرآني، ومقيدا له على صعيد التلفظ والدلالة. وفي مرحلة لاحقة وجّه الأمر الى
يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم بإعجام الخطاب القرآني[22]،
ليتم بذلك قراءة القرآن في إطار إعجامه على وجه واحد. وكلل الحجاج عمله ذاك بحساب
كلمات وأحرف الخطاب القرآني، فاصبح القرآن ذا آيات محصورة العدد، بعد ان كانت
آياته غير متناهية، لينه للأبد إمكانية تصرف النص، حتى لايضاف له تأويلا. ثم أمر
الحجاج، ان تنسخ المصاحف العثمانية المراعية للضوابط المضافة، وبعثت النسخ الى الحواضر الإسلامية، بديلة عن المصاحف العثمانية، التي
أمر بمصادرتها من جوامع الأمصار، بعد ان دأب الناس على القراءة في المصاحف
العثمانية، نيفا وأربعين سنة. ولم يقتصر بعث المصاحف الأموية على المدن والحواضر،
بل وبعث بها ولأول مرة الى القرى[23]، كما وقام الوالي الاموي ابن زياد
من قبل، بضبط القراءة العثمانية في الكلمات، التي كانت تقرأ بالألف، رغم حذفها
منها، حيث أمر رجلا فارسي الأصل، بإضافة الألف الى كل كلمة حذفت منها، فكان هذا
الكاتب ينسخ (قالت) بدلا من (قلت)، و(كانت) بدلا من (كنت)[24].
بهذا الضبط للخطاب القرآني في تفاصيله، تم منع
حضور التأويل في القرآن، واقتصرت إمكانية حضوره على الإطار الشفهي، فيقال هذه
الكلمة تؤول الى الوجوه التالية .. ولما كان هذا من فعل
فقهاء التأويل، فقد حظر عليهم تدريسه، وكانت السيوف الأموية بالمرصاد لكل متجرئ،
فقد اطاحت برؤوس الكثيرين، وتسبب ذلك في تكميم أفواه الباقين عن البوح بحقيقة
التأويل، التي تحولت الى سر، تكفّل الزمن بدرسه بموت حامليه. يضاف الى ذلك، ان
انتشار البديل الذي قوامه الرأي وشيوعه، سيجعل القراءات التأويلية الباطنية
الطابع، محل استغراب وموصومة بالبطلان، باعتبارها مخالفة للوجوه والدلالات
الظاهرة، التي تؤمن بها مدرسة الرأي الظاهرية.
المصادر والهوامش
* في هذا السياق يرد عن الإمام الباقر، قوله: قال
الله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل فأبى اكثر الناس إلا كفورا)89/17،
يعني: لقد ذكرنا عليا في كل آية، فأبوا بولاية علي الا كفورا،(وما
يزيدهم الا نفورا) »، ان كثافة العملية التأويلية في اطار الولاية في التاريخ
وتراث أهل البيت ناتجة عن ان الولاية والسياسة في الأمة كانت محور الصراع الفكري
الذي سرعان ما تطور الى صدام عسكري يستهدف السيطرة بالقوة على كرسي الخلافة، وهو
الصراع الذي فيه برز الايمان كله للكفر كله، فشاركت فيه كل قوى النفاق والانتهازية
ضد جبهة الحق التي مثلها الإمام علي يتزعم أهل البيت النبوي والفئة المؤمنة، ورافق
الصراع العسكري وتلاه تعزيز الصراع الفكري بالرواية والرواية المضادة لكل فريق بما
يعزز موقفه، فاستند اهل البيت الى القرآن المؤول في انتاج الاحاديث والقراءات،
بينما استند اعداؤهم الى الرأي والوضع، وكان اكثر الناس على دين ملوكهم، كما في
الحديث: «الناس على دين ملوكهم ».
* من الأهمية بمكان الإشارة إلى الخلفية التي
ينطلق منها ابن عباس وهو ينشئ هذا الحوار والأبعاد التي يرمي الى الوصول اليها،
وفي هذا الصدد نسلط الضوء على الروايات والتأويلات التي تصدر عن ابن عباس كواحد من
فقهاء العصر النبوي، لنتعرف على ما خشيه الأمويون وهو ذات ما خشاه الخلفاء
المتقدمون من ذلك التراث الذي توحدت مواقفهم منه. فابن عباس ينتمي الى البيت
النبوي، وهو ممن دعا له الرسول: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل »، وقد تعلم
التأويل على يد الإمام علي، فكان تلاميذه يروون عنه، قوله: «انا من الراسخين في العلم
وانا ممن يعلم تأويله »، فكان ابن عباس عن جداره فقيه التأويل الذي صرف القرآن على
وجوه، وقد دل على جدارته ترشيح الإمام علي له للقيام
بأعباء التحكيم بين أهل الكوفة والشام لما رفعت المصاحف، كما في تكليفه له بمفاوضة
الخوارج، وقد أوصاه: «حاجهم بالسنة ولا تحاجهم بالقرآن، فان القرآن حمال ذو وجوه،
تقول ويقولون »، مما يدل على تمكنه في القرآن، وابن عباس قد خبر الكتاب وصرفه على
وجوه متعلقة بفضائل اهل البيت، وفي علي بن أبي
طالب بالخصوص، وخوف معاوية من القراءات والروايات المستنبطة من القرآن في
فضائل علي واهل بيته هو الذي يقف وراء حقيقة منعه. ومن جملة تأويلات ابن عباس
القرآنية الطابع المندمجة بالاحاديث والتي تتخذ من الفضائل موضوعا لها، نعرض هذه
النماذج، روي عنه قوله: ان الله سمى عليا في القرآن اسما لا يعلمه الناس، قالوا:
وما سماه، قال: سماه (نهرا)، ثم تلى قوله: (ان الله مبتليكم بنهر)249/2، وفي قراءة
باطنية أخرى للنص قال: ان لعلي في كتاب الله اسماء لا يعرفها الناس، قال تعالى:
(فأذن مؤذن بينهم)44/7، فهو المؤذن بينهم، يقول: ألا لعنت الله على القوم الظالمين
»، وعنه ان الرسول سئل عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب
عليه: (فتلقى ادم من ربه كلمات فتاب عليه)37/2؟، قال النبي: «سأله بحق محمد وعلي
وفاطمة والحسن والحسين الا ما تبت علي فتاب عليه »، وعن ابن عباس في تفسيره قوله:
(ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا أذى كثيرا)186/3، قال:
نزلت في رسول الله خاصة واهل بيته، وعنه في قوله: (ام يحسدون الناس على ما آتاهم
الله من فضله)54/4، قال: نزلت في رسول
الله وفي علي(ع)، وفي قوله: (وقل رب ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من
لدنك سلطانا نصيرا)80/17، قال ابن عباس: «والله لقد استجاب الله لنبينا دعاءه
فأعطاه علي بن أبي طالب سلطانا ينصره على اعدائه »، وفي قوله:
(واصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين)94/15، قال ابن عباس: «أمره الله ان يظهر
القرآن، وان يظهر فضائل اهل بيته كما أظهر القرآن »، وفي قوله: (انما انت منذر ولكل قوم هاد)7/13،
قال ابن عباس لما نزلت قال الرسول: «انا المنذر وعلي الهادي »، وفي قوله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته
فليفرحوا هو خير مما يجمعون)58/10، قال ابن عباس: «بفضل الله: النبي، وبرحمته: علي
»، وعن ابن عباس قال: قام جابر بن عبدالله الانصاري، فقال: يارسول الله، ما عدة
الأئمة؟ قال الرسول يا جابر سألتني رحمك الله عن الإسلام باجمعه،...
الى ان قال (ص): «عدتهم عدة نقباء بني اسرائيل، قال تعالى: (واذ أخذ الله ميثاق
بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا)12/5، فالائمة يا جابر اثنا عشر إماما،
أولهم علي بن أبي طالب،
واخرهم القائم»، وعن ابن عباس، قال الرسول: «ما انزل الله آية فيها: (يا ايها
الذين امنوا) إلا وعلي رأسها وأميرها »، وعن ابن عباس في قوله: (لا تقتلوا
انفسكم)29/4، قال: لا تقتلوا أهل نبيكم »، في قوله: (واقيموا الصلاة واتوا الزكاة
واركعوا مع الراكعين)43/2، قال ابن عباس: «نزلت في رسول الله وفي علي بن أبي طالب خاصة، وهما أول من صلى وركع »، وهذه
الرمزية التي يلجأ ابن عباس الى تأويلها، والكشف عن معانيها الباطنية، بالرواية عن
الرسول تارة وبمجهوده الشخصي تارة اخرى، تكشف بصورة جلية عن قدراته ومهاراته
التأويليه، وهذا التراث النصوصي هو ما خشيه الخلفاء الثلاثة والأمويون كامتداد
لهم. (المصادر: الحسكاني، شواهد التنزيل، 1/ 67،89، 134،
202،203، 325، 134، ابو نعيم الاصفهاني، حلية الاولياء، 1/64، ابن شاذان، المناقب
المئة، 14-15، 28-29، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 5/15،هاشم البحراني، غاية
المرام، 325، ابن المغازلي، المناقب، 267، ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة، 150،
الكوشي، التلخيص في التفسير، 2/89، الحاكم، المستدرك على الصحيحين، 3/129، الهندي،
كنز العمال، 1/251، الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 13/72 ، موفق بن احمد،
مناقب علي بن أبي طالب، 198).
* وهذه الرؤية تكشف لنا ما وقع فيه ابن أبي الحديد من اشتباه
في شرحه، حيث قال في هذا الصدد ناقلا عن شيخه أبي
جعفر الاسكافي: (لقد كان الحجاج ومن ولاه كعبد الملك والوليد ومن كان
قبلهما وبعدهما من فراعنة بني أمية، على اخفاء محاسن علي وفضائله ولده وشيعته واسقاط أقدارهم، أحرص منهم على اسقاط قراءة عبدالله وأبي، لان تلك القراءات لا
تكون سببا لزوال ملكهم، وفساد أمرهم وانكشاف حالهم، وفي اشتهار علي وولده واظهار
محاسنهم بوارهم،.. فحرصوا في اخفاء فضائلهم وحملوا الناس
على كتمانها وسترها..) (ابن أبي الحديد،
شرح نهج البلاغة، 13/ 223). وقد عرفنا ارتباط القراءات بالفضائل، فكان حرص
الامويين على القضاء على القراءات يأتي في سياق حرصهم على القضاء على فضائل أهل
البيت، بل حرصهم على التأويل كان اكبر لمسؤوليته.