تبرقعت الجاهلية القرشية ببرقع الدين، ونزت على
مقام الرسول، وأخذت تنقض عرى الاسلام عروة عروة، وتكشف في كل عهد من عهودها عن
وجهها الجاهلي شيئا فشيئا، الأول فالثاني فالثالث، حتى
اسفرت عن وجهها البشع في العهد الاموي، مما جعل حتى الأجيال المخدوعة من
المتأخرين، لا تقبله أو ترضى عنه. وكان كفر الأمويين جليا، لكل من قلّب صفحات
التاريخ متأملا، حتى المستشرقين، بدا لهم وضوح هذا الواقع، كما يطالعنا بذلك
فلهاوزن، اذ كتب يقول : «المأخذ الدائم الذي يؤخذ على الأمويين هو انهم اعتنقوا
الإسلام في آخر ساعة مرغمين، ثم أفلحوا في ان يحوّلوا الى أنفسهم ثمرة حكم الدين
أولا لضعف عثمان، وبحسن استخدامهم نتائج قتله، هذا، وأصلهم يفقدهم مزية زعامة أمة
محمد (ص)، ومن المحن التي بلي بها حكم الدين، انهم اصبحوا قائمين عليه، مع انهم
كانوا وما فتؤوا متعصبين لسلطانه، وقوتهم في جيشهم الذي هو على قدم الاستعداد في
الشام، ولكن قوتهم لا يمكن ان تصبح حقا»[2].
ان الواقع الفكري للرسالة، يتجسد في الرجال
الحملة لفكرها، والقادة لنظامها. ولابد من استهداف هؤلاء الحمَلة، الذين يتموقعون
في هيكلية الأمة في مواقع قيادية وسيطة، إذا ما أريد السيطرة على كيان الأمة،
بتعطيل عملية انتاج التراث الفكري، وإبطال آلية عمل النظام القرآني الحاكم لحركة
الأمة. فإذا كان في الحقبة المتقدمة لعهد علي(ع) قد اعتمد على فقهاء الرأي، وتم
حصار فقهاء التأويل، وتهديدهم والتضييق عليهم، ثم تطور الوضع الى التجرئ عليهم،
وانزال العقاب بهم، فان في الحقبة الأموية، التي تأسست بعد مرحلة متفجرة بالحروب،
سقطت فيها كل التحفظات، عند قريش الأموية، تجاه الإرث المحمدي، ونظام الأمة
القرآني، فلم تكن هناك محظورات. لذلك حدثت حرب إبادة للكيان المؤمن، في محاولة
لاستئصال وجوده، يضاف الى ذلك الغاء نظام الخلافة القائم على الفقهاء كرجال فكر
وسياسة، وإستبدله بالنظام القبلي المحسَّن، القائم على ثنائية الحاكم الجاهلي
وفقيه الرأي، وادخلت تعديلات على نظام الحكم والادارة القبلي، مستوحاة من النظم
الإمبراطورية القائمة آنذاك، ودعم بمستشارين، ينتمون لتلك الكيانات الإمبراطورية.
لقد كانت غاية صلح الإمام الحسن، المحافظة على
الكيان الشيعي، بتجنيبه محرقة الحرب المعلومة النتائج، وذلك حتى تتهيأ له الظروف
المستقبلية، الممكّنه له. هذه الغاية، ما كانت لتغيب عن عقلية الداهية معاوية،
لاسيما وقد لاحظ تجربة الإمام علي، الذي وصفه بانه أظهر السلم للخلفاء وأبطن
الثورة، التي قدِم رجالها من كل أفق. فعقد معاوية العزم على شن الحرب على قواعد
الكيان الشيعي المعارض، بهدف تدميره، فكانت حربه تتصف بالصمت وطول المدى، فيها
يتعقب رجال ذلك الكيان، والمشتهرين بالانتماء إليه،
واستئصالهم: بقطع عطائهم، ونهب ممتلكاتهم، وهدم دورهم، وتشريد أُسرهم، وقتل
رجالهم، لتبديد كل احتمالات عودة الكيان الشيعي لمنازعته الملك، مخالفا بذلك شروط
اتفاقية الصلح بينه وبين الإمام الحسن، التي أعرب عنها، بالقول في خطابه لأهل
الكوفة بعد الصلح: «كل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين»[3]، ويصف الباقر طبيعة تلك الحرب،
ومنحاها التصاعدي، بالقول: «وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة،
وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثم لم يزل
البلاء يشتد ويزداد الى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام»[4].
لقد تعرض شيعة الإمام علي منذ مرحلة باكرة الى
الممارسات العنفية على المستوى النفسي تارة والجسدي تارة اخرى، حيث تلقوا في عهد
الشيخين التهديد والوعيد من السلطة، ثم تطور التهديد الى تنفيذه بحق بعض الافراد،
كما في عهد عثمان بالنفي والضرب والتسبب في القتل، ولكن بعد حروب التأويل، وتحديدا
مع مجيء العصر الاموي، أخذت الممارسة العنفية بُعدا أكثر عدوانية واتساعا، فعاقب
معاوية قبائل وشعوب باكملها، لاشتهرها بمناصرة الإمام علي، عندما سلط عليها أمراء
سفاحين، قاموا بجرائم بشعة اصابت الحرث والنسل، فهدموا البيوت على رؤوس ساكنيها،
وقطعوا الأيدي والأرجل، وسملوا الأعين، وخلدوا الناس في الطوامير، وقطعوا العطاءات
والأرزاق[5].
وركزت حملات الابادة، ايضا، على
الكوادر القيادية الحاملة لفقه القرآن، والمعروفين بالقرّاء، كما يطالعنا بذلك
الاستهداف طاووس: «ليقتلن القرّاء قتلا حتى يبلغ قتلهم اليمن، قال له رجل: أو ليس
قد فعل ذلك الحجاج؟ قال: ما أتت تلك بعد!!»[6]، فالخبر يوضح ان هناك حملة استهداف
متتابعة تركز على القرّاء، قام بها الولاة الأمويين وعمالهم على الأمصار، تذكر
منهم الحجاج، وان العملية تأخذ طابع المجازر الجماعية في منحى تصاعدي، حيث الآتي
اعظم، ويشهد أبو سوار العدوي على وقوع مجزرة من تلك المجازر: «قتل سمرة من قومي في
غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن»[7]،
ونماذج للقتلى من القرّأء عمرو بن الحمق، ورشيد الهجري، وسعيد بن جبير،
فأمثال هؤلاء تعرضوا لعمليات مطاردة، وتعقب وتصفية جسدية، فهو مخطط الإبادة، الذي
استهدف الفقهاء وحملة القرآن، الذي أشار إليه الرسول: «ان الله لا ينزع العلم منكم
بعد ما اعطاكموه انتزاعا، ولكن يقبض العلماء بعلمهم وتبقى جهالا فيسألون فيفتون
فيضلون ويضلون»[8]، «اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء،
وإنما ذهاب العلم بموت العلماء»، «الا وان ذهاب العلم بذهاب حملته (وكررها) ثلاث
مرات»[9]، انه وباء الموت، الذي تصنعه
المجازر الأموية، ويتفشى في صفوف حملة القرآن.
هذا الواقع الإرهابي، اضطر حَمَلة القرآن الى
الفرار من وجه التصفية الجسدية، السبيل الموجز الى تصفية فكرهم وتبديد خطره، بعد
ان كانوا يشغلون مواقع الحكّام على الولايات الإسلامية، ويمارسون القضاء، ويعلمون
الكتاب، في مساجد الأمصار. فاصبحوا يتنقلون متخفين من بلد الى بلد، كل واحد منهم خائف مترقب، ففي ظل افتقاد الامن وانعدام الاستقرار
نبذوا القرآن قهرا، وهو ما يشير إليه الإمام علي(ع) في قوله: «فقد نبذ الكتاب
حملته وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان، وصاحبان مصطحبان في طريق
واحد، لا يؤويهم مؤوٍ»[10]. ولاذت البقية من علماء التأويل
بالاستتار والاحتجاب تقية، فدرسوا التأويل سرا في الأقبية والخلوات، بعد ان كان
المكان الطبيعي لتعليمه المساجد والسوح العامة، والمجالس المفتوحة، وهذا الحال معطى طبيعي، يسند الإمام علي أسبابه الى سياسة الإرهاب
الفكري: «.. لعموم الطغيان والافتتان، واضطرار أهل العلم بالقرآن وبتأويل الكتاب
الى الاكتتام والاحتجاب خيفة أهل الظلم والبغي، أما انه سيأتي على الناس زمان يكون
الحق فيه مستورا، والباطل ظاهرا مشهورا»[11]، ويدرك الموت بعض الفقهاء المؤولين
في مهاجرهم، التي يفرضها عليهم واقعهم الأمني، وهم يفتشون عن الصدور الأمينة، التي
يودعوها علمهم فلا يجدوها، هكذا يموت العلم بموت حامليه، وهي الأزمة التي اشتكى
منها الإمام علي(ع) في آخر عهده: «ها! ان هاهنا لعلم- وأشار الى صدره - لو أصبت له
حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه .. ليس من رعاة
الدين في شيء، أقرب شيء شبها بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت الدين بموت حامليه»[12]. وصورة أخرى لنبذ الكتاب، أيضا،
نجدها في تحريف فريق من القرّاء القرآن، بعد انضمامهم الى صفوف السلطة، فأخذوا
يؤولون القرآن بالرأي، ويضعونه على غير مواضعه، ويمنحون أفعال الحكام الشرعية،
وهذا المعنى من النبذ، هو الذي يشير إليه الإمام الجواد (ع) بالقول: «وكان من
نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه»[13].
فكانت طبيعة الأجواء، التي يعيشها الوسط الفكري
انقلابية، أدت الى قلب المفاهيم رأسا على عقب، إذا ما لاحظنا الأوضاع من زاوية
مقارنة، لما أحدثه عهد الإمام على، الذي مثل ثورة على الثورة المضادة، أعادت
الأمور الى ما كانت عليه في عصر الرسول.
بينما كان العهد الأموي ثورة معاكسة أعادت الأمور
الى ما كانت عليه، في عهد الثالوث القرشي، الذي سبق عهد علي(ع). ويعتبر ما ستحدثته
الحقبة الأموية متابعة عنيفة، للجهود التي قام بها الثالوث المتقدم، وذات زخم كبير
ليس له فيما تقدم مثيل، يوضح ذلك الإمام علي في كلمته الآنفة: «سيأتي عليكم بعدي
زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا اكثر من الكذب على الله
ورسوله، ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور
من الكتاب، إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه، إذا حرّف عن مواضعه، ولا في البلاد
أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر»، فهو يشير الى تصاعد حركة الوضع في الأحاديث،
والى رواج عملية التفسير للكتاب بالرأي، وانحسار العمل بالتأويل.
ان المخطط الأموي المتوخي محق الدين، يعمل عمل
فكي الكماشة، فمن جهه يُعرّض العلماء والقرّاء الى الهلاك والإبادة، على أيدي فرق
الإعدام والمطاردة الأموية، ومن جهة أخرى، يحظر تداول التأويل وتراث الرسول في
الوسط العلمي، مما يؤدي بالعلماء الى الانقراض دون ان توجد إمكانية لخلق بدائل من
فقهاء التأويل، يحلون محل الراحلين، واستمرار هذا المخطط يقتضى مع الزمن القضاء
على علم التأويل والفقه قضاء مبرما، وهو المخطط الذي اشار إليه الرسول: «ان الله
لا يرفع العلم، إنما يهلك العلماء، ولا يتعلم الجهال»[14]،
ونشوء الفراغ بافتقاد فقهاء التأويل، يعوض بفقهاء الرأي، الذين يفرقون الأمة
بارائهم المختلفة الى حد التناقض، والمؤسسة على تحريف دلالات النصوص، او على
الموضوعات منها، وهو ما تنبأ به الإمام علي، قائلا: «.. فالكتاب وأهله في ذلك
الزمان في الناس، وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لاتوافق الهدى، وان
اجتمعتا، فاجتمع القوم على الفرقة، وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس
الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه الا اسمه، ولا يعرفون الا خطه
وزبره»[15].