4/ علوم الترجمة

أدى الضعف الذي طرأ على الحكم الأموي في نهاية عهده الى ازدهار مدرسة أهل البيت بزعامة الإمام الصادق. حيث كانت لها اليد العليا في الجدل المتصاعد بين المذاهب. وهذا ما جعل العباسيين منذ بداية عصرهم، لا يتبنون مدرسة الرأي في مذاهبها المختلفة فحسب، بل ويفكرون في كيفية دعمها، وتمتين بنيتها الهشة في قبالة مدرسة التأويل العَلَوية. فاقتضى مخططهم منع أئمة أهل البيت من التدريس، وقد فعلوا ذلك. ومن جهة أخرى سعوا لإدخال وسائل وأدوات معرفية ومنهجية يجهزون بها مدرسة الرأي، فوجدوا بغيتهم في علوم الترجمة التي بدأ المعتزلة التسلح بها، ليظهروا تميزا في جدلهم مع المذاهب والفرق، باعتمادهم على المنطق والفلسفة اليونانية، التي تلقاها واصل بن عطاء في الأديرة المنتشرة في بلاد الشام، والتي كانت تدرس ضمن مناهجها الدينية. باعتبار ان الديانتين اليهودية والنصرانية فٌلسفتا ومُنطقتا بعد ان افترق المنتمون إليها الى فرق*. والواقع نفسه الذي فرض التفلسف والتمنطق على الديانات السابقة، نجده يفرض نفسه في الدائرة الإسلامية، ليذكرنا بمقولة «حذو النعل بالنعل». هذا التميز هو الذي لفت انتباه العباسيين، ودعاهم الى الاهتمام بالترجمة، لاسيما في إطار الفلسفة والمنطق. لانها من جهة تعزز البنية الفكرية الهشة القائمة على الرأي في صيغته الساذجة، ومن جهة أخرى تستطيع أن تخلق البلبلة في الفكر الإسلامي، ومن ثم تضيع مدرسة أهل البيت في زحمة آراء المذاهب المختلفة.

بذل العباسيون في سبيل جلب الكتب اللاتينية والهندية والفارسية، وإحضار المترجمين أموالا طائلة. وقربوا المترجمين؛ فالخليفة المنصور اتخذ من ابن المقفع مترجما، ترجم له المنطق لأرسطو طاليس، وترجم منقولات أرسطو وكتاب العبارة، الذي يبحث في القضايا، وكتاب تحليل القياس ويبحث في إشكاله. ويرجح انه ترجم أيضا كتاب ايساغوجي لفرفريوس الصوري، وهو بمثابة مدخل لكتب أرسطو في المنطق. وترجمت الى جانبها كتب أخرى في علوم مختلفة.

ولما جاء عهد هارون العباسي، حوّل الترجمة من عملية فردية، الى جهاز يضم عدة مترجمين، ينتمون الى قوميات الحضارات السائدة آنذاك. فيوحنا بن ماسويه نصراني سرياني، له قدرة على ترجمة الكتب اليونانية. وابن نوبخت فارسي، كان كما قال القفطي: «ينقل من الفارسي الى العربي ما يجده من كتب الحكمة الفارسية، ومعوله في علمه وكتبه على كتب الفرس». وعلان الشعوبي راوية نسّابه فارسي الأصل. فكان هذا الجهاز من التراجمة، يضمه مركز أطلق عليه بيت الحكمة، جمعت فيه الكتب، وله رئيس وأعوان، كما كان فيه مجلدون: «ان ابن أبي الحريش كان يجلد في خزانة الحكمة»[32]، وفيه كانت تنسخ الكتب اليونانية والفارسية وتترجم.

وتابع المأمون مجهود أبيه بتوسيع العمل في بيت الحكمة، روى ابن النديم: «ان المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات. وقد استظهر عليه المأمون، فكتب الى ملك الروم يسأله الآذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلاد الروم. فأجاب الى ذلك بعد امتناع. فأخرج المأمون لذلك جماعة فأخذوا ما اختاروا. فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل، وقد قيل ان يوحنا بن ماسويه ممن نفذ الى بلد الروم»[33]. وقال ابن نباته عند الكلام عن سهل بن هارون: «وجعله على خزائن الحكمة، وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك ان المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهرون عليه أحد... فأرسلها إليه واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هارون خازنا لها»[34]. والى جانب اهتمام العباسيين بالترجمة، اهتمت أسر مقربة من القصر بذلك، كآل برمك وآل الفضل، ففتحوا اكفهم للبذل وأكرموا المترجمين، وأسهموا في دفع حركة الترجمة الى الأمام، وحرّضوا الناس على مدارسة وتعاطي الفلسفة.

نستنتج من هذا، ان جهاز الترجمة شكله هارون العباسي، وانشأ له مركزا عرف ببيت الحكمة لترجمة كتب الفلاسفة عند الحضارات السائدة آنذاك. ثم تابع الإشراف على هذا الجهد المأمون الذي خلف أباه، ووسع نشاط المركز بجلب المزيد من كتب الفلسفة، لتتصاعد عملية الترجمة، ولطبيعة الكتب المترجمة، المختصة بالفلسفة والمنطق، سمي مركز الترجمة ببيت الحكمة. فالحكمة بالمفهوم القرآني، يعبر عنها التأويل، العلم الذي يكفل وضع الآيات في مواضعها. وهذا المفهوم عينه ما تكفل البحث به المنطق على طريقته الخاصة. ليتبين على ضوء ذلك، ان الغاية هي إيجاد تحول في عقلية الأمة، يخرجها من دائرة القرآن وآلته التأويل الى دائرة الفلسفة وآلتها المنطق الأرسطي.

وجاء عصر المتوكل (232هـ) الذي حدث فيه الانقلاب على المعتزلة لصالح مذهب أصحاب الحديث، الا ان حركة الترجمة، لم تتأثر بهذا الانقلاب، بل تواصلت حيث أذكاها المتوكل بالأموال الضخمة، التي كان يغدقها وغيره من الخلفاء والوزراء على المترجمين، «بحيث كان يعطي وزن الكتاب المترجم ذهبا، وقد أكب المترجمون على المأثورات الإغريقية في كل فروع العلم والفلسفة يترجمونها، وكادوا لا يبقون على كتاب من دون ترجمة، ومن دون شرح وتلخيص، ومن يرجع الى ابن أبي صبيغة والقفطي تهوله الكثرة الغامرة مما ترجموه، إذ يبلغ أحيانا ما ترجمه الواحد منهم مئات الكتب والرسائل سوى ما ألفوه وصنفوه»[35]. ان هذا الاتجاه في الإنتاج الفكري القائم على أساس الترجمة والشروح، بغية تيسيرها على الأذهان وترويجها في الأمة، وما يبذل في هذا الاتجاه من جهود وأموال ورعاية كبرى من أجهزة الحكم على اختلافها، يدل على ان وراء هذا الاتجاه مخطط اكبر من ان يبرر بحب الحكام والملوك العباسيين للعلم والرغبة فيه، حيث أريد بذلك شن حرب فكرية مضادة لتيار المعارضة، الذي يعتمد على القرآن المؤول، بالسعي لإتمام الجهود السابقة لقريش الثالوث وقريش الأموية، بإلغاء التأويل وإبداله بالرأي. فأرادت قريش العباسية منهجت الرأي، ودعم قواعده بالفلسفة اليونانية والمنطق. فكان مشروع الترجمة والشروح للكتب الأجنبية وإشاعتها، يهدف إلى تعزيز علم الكلام القائم على أساس هذه المبادئ الفكرية المستوردة، ونتيجة الخوض به في علم الفقه جعل علم الأصول مشروع مختزن في علم الكلام.

الا ان القياس في صيغته الساذجة الغير ممنهجه، استطاع أخيرا ان يوجد له كيانه، الذي ينظم قواعده مع الشافعي في كتابه المعنون بـ «الكتاب»، والمشتهر باسم «الرسالة»، الذي تكون من عناوين اخذت من مدرسة التأويل، كعنوان الناسخ والمنسوخ، وان صرفت تلك المصطلحات على غير وجوهها. الى جانب ذلك تبلور تيار آخر هو التيار الكلامي والفلسفي، الذي يقوم فهمه للدين على أسس المنطق والفلسفة الإغريقية، التي ادخلتها علوم الترجمة. وفي فترة زمنية لاحقة تقع خارج العصر العباسي، ستجد مباحث علم الأصول المزيد من التحول، حين يعاد تقعيدها في اطار المبادئ الفلسفية والمنطقية.

وهكذا تدرجت عملية خروج عقلية الأمة من حدود التأويل، الى إطار الرأي والقياس المنحرف، حتى دخلت في اطار التفلسف والتمنطق بما ليس منها. فقدمت مدرسة الرأي وسائل منهجية يستعين بها العقل على فهم النصوص، ففي إطار العقيدة انتج علم أصول الدين، وفي إطار الشريعة علم أصول الفقه، يضاف الى ذلك في المشهد العام علوم اللغة (: النحو، الصرف، والبلاغة)، والفقه، والحديث، والتاريخ، والكلام، والتي تتصف كلها علوم منهجية، وجميعها قدمت لتقوم مقام علم التأويل في تفسير القرآن. وكلها تأثرت بنسبة أو أخرى بالفلسفة والمنطق اليوناني، وما ورد من علوم مترجمة، بينما جرفت بعض العقول أفكار الكفر والزندقة، وذهبت بنقاء الشريعة، كما تنبأ الرسول: «لتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية»[36].


الهوامش والمصادر:


* انتشرت النصرانية في الاسكندرية في العهد الروماني كما انتشرت في غيرها وقامت النصرانية فيها بجانب الفلسفة اليونانية، واختلف النصارى فيما بينهم طوائف وشيعا، وتجادلوا في طبيعة المسيح، وناسوته، ولاهوته وعلاقة المسيح بالله، فلجأوا الى الفلسفة يستعينون بما لها من منطق وترتيب في الجدل، وبما لها من ابحاث وراء المادة، ومن ثم اتصلت اليهودية بالفلسفة في الاسكندرية ايضا من قبل فيلون، وكان من أوائل النصارى في ذلك «ليمان الاسكندري» «LEMENT» الذي ولد حوالي سنة 150م لابوين وثنيين، فمزج النصرانية بالافلاطونية، ثم جاء من بعده أوريجين «ORIGEN» (185-254م) تلميذ افلوطين، واضطهد اوريجين ففر من الاسكندرية، وأنشأ مدرسة على النمط الاسكندري في قيصرية في فلسطين.(احمد امين، ضحى الإسلام، 2/ 260).



[32] ابن النديم، الفهرست، 10.

[33] ابن النديم، الفهرست، 243.

[34] احمد امين، ضحى الإسلام، 2/36. عن سرج العيون، 132.

[35] شوقي ضيف، العصر العباسي الثاني، 130.

[36] الهندي، كنز العمال، ح1010 .