3/ تدوين الحديث

حكم الظرف السياسي والموقف الرسمي من الفرق والمذاهب عملية تدوين الحديث في إطار مدرسة الرأي. فبدأ تدوين الحديث في مرحلته الأولى في عهد المنصور (136-158هـ)، حيث كان المناخ العام في عهده مثقلا بهموم تثبيت أركان الدولة العباسية، عن طريق تصفية الأطراف المنافسة على السلطة. فبدأ التدوين بمرسوم صادر عن بلاط المنصور العباسي، يأمر مالك بن انس (ت179) ان يدون للدولة العباسية دستورا. يعتبر المذهب الذي ينبغي ان تحمل شعوب الأمصار عليه. إلا ان العباسيين عزفوا عن ذلك، كما تقدم ذكره، دون ان تحدد الأسباب. فبدا السبب متلخصا في نصيحة مالك، التي ترى ضرورة ان يداري السلطان الناس، فيبقي كلٌ على مذهبه، وإقرار المنصور العملي بهذه النصيحة، ربما لانها تكفيه تألّب الامة بمختلف مذاهبها عليه، في الوقت الذي يعاني من تألب اكثر من جهة طامعه في الكرسي!.

وظهرت الى جوار موطأ مالك، مجموعة من التدوينات على نفس النسق*. مما يشير الى إذن ضمني صادر عن السلطة بالسماح بتدوين الحديث. فكانت تلك المدونات متفرقة على مساحة زمنية متقاربة نسبيا، رغم انه لم يصلنا منها الا موطأ مالك، المرتب ترتيبا فقهيا. الا ان وصف تلك المدونات كان يشير الى اتخاذها النسق نفسه، حيث «جمعت أقوال الصحابة وفتاوى التابعين»[30]، ولا يستبعد ان تكون بعض تلك المدونات، قد دوّن في نهاية العصر الأموي، حيث ضعفت السلطة الأموية. وتم الإعلان عنها في مطلع العصر العباسي، عندما سمح المنصور بالتدوين ضمنا. كما لا يبعد ان يكون بعضها موروثا. فواقع المنع من تدوين الأحاديث ومصادرة صحائفها، دعى البعض لان يورّث أبناءه تلك الصحائف، التي لم يعلن عنها. فكان هذا الطابع الذي تتطبع به هذه المدونات، يشير الى اهتمامات بالدين في صيغته الفردية المتعلقة بالعبادات، وتبعد بذلك عن الدين كمشروع للسلطة. وهذه الظاهرة تبرز لنا وقوع المدونين تحت ضغط التجربة السياسية الأموية، مشفوعة بالتجربة العباسية، التي أنتجت الاضطهاد والقتل بناء على الانتماء المذهبي، وبناء على رواية الأحاديث والقراءات القرآنية، التي تتعلق بالفضائل، التي لها مدخل في تأييد الرأي العام لاتجاه سياسي ضد آخر. لذلك آثر أصحاب هذه المدونات الرواية بعيدا عن الروايات، التي لها صفة سياسية، لما لها من عواقب. واهتموا بتلك التي تتعلق بالعبادات، التي نظروا اليها من منظار ظاهري، يجعلها طقسا فرديا تنظم علاقة الإنسان الفرد بربه، حتى العبادات ذات الطابع الجماعي، اتخذت في هذه المدونات مسحة فردية مازالت سارية في مفهوم العبادات حتى ألان.

واستمرت عملية تدوين الحديث بظهور المسانيد على رأس المائتين، التي اعتمدت على تصنيف الحديث حسب الرواة من الصحابة، بدلا من مزج أحاديث الرسول بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، كما في التدوين السالف: «الى ان رأى بعض الأئمة منهم ان يفرد حديث النبي (ص) خاصة - وذلك على رأس المائتين - فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا، وصنف مسدد بن مُسَرْهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا، وصنف بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ الا وصنف حديثه على المسانيد»[31]. وفي هذا بدء التمييز بين أحاديث الرسول وأحاديث الصاحبة وأقوال التابعين، بعد ان كان ينظر الى أقوال الصحابة والتابعين باعتبارها كاشفة عن حديث الرسول ومعبرة عن مقولاته، وهذا التمييز جعل أقوال الصحابة والتابعين تعبر عن اجتهاداتهم وآراءهم في منظار أهل القياس، ومن ثم لم يعتبروا حديثا غير حديث الرسول، ان صح عندهم، وطرحوا آراءهم قبال آراء أصحاب الرسول والتابعين، كأنداد لا يتمايزون عنهم بما يقولون.

وبمجيء القرن الثالث ظهر في أجيال تلك المرحلة من استأنف حركة الجمع للأحاديث. وفي ظل الفهم السائد عند مدرسة الرأي القائم على اعتبار ان الحديث ما نطق به الرسول فعلا، وليس هو الفكرة القرآنية، واجهت تلك الحركة الجامعة للأحاديث ظهور سلاسل الرواة، كنتيجة طبيعية لمفهومها للحديث، الذي يربط الحديث بالرسول ليمنح المسألة بعدا تاريخيا يجعل عملية جمع الأحاديث بابتعادها عن عصر الرسول ترتهن بالضرورة للبحث التاريخي في سيرة الرواة. وكان لابد والحال هذه ان تكتشف وسيلة لنقد الأحاديث، مع شيوع الوضع والكذب في السنة منذ عهد الرسول، واستشرائه فيما بعده. فلم تجد تلك الحركة بدا من الدخول في بحث تاريخي لسيرة الرواة، يقوم على أساس البيّنة، وما يستدعي ذلك من تزكية وتجريح الرواة. فنشأ على أساس ذلك ما عرف بـ(علم الحديث) القائم على نقد الاسانيد وتمييز الصحيح من الضعيف منها، بناء على الموقف من رواة الحديث. وابرز ما كتب في القرن الثالث ما عرف بالصحاح الستة، وأصحابها هم ابرز الجامعين، وهم كالتالي: البخاري (ت256هـ) الذي ألف الجامع الصحيح، ومسلم (ت261هـ) الذي ألف صحيحه (صحيح مسلم)، وابن ماجة (273هـ) كتب سنن ابن ماجة، وألف أبو داود (ت275هـ) سنن أبي  داود، وجمع الترمذي ما سماه بجامع الترمذي (ت279هـ)، وألف النسائي (ت303هـ) سنن النسائي، وألف أحمد بن حنبل (ت241هـ) مسند أحمد، الذي يلحق بالكتب الستة.

والملاحظ على أحاديث هذه الكتب السبعة، انها تضمنت فصولا تتناول الفضائل. الا انها لم تذكر الاحاديث الواردة في فضائل أعداء العباسيين، الأمويين من جهة والعلويين من جهة أخرى، الا النزر القليل. الامر الذي لا يجعل تلك الكتب، تطبع بطابع سياسي، يصنف مؤلفيها على هذا الطرف أو ذاك، من الأطراف المتنازعة، لكنها اهتمت بذكر فضائل الخلفاء الاول فالثاني فالثالث فالرابع علي بن أبي طالب، بشكل محدود وفي سياق عقيدة أهل السنة وجمهور تيار الرأي في الخلفاء. وبذلك نأى أصحابها بأنفسهم عن التنافس والنزاع السياسي، حتى لا يكونوا غرضا. إلا اننا قد عرفنا سابقا، ان أحاديث الفضائل والمناقب الواردة في الخلفاء الثلاثة، لاسيما عثمان، قد صنعتها الدولة الأموية نكاية بالإمام علي وأهل البيت، وبهدف صنع رموز بديلة، الا انهم لم يستطيعوا انزال علي(ع) عن عرشه، لكنهم استطاعوا ان يجعلوا رتبته دون مراتب أولئك الثلاثة، والبسوا أمر أحقيته بالخلافة على قطاع واسع من الأمة، ومدونات الصحاح الستة تشهد على ذلك.

الهوامش:



* في مكة جمع الحديث ابن جريج (ت 150هـ)، وفي المدينة محمد بن اسحاق (ت151هـ)، وبالبصرة الربيع بن صبيح (ت160هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (ت156هـ)، وحماد بن سلمه (ت176هـ)، وباليمن معمر (ت153هـ)، وبخرسان ابن المبارك (ت181هـ)، وبمصر الليث بن سعد (ت175هـ). (احمد امين، ضحى الاسلام، 2/107).