كان اعلان الرسول عن التأويل كفقه للخطاب
القرآني، اعلانا عن التأويل كفقه للخطاب اللغوي. فلم تكن على عهد الرسول ازمة
لغوية، تحكم علاقة الانسان المسلم بالخطاب الديني، بل كانت العلاقة بين الخطاب
والمسلم علاقة جلية، تقوم على اثراء فكر المسلم، وتنظيم علاقته باللغة وتمكنه
منها. الا ان المصادرة للتأويل، بتجميد الخطاب القرآني على وجه من الوجوه، بلور مع
الزمن، وتدريجيا، أزمة فهم لمداليل الخطاب الظاهرية، وعفى المداليل الباطنية
اللامتناهية. فكان كلما تقدم الزمن وتنامى مشروع الحصر لقراءة القرآن، والاقصاء
للاداة المنهجية التأويلية عن فكر الامة، كلما زاد احساس المسلم بأزمة علاقته
بالخطاب القرآني، حتى ظهرت المشكلة بصورة مُلحة، مع تبلور الكيانات المذهبية
الظاهرية، فدعت الى تقعيد اللغة، وجمع مفرداتها.
كانت مقولة عمر الحاكم الثاني، الذي استحال الى رمز مقدس عند تلك المذاهب، المنطلق الذي اسس لطرح بديل عن
التأويل، فنصت مقولته على القول: «عليكم بديوانكم لاتضلوا، قالوا له: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فان فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم»[23]، فوضعت تلك الفرق المذهبية هذه
المقولة حيز التطبيق، حين سلكت في نهاية العصر الاموي، الطرق المؤدية الى بطون
الصحاري، تجمع المادة اللغوية من أفواه رجال القبائل البدوية في صيغة اشعار
ومفردات، متجنبة القبائل التي اثرت فيها الكيانات الحضرية المجاورة، بغية المحافظة
على نقاء المادة المجموعة. ثم عادت تلك الفئات، التي اطلق على افرادها لقب لغويين
لاهتماماتهم اللغوية، عادت تروي ما جمعته في المساجد، وحلقات الدرس، التي تشرف
عليها السياسة الاموية، واستعانوا بما جمعوا ورووا في تفسير القرآن. فاصبح القرآن
يفسر باشعار الجاهلية، عند المذاهب الظاهرية، بعد ان كان يفسر بعضه بعضا، في اطار
المدرسة النبوية، التي تؤمن بظاهر وباطن النص، ولا تفرق بينهما.
ثم جاء العصر العباسي، الذي تبنى المذاهب
الظاهرية، فاطلق حركة الترجمة، وفي ظله اخضع اصحاب العربية، الذين كانوا من
المقربين من البلاط، المادة اللغوية المجموعة من القبائل، التي تعيش في بطون
الصحاري، الى الهيكلية المعيارية، التي جاءت بها كتب بالترجمة، بالاضافة الى
المعيارية المنطقية الاغريقية. فأخذ الخليل بن احمد الفراهيدي، المتأثر بكتب صديقه
ابن المقفع، مترجم الخليفة المنصور، أخذ يخضع اللغة للقياسات المنطقية ليجمدها في
قوالب صارمة، اصبحت تمثل سجن اللغة الابدي، فنجد «اذا نظرنا للنتائج التي اسفر
عنها المبدأ الذي وضعه الخليل والطريقة التي اتبعها، وهي نفس المبدأ والطريقة
اللذان سار عليهما علماء اللغة من بعده، او على الاقل صدروا عنهما في تصورهما للغة
العربية، وجدنا انفسنا أمام قوالب جامدة نهائية، تعد محصورة الكلمات مضبوطة
التحولات، لغة لا تاريخية لانها لا تتجدد الاصول ولا تتطور بتطور العصور، لا أمام
قواعد لجمع شتاتها لتنظيم حياتها الداخلية مع الحفاظ على امكانية التطور»[24]، وفي جانب اخر، اخضع المتكلمون من
المعتزلة، الذين يتقاطعون مع الحنفية، اذ اغلب الحنفية معتزلة، اخضعوا اللغة في
جانبها الاخر الى ما كتب أرسطو في «فن الشعر»، و«الخطابه» وبتصور اللغة العربية من
خلال المباحث اللغوية، التي جاءت بها كتب اللغة المترجمة بشكل عام، وضعوا ما سمي
بعلوم البلاغة: البيان، المعاني، البديع، فكان هذا التنظير للغة، هو الذي شكل
نظرية اللغة التي يستند اليها الخطاب القرآني المجمد على قراءة واحدة.
وانبنت مباحث الفقه في مدرسة الرأي، على أساس
مباحث علوم اللغة، التي جاءت بمباحثها كتب الترجمة، بالإضافة الى المباحث
(العقلية)، ونجد نموذجا لهذا الابتناء وصف ابي بكر الرازي كتاب الجامع الكبير
لمحمد بن الحسن الشيباني، تلميذ ابي حنيفة فيقول: «كنت اقرأ بعض معاني فن الجامع
الكبير مع بعض المبرزين في النحو يعني أبا على الفارسي (ت337) فكان يتعجب من تغلغل
واضع الكتاب في النحو، وروي ابن العوام بسنده عن ابن الاخفش ثناء بالغا في حق هذا
الكتاب من جهة موافقته للعربية تمام الموافقة»[25]، يؤكد هذا
التوجه ما كتبه الشافعي في رسالته في الاصول في مؤهلات الفقيه المفتي بقوله:
«ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر»[26]. فاستندت مدرسة الرأي المنطلقة في
فقهها من ظاهرية الخطاب الى علوم اللغة لتؤسس للفقه الظاهري اساسه، بينما ظلت
مدرسة التأويل، التي مثلها اهل البيت تواصل التزامها بفقه الخطاب الذي ارساه
الرسول على قاعدة من التأويل. فكان الفارق اللغوي بين الاطارين يتمثل في ان اللغة
في الاطار الاول تستند الى مرجعية خارجية، بينما اللغة في الاطار الثاني تستند الى
مرجعية قرآنية.
وللتعرف على عمق الدلالة، التي تشير اليها هذه
النتائج، نرجع الى تعريف الرسول للفقيه، حيث قال: «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه
حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة»[27]، «انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني
كلامنا ان كلامنا ليتصرف على وجوه»[28]، ليتضح ان فقه الخطاب قائم على
تصريف الوجوه. وهذا يتوقف على بقاء فقه التأويل يحكم
بقواعده اللغة، فإذا ما الغي التأويل وأبدل بفقه اللغة المتمثل فيما عرف (بعلوم
اللغة)، فان ذلك يغيب فقه الخطاب بأسره. فلا تكون هناك
عملية فقه للنص، كما لا يكون هناك فقهاء بالوصف الذي نص عليه الرسول. فالرجل الذي
لا يعرف للقرآن و لنصوص الاحاديث وجوها، لا يعد فقيها. بذلك نستنتج ان تحريف اللغة
عن فقه التأويل، كان يستهدف البنية التحتية للخطاب القرآني، ويتوخى بتقويضها، او
تحريفها، تحريف القرآن وتقويضه.
ان مجهود اللغويين، الذي بذل في سبيل وضع نظرية
(علوم اللغة)، كان يصدر عن توجيه مسبق، ومخطط مبيت، من قبل البلاط. فلم يستند
مشروع اعادة تأسيس اللغة على غير اصولها الى الصدفة، والتراكم للجهود اتفاقا، يشير
الى ذلك ما تعكسه السير التاريخية لأولئك اللغويين، فهي تكشف عن انتمائهم لبطانة
الحاكم، فقد كانوا من ندمائه، الذين يستشيرهم ويكلفهم بالمهام ويجزل لهم العطاء،
وهم بدورهم يمنحونه ولاءهم وخدماتهم، التي لايمكن ان تكون الا من طبيعة اختصاصهم.
فكانت مصالح اولئك الرجال الى جانب مصالح المذاهب، تلتقي مع مصالح الحكم الراغب في
القضاء على مدرسة التأويل، التي تمثل البديل للنظام السياسي الطاغي ولحالات
التشرذم المذهبي، التي يصنعها تحت ظل سلطانه، فكل هذه المعطيات اجتمعت لتكشف عن
مؤامرة وجهود مكثفة، تشترك فيها قوى متحالفة، تهدف الى ايجاد التحول بعيدا عن
القرآن المؤول، وبعيدا عن الاتجاه الذي مثلته مدرسة التأويل، وبهذا التقت جهود تلك
المذاهب في مشروع انتاج علوم منهجية سميت بالعلوم الاسلامية، التي شملت علوم
العربية، وهي العلوم التي تكونت نتيجة اقتباس من الكتب المترجمة، او تزاوج علوم
الترجمة مع النصوص، ليولد تزاوجها هذه العلوم غير الشرعية واللا اسلامية.
لقد عاصر الامام الصادق الجهد، الذي قام به
اولئك اللغويون، فشخّص جهدهم بالقول: «اصحاب العربية يحرفون كلام الله، عز وجل، عن
مواضعه»[29]، وهذا الحديث
من جملة احاديث عدة وردت بهذا المعنى، فبين الصادق بهذه المقولة، ان ما يحدث في
الحقل اللغوي، ليس كشفا عن اساس اللغة، او تقعيدا لقواعدها، او تأصيلا لأصولها،
انما هو انشاء اساس بديل يؤسس للخطاب القرآني في صيغته المحرفة، والمتصفة في
تحريفها بالانحصار في وجه ظاهري، وهو ما يوطد الغاء الاداة المنهجية التأويلية،
كقاعدة للخطاب القرآني المتصرف، بإعداد البديل المزور، وبهذا يهدم الدين، بما
يترتب على هذا الالغاء من الغاء لعمق القرآن اللامتناهي، وإخراج الفقه من دائرة
التأويل واستنطاق النص، الى دائرة الرأي والتقوّل في النص، بما يخدم المذاهب
والحكّام الذين تواليهم تلك المذاهب.
[23]
الشاطبي،
الاتفاقات، 2/162.
[24]
عابد
الجابري، تكوين العقل العربي، 83-82.
[25]
مصطفى جمال
الدين، البحث اللغوي عند الاصوليين، 45، عن ابن القيم، اعلام الموقعين عند رب
العالمين
[26]
ن، م، 44،
عن بلوغ الاماني، 97.
[27]
السيوطي،
الاتقان في تفسير القرآن، 445.
[28]
الاصفهاني،
معالم العلوم، 2-3/509.
[29]
الخوئي،
البيان، 248. ابو الفضل مير محمدي، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، 316.