لقد شهدنا توارث الحكومات المتعاقبة لمشروع
التحريف، وتقدمها به الى الأمام في خطوات حثيثة، تمكنت من خلالها من حصر القرآن،
في قراءة وحيدة، وتجريده من التأويل ومن البيان النبوي. واستطاعت ان تحل قياس
الرأي محل التأويل، وان تمنع تدوين الحديث وتصادر صحائفه، في الوقت الذي تشيع
الأحاديث الموضوعة، التي تخدم سياساتها وفكرها، كما تشيع فكر أهل الكتاب المحرف.
كل ذلك في سبيل بلبلة فكر الأمة، والذهاب بنقاء الدين، وتفريق الأمة الى فرق
ومذاهب تستتب للحكام معها السيادة على الفرقاء المتناحرين، ويكتب لها البقاء والاستمرار في السلطة، مهيمنة على مقدرات
البلاد الإسلامية. فكيف تابعت السلطات العباسية مشروع تحريف فكر الأمة، وارتقت فيه
الى مراحل أكثر تقدما؟! هذا ما نكشف عنه في العناوين
التالية:
كان التبني لمدرسة الرأي على اختلاف مذاهبها،
يعني ان السلطة تقر الاجراءات والتدابير التي اتخذتها العهود المتقدمة في تعاطيها
مع مشكلة القرآن المؤول. حيث نظرت الى صفته بأنها هي المشكلة الكؤود التي تواجهها.
فسعت الى نفيها ونفي القراءات والاحاديث المترتبة عليها. يدل على ذلك، الإجراء
المتخذ في بداية تأسيس العباسيين لدولتهم، حيث أمر المهدي خليفة المنصور بنسخ مصحف
الحجاج، الذي يعتبر نسخة مطورة عن المصحف العثماني، واحلال النسخة العباسية محل
النسخ الحجاجيه، التي أمر بمصادرتها. مما يدل على ان العباسيين أرادوا ان يستمر
وضع القرآن في انفصاله عن التأويل، ولكن بعنوان عباسي، عبر عنه بإعادة نسخ المصحف
الحجاجي، وإعادة توزيعه، دون تغيير يذكر، الا ان إضافة الهمزة والشدة وتغيير
التشكيل القائم على النقاط الى الشكل الحالي، من المرجح حدوثه، ابان عملية النسخ
تلك، والا من المؤكد حدوثه في مرحلة لاحقة من العصر العباسي. باعتبار ان هذه
العلامات قد وضعها اللغوي الخليل بن احمد الفراهيدي، الذي عاش في بداية الحقبة
العباسية. شكل هذا الجهد التحسيني نوعا من تطوير التثبيتات، التي قام بها السلف
الذي ورّث العباسيين مشروع التحريف. كما يتجلى الموقف العباسي من القرآن المؤول في
استمرار الرفض، لتجاوز القراءة العثمانية للمصحف، حيث يصرح أبو العلاء المازني
(ت154) مقرئ البصرة، والذي صحب الإمام الصادق وروى عنه، يصرح قائلا: «لولا ان ليس
لي الا ان اقرأ الا بما قرئ لقرأت كذا وكذا وذكر حروفا»[21]، فأعرب المازني عن عدم امتلاكه
الحرية في تصريف الخطاب القرآني، في ظل العباسيين، بذلك يشير الى استمرار الواقع
القرآني في العهد العباسي، كما كان في العهود المتقدمة. وذلك أمر طبيعي، لان
القرآن المؤول هو متبنى المعارضة العَلَوية، وبه تثبت أولويتها بالسلطة وتجرد
الشرعية من كل المتعاقبين عليها، أمويين كانوا أم عباسيين.
فكشفت هذه الاجراءات عن نبذ العباسيين للكتاب
المؤول، محافظة على السلطة والملك العقيم. وبذلك تبنوا مدرسة الرأي على اختلاف
مذاهبها، واحيانا بعض مذاهبها، التي اسستها الحكومات القرشية المتعاقبة ورعتها.
فصار الجهاز الديني للدولة يتألف من فقهاء الرأي، الذين يمنحون تصرفات الخليفة
الشرعية، وينهضون بأعباء القضاء في حواضر الدولة، ومن مواقعهم المتنفذة تلك اسسوا
لمذاهبهم قواعدها العريضة في الامة. والحوار التالي بين الإمام الكاظم وهارون
العباسي يعكس الموقف العباسي المتبني للرأي، والمتناقض مع موقف اهل البيت المتبني
للتأويل: «ولست أعفيك من كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله،
وانتم، معشر ولد علي، تدعون انه لايسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلا وتأويله
عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6، واستغنيتم عن رأي
العلماء وقياسهم»[22]، فيتضح من هذا
المقطع من الحوار تمايز خط أهل البيت عن بقية الخطوط بالتأويل، الذي يمنح الكتاب
اللاتناهي في عطائه الفكري، ويجعل مدرسة التأويل تستغني بالقرآن المؤول عن تكلف
قياس الرأي.
قام المأمون في عهده بتعشير القرآن، والتعشير هو
وضع رأس عين، عند كل عشر آيات، في عملية تهدف احصاء ايات الكتاب، وحصرها. فالغاية
ان لا يزاد في القرآن ولا ينقص تأويلا. وهناك من الأخبار ما ينسب تعشير القرآن
للحجاج، وليس للمأمون. وسواء صحت النسبة الى المأمون أم لم تصح، فان في هذا التردد
دلالة على ان الموقف العباسي لايتمايز عن الموقف الاموي من القرآن المؤول في شيء،
لذلك تتشابه على المؤرخين نسبة الفعل لهذا او ذاك، ممن لايختلفون في الموقف، او
بالأحرى ممن يتبنون نفس الموقف.
والمحصلة التي نخلص اليها، تؤكد أن الموقف
العباسي من المعارضة العَلَوية والمدرسة الفكرية التأويلية التي تزعموها، هو موقف
امتدادي للموقف الأموي. وان التبني لمدرسة الرأي أيضا أملى نفسه على كلا الفريقين،
الأموي والعباسي، طلبا للمشروعية في مواجهة جبهة أهل البيت، التي تنطلق من القرآن
المؤول في مواجهتها، لتجرد أعداءها من الشرعية، وتخرجهم من الدين، بما تنزل فيهم
من آيات انزالا تأويليا، قائما على استنطاق الكتاب، كما رأينا في قراءة الإمام
الباقر للآيات المنزلة إنزالا تأويليا في الأمويين. كما
شاهدنا أيضا تصريح الإمام الحسن بان الأمويين كفار بالتأويل. ولذلك لم يتميز
العباسيون عن الأمويين في منهجية المكافحة لتيار اهل البيت، ولا في الأدوات التي
وظفت لتنفيذ هذه المكافحة، بل أثبتت تجربة أهل البيت في ظل الدولة الأموية، ان
العباسيين كجلادين هم أسوء من الأمويين، بما لقي أهل البيت على أيديهم من تنكيل
وقتل واستلاب شرس، تم التدليل عليه ببعض المشاهدات في الصفحات السابقة.