تبنت السلطة العباسية مدرسة الرأي ورعت فقهاءها.
ففي الوقت الذي حال الخليفة العباسي المنصور بين الصادق وبين التدريس. سمح لأبي
حنيفة بممارسة التدريس في الكوفة. وفكّر العباسيون بحصر المذاهب على الطريقة
العثمانية في حصر القراءات. فاستجابة لمشورة ابن المقفع
بوضع دستور أو قانون عام، يؤخذ من الكتاب والسنة وبالرأي، الذي يرتضيه العدل
والصالح العام، فيكون بذلك هو المرجع لسائر الأقطار. طالب المنصور العباسي مالك،
صاحب المذهب، بوضع هذا الدستور، قائلا: «ضع الفقه ودوّن كتبا، تجنب شدائد عبد الله
بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، وشوارد عبدالله بن مسعود، واقصد الى أواسط الأمور،
وما أجمع عليه الأئمة والصحابة، لنحمل الناس إنشاء الله على علمك، اكتبها ونبثها
في الأمصار، ونعهد إليهم لا يخالفوها. فكتب مالك الموطأ، لكنه لم يرض حمل الناس
على مذهبه، قائلا: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فان الناس قد سبقت إليهم
أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به، فدع
الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم»[17].
واستعان العباسيون بعلماء الرأي في مختلف
شؤونهم، فهذب على سبيل المثال هارون ولديه عند مالك ومحمد بن الحسن الشيباني تلميذ
أبي حنيفة. واعتمدت السلطة في القضاء في عهد المهدي والهادي أبا يوسف، تلميذ أبي
حنيفة، الذي رُقي في عهد هارون الى منصب قاضي القضاة، فنشر من موقعه ذاك المذهب
الحنفي ووطده. إذ كان لا يعين قاضيا في مصر الا ان يكون على مذهبه[18]. ويكشف طول مدة بقاء أبي يوسف على
امتداد ثلاثة عهود متوالية في سلك القضاء، طبيعة الوظيفة المناطة به، والمتمثلة في
إيجاد الحيل والمخارج الشرعية للسلطة. فعلى سبيل المثال حكم أبو يوسف على مسلم
بالقود لقتله كافرا، فشنع عليه وعمل فيه قصيدة ألقاها إليه. فرفع أبو يوسف الأمر
لهارون «فقال له الرشيد تدارك الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة، فخرج أبو يوسف وطالب
أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يأتوا بها، فاسقط القود». فكان ذلك
وأمثاله سببا في التوسعة في الحيل الشرعية، ووضع الكتب فيها، وخاصة في مذهب
الحنفية، فهم أول من أفردها بالتأليف[19]. وعفى هارون عن الشافعي، الذي حمل
الى بغداد بعد اتهامه بالمشاركة في الثورة العَلَوية في اليمن، ربما تم ذلك لقربه
من مالك، الذي تعتبره السلطة من فقهائها. فاستفاد الشافعي، فترة وجوده في بغداد،
من مدرسة أبي حنيفة ، حيث ناقش محمد بن الحسن الشيباني، قبل ان يخرج الى مصر،
وينشر فيها مذهبه الجامع لمزايا مدرسة مالك ومدرسة القياس لابي حنيفة.
من جهة أخرى، يطالعنا التاريخ برجال الاعتزال
كأصدقاء للخلفاء العباسيين، ومربين لأبنائهم، ومن المقربين والبطانة التي يحتفي
البلاط بها. فعمرو بن عبيد، الرجل الثاني في المعتزلة، صديق مقرب للخليفة المنصور،
الذي أفسح للمعتزلة المجال لتدريس الكلام في جامع المنصور الكبير في بغداد،
وحوّلوا السوح العامة والمساجد حلبات للمباريات الكلامية، فيما بينهم وبين الفرق
الأخرى الإسلامية واللا إسلامية. وعَهَد هارون بابنه المأمون الى يحيى بن المبارك
اليزيدي المعتزلي ليؤدبه، فتربى على يده، كما أسهم في تربيته محمد بن الحسن
الشيباني، الرجل الثاني الموطد للمذهب الحنفي، كما اشترك مالك في تربيته، واغلب
الحنفية معتزلة[20] ، ثم اصبح المأمون صديقا لشبانة بن
أشري، زعيم المذهب الثاني في الاعتزال، ولما تمكن هذا المذهب من المأمون قرّب إليه
مشيخته أمثال: أبي هذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وحمل المأمون الناس على أفكار
المعتزلة، ونصب أبو داود المعتزلي في منصب قاضي القضاة، وقد استمر في هذا المنصب
في عهد خليفته المعتصم.
وهكذا نجد جميع تيارات مدرسة الرأي، تلتقي مع
رأس السلطة العباسية، وتخدم مصالحها، وتعيش في كنف رعايتها، تسخر لها جميع
الإمكانات، وتفتح أمامها مساجد البلاد الإسلامية، وتمكنها من ان تتبوأ مقام
المرجعية، ويعيّن رجالاتها في سلك القضاء. ويبقى تيار التأويل جبهة المعارضة
المضطهدة، التي تغلق في وجهها الأبواب، ويزج بأئمتها ورجالها في السجون، أو يوضعون
في الإقامة الإجبارية، أو يتعرضون للملاحقة والتصفية، وينتهي بهم المطاف بالاغتيال
في مؤامرات تحاك في السر، وتتعرض قواعده الشعبية للاضطهاد، بالاتهام بالزندقة،
والمراقبة الدائمة، والملاحقة، والزج في السجون، والوان الحصار، والافقار،
والتشريد، كل ذلك بسبب الموقف السياسي، الذي يتبناه تيار أهل البيت، والقائم على
الإيمان بالوصية، وتجريد جميع الحكومات المتعاقبة من الشرعية، والسعى في السر وتحت
جنح التقية الى متابعة حروب التأويل، واسترداد كرسي الخلافة من غاصبيها، بالعنف
والقوة، التي يرى استخدامها حقا مشروعا، لقوله: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان
لهم لعلهم ينتهون)12/9. وبناء على هذا، كان هذا التيار الثوري، في منظار الحكومات
المتعاقبة، لابد ان يصفى من الوجود فكرا وأتباعا. وان يدعم تيار الرأي البديل
المناقض، الذي انبثق من حاجة الحكومات المتعاقبة الى الشرعية، في مواجهتها لتيار
القرآن المؤول، الذي تزعمه الأئمة من أولاد الإمام علي، الذين يشكلون قريش البيت
النبوي.