نظرة عن كثب

نهج العباسيون منهج المكافحة لاتجاه أهل البيت على الصعد الفكرية والسياسية والعسكرية، باعتباره الاتجاه المعارض الاكثر خطرا، لاسيما ان جهاد الأمة انطلق لايصال اهل البيت الى سدت الحكم، قبل ان تكتشف الخدعة الكبيرة بظهور العباسيين من وراء الستار. ويثبت التوجس العباسي من أهل البيت والأمة المستغفلة، الإجراء الأول الصادر عن السلطة العباسية. إذ أمر ابو العباس السفاح بحمل الإمام جعفر الصادق من مدينة جده الى الحيرة في العراق[4]. ووضعه في الإقامة الجبرية، ومنع الناس من الدخول عليه، منهيا بذلك الواقع العلمي، الذي صنعه في الحرم النبوي، والذي مثل تجمعا فقهيا ضخما، ضم أربعة آلاف طالب علم[5].

وقد تنبأ الإمام الصادق بالواقع الإرهابي والكبت، الذي ستمارسه السلطات العباسية، ضد الكيان الشيعي، فتوجه الى أصحابه: «اتقوا الله، وعليكم بالطاعة لأئمتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عما صمتوا، فإنكم في سلطان من قال الله تعالى: (وان كان مكرهم لتزول منه الجبال)[6]، وفعلا بدأت الدسائس والتصفية في الجبهة الداخلية، فبدأت باغتيال أبي مسلم الخلال، أكبر الدعاة العباسيين، في مؤامرة عباسية حاكها السفاح. الذي بلغته الاخبار عن محاولة الخلال نقل السلطة الى البيت العلوي، وميوله الى أولاد فاطمة. كما قتل خليفة السفاح المنصور أبا مسلم الخرساني (أمين آل محمد) قائد الجيوش العباسية. وهزم المنصور الجيش الذي طالب بدم أبي مسلم في معركة ضارية. وقتل المنصور عمه عبدالله، بعد ان خرج عليه يطالب بالولاية. وقتل من البيت الطالبي محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بـ(النفس الزكية)، ومن شايعه من أهل بيته. وبرز الخلاف بين قريش اهل البيت وبين قريش العباسية الى السطح، ليتعاطى في العلن.

واستمر وضع الإمام الصادق في الإقامة الجبرية، في عهد السفاح، الذي دام حكمه عامين، وتواصل على عهد المنصور، الذي يعرف مكانة الصادق في الأمة، لذلك يتوجس منه خيفة، وقد اثر عنه القول: «هذا الشجا المعترض في الحلق أعلم الناس»[7]. رمزية الإمام الصادق الفكرية في الأمة، وأرتباطها بمسألة الخلافة والإمامة، التي يجاهد أهل البيت لاستردادها، دعت المنصور لأن يفكر بجدية في التخلص منه، كما تخلص من جميع منافسيه. فأظهر ذلك في أحد خطاباته مع الصادق بالقول: «لأقتلنك ولأقتلن أهلك حتى لا أُبقي على الأرض منكم قامة سوط، ولقد هم بقتله أكثر من مرة، وكان يستعين عليه بالله»[8]، فتم التخطيط لعملية الاغتيال، فبدأت برفع الاقامة الاجبارية عن الامام الصادق، تجنبا لتوجيه اصابع الاتهام عن السلطة لاحقا، وحدثت العملية بدس السم، ولما بلغ المنصور نبأ الوفاة المفتعله تباكى، وأبّنه بالقول: «ان جعفرا كان ممن قال الله فيه: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)32/35. كان ممن اصطفى الله، وكان من السابقين بالخيرات»[9].

والتهديد العباسي بالاستئصال يدل على تبني قريش العباسية الاتجاه الأموي القاضي بتصفية المعارضة العَلَوية، وذلك باستهداف رموز هذا التيار من القرّاء وحملة القرآن. وبذلك يصرح المنصور في قوله: قتلت من ولد فاطمة ألفا أو يزيد، وترك لولده المهدي غرفة من غرف قصره، مملوءة برؤوسهم، ومع كل رأس رقعة باسمه ونسبه، ليقتدي به خليفته من بعده[10]. وتعتبر بعض الآراء المنصور أول من تجرأ على هدم قبر الحسين في كربلاء[11]، لما في القبر من دلالة ثورية، تساهم في نشر الظلامة العَلَوية، وتوجد في الأمة عقدة الذنب تجاه أهل البيت، لذلك اصبح موقع قبر الحسين في الأمة موقع الضمير، الذي فرض على وجدان الأمة طلب «الرضا من آل محمد»، وهو الشعار الذي استغله العباسيون، للوصول الى الحكم، وعليهم ان يتخلصوا منه بعد استلامهم للسلطة، حتى لا يقضي عليهم.

وحل عصر هارون العباسي، الذي مثل أسوأ العصور بالنسبة للتشيع، فهارون قد أقسم بالقول: «حتام اصبر على آل أبي طالب، والله لأقتلنهم وأقتل شيعتهم أينما حلوا، وأمر بإخراجهم من بغداد الى المدينة، وأمر واليه عليها ان يأخذ الضمانات منهم، ويتعهد بعضهم ببعض، وعندما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد، أمره ان يَغِير على دور آل أبي  طالب ويسلب ما على نسائهم من الثياب، ولا يترك لكل واحدة منهم الا ثوبا واحدا يسترها، وفي عهده امتلأت سجونه من العلويين وشيعتهم، وكل من يتهم بالتشيع لهم»[12]، وفرض على وصي الصادق الإمام موسى الكاظم ان يمضي أغلب فترات حياته، في السجون التي حمله إليها، حتى دس له السم فقتل، وجدد هارون هدم قبر الإمام الحسين عام (171هـ)[13]، وقطع الشجرة القائمة بجوار القبر، لمنع زوار القبر من الاستظلال بها من حرارة الشمس، وقد تولى تنفيذ المهمة له موسى بن عيسى بن موسى العباسي، ومنع المناطق المشتهرة بالشيع من إقامة ذكرى عاشوراء.

وجاء عصر المتوكل الذي تميز بتنامي العنف الموجه ضد التشيع. فكان المتوكل شديد البغض والكراهية لعلي وآل علي، فكان في مجلسه من يهرج بتقليد شخصية الإمام علي ويتفكه بها[14]، «وإذا بلغه ان أحدا يتولى عليا وآل علي صادر أمواله وقتله وأضاف الى ذلك انه كتب الى واليه في مصر يأمره بإخراج آل أبي طالب منها وطردهم الى العراق وكانوا في مصر يرددون في مجالسهم ما صنعه الأمويون مع الحسين وأسرته وأصحابه ويبكون لما أصابهم فأخرجهم الوالي منها واستتر اكثر من كان فيها من شيعة أهل البيت. كما استعمل على المدينة ومكة المكرمة عمر بن الفرح الرجحي فمنع من البر بآل أبي طالب كما منع العلويين من التعرض للناس والاتصال بأحد. ولم يبلغه عن أحد بر علويا الا أنهكه عقوبة وأثقله غرما، فساءت حالة العلويين، واضطر نساؤهم الى التزام بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع في الصلاة الواحدة تلو الأخرى، ويجلسن عاريات على مغازلهن لكي يشترين ما يسد رمقهن من خبز الشعير بأثمان غزلهن»[15]. ومنع الزيارة لقبر الإمام الحسين فوضع المسالح ونقاط المراقبة، لتعتقل كل من يزور القبر، الا ان الشيعة كانوا يخاطرون بزيارة القبر فكانوا يسيرون ليلا، ويكمنون نهارا. مما دعاه الى اتخاذ قرار بهدم القبر عام (236هـ)، وحرثت أرضه وزرعت[16]، بغية درس أثره. وفي ذلك تعبير عن رغبة السلطة بالخلاص من أزمة حقيقية تمثلها رمزية كربلاء، التي تشع بالدعوة الى التمرد والثورة، والتحدي، والتضحية في سبيل تحقيق واقع سياسي واجتماعي افضل للأمة، في ظل حكومة شرعية، يقوم على رأسها الوصي.

ويمكن القول في الجملة، بان الأئمة الذين جاؤوا بعد الإمام الكاظم، فرض عليهم ان يقضوا حياتهم أسرى القصر او في ظل رقابته. فحملوا الى عواصم الخلافة العباسية، كي يؤمن جانبهم؛ فالإمام الرضا فرضت عليه ولاية العهد، وأجبر على قبولها. والجواد زُوّج ابنة المأمون، وقضى قسطا من حياته في العاصمة. ثم حمل إليها في ولاية المعتصم، وقتل فيها، والإمام الهادي حمل الى عاصمة الخلافة، وكذلك وصيه العسكري، وتعرض بيتهم لمداهمات بين فينة وأخرى، وتوفيا فيها وفاة مشبوهة. فلم يقعد أحد من أئمة أهل البيت طيلة العصور العباسية مقعد التدريس، ولذلك نَزَر ما وصلنا من تراثهم.

كان هذا استعراضا مقتضبا لواقع التشيع في ظل الدولة العباسية، التي رأت فيه الند والمنافس الحقيقي لها على السلطة، والمرشح لاستلامها. وان هذا التيار المعارض لا يمكن ان يسالم أو يهادن، باعتبار قضية الخلافة بالنسبة له، تكليف شرعي ينبغي اقامته. لذلك كانت معارضة قريش اهل البيت على امتداد تاريخها، تحمل السيف في يد والقرآن المؤول في اليد الأخرى. وتخوض معركتها على الجبهتين العسكرية والفكرية. وهو ما فرض على العباسيين، ليبقوا محتفظين بالسلطة، ان ينتهجوا نهج الحكومات الأموية. ولذلك تبنوا مشروع المكافحة ذاته؛ فتصاعد مشروع الحرب، فلم يعرف الهوادة، ولم يراع فيهم الا ولا ذمة، بغية استئصال أهل ذلك البيت، وإعفاء فكرهم. كما يعبر عن ذلك، استهداف الاحياء بالقتل وقبور الأموات بالدرس. وفعلا نجحت جهود قريش العباسية، منضمّة الى جهود العهود البائدة في تغييب الإمام الثاني عشر، نتيجة إضعاف الكيان المشايع له، وبالتالي غيبوا التأويل معه، نتيجة القتل المستحر في صفوف الشيعة، حملة القرآن المؤول! ليبقى الكيان الشيعي قطاعا مواليا قليل الكفاءة بعد فقد الكوادر القيادية .

المصادر:



[4] المسعودي، الوصية، 184. وعنه محمد جواد مغنية، الامام الصادق، 131.

[5] حسن الامين، اعيان الشيعة، 1/ 667.

[6] المجلسي، بحار الانوار، 47/162.

[7] محمد جواد مغنية، الإمام الصادق، 286 عن الخرائج والجرائح، 234.

[8] هاشم معروف الحسني، من وحي الثورة الحسينية، 159، عن المناقب لابن شهرشوب.

[9] تاريخ اليعقوبي، 2/383.

[10] هاشم معروف الحسني، من وحي الثورة الحسينية، 158. عن تاريخ الطبري. وعن النزاع والتخاصم للمقريزي.

[11] هاشم معروف الحسني، من وحي الثورة الحسينية، 159.

[12] ن، م. نقلا عن احمد امين، ضحى الإسلام، 3/..

[13] صالح الشهرستاني، تاريخ النياحة، 2/5.

[14] آدم متز، الحضارة الإسلامية، 206.

[15] ابن الاثير، الكامل في التاريخ، احداث سنة 236.

[16] ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 7/55.