|
((إنكم في سلطان من
قال تعالى فيهم: (وان كان مكرهم لتزول منه الجبال)46/14)) الإمام الصادق(ع) |
استمر الجدل في التصاعد بين التيارات الفكرية المختلفة،
واحتد في النهاية، وتوّج بحدوث الانقلاب المتزامن مع ضعف الحكم الأموي، الذي قطع
دابره في المعركة الفاصلة بين جيوش الشام وجيوش الثورة القادمة من خراسان. وهي
معركة انتحل العباسيون في التهيؤ إليها جميع جهود وشعارات أهل البيت كجبهة معارضة.
فرفعوا شعار الرضا من آل محمد، وسمي من يدعون له الإمام، وأخفي اسمه، وسمي وزير
الحرب أبو مسلم الخرساني بأمين آل محمد، ولقب أكبر الدعاة العباسيين أبو سلمة
الخلال بوزير آل محمد، وعللوا لبسهم السواد بالحزن على آل الرسول، وما جرى عليهم
من قتل، يقول بكير بن ماهان، وهو أحد الدعاة الكبار في الدعوة العباسية: «قد
تتابعت على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصائب لا ينكر معها لأشياعهم لباس
السواد حتى يدركوا بثأرهم»[1].
ولكنهم تميزوا في تحركهم عن العلويين، رغم إظهارهم اتحاد
المنطلقات، والأهداف ووحدة التحرك. ويدل على إخفائهم الغدر بالعلويين، التحذير
الذي يوجهه صاحب الدعوة العباسية، لأبي هاشم بكير بن ماهان: «وحذّر شيعتنا التحرك
في شيء مما تتحرك فيه بنو عمّنا من آل أبي طالب، فان خارجهم مقتول، وقائمهم مخذول،
وليس لهم في الأمر نصيب»[2].
وباحراز الانتصار خرجت قريش العباسية من مخبئها،
لتتربع على عرش السلطة، وأرادت ممارسة لعبة الحكم باعتبارها قريش أهل البيت. لذلك
تم تنصيب أول خليفة عباسي والبيعة له، في يوم العاشر من محرم عام (132 هـ) مما
يوحي بان العباسيين أرادوا، بهذا التوقيت، إيصال رسالة للأمة، فحواها ان الوصول
للسلطة، الذي توخته حركة الحسين، وراح الحسين شهيدا دون غايته، نحن الخلفاء الجدد
جئنا لنتابع المسيرة الحسينية، ونوصلها الى غايتها. وها نحن،
الامتداد الطبيعي لأهل بيت النبوة قد نجحنا!! وكانت خطبة التنصيب تصب في هذا
السياق، وتؤكد هذه الحقيقة: «أيها الناس! ما وقف هذا
الموقف بعد رسول الله أحد أولى به من علي بن أبي
طالب، وهذا القائم خلفي ..»[3]
*، اشارة الى أبي العباس السفاح، فلما لم يستقم لهم هذا التقمص،
شهروا سيوفهم، وحكموا بالنار والحديد، كما حكم أسلافهم الأمويون.
حظر العباسيون ممارسة التعليم على أئمة أهل البيت.
فهم ممن شارك العلويين في جهادهم ضد غاصبي الخلافة، على امتداد الحقبة المتقدمة،
هذه المشاركة أطلعتهم على ادوات جهاد أئمة أهل البيت على الصعيد الفكري، الذي
كانوا فيه يؤولون الكتاب ليظهروا أحقيتهم في الخلافة، ويمنحوا فريضة الجهاد
مضمونها، الذي يجعل الجهاد في سبيل إعادة الحق فيهم، هو جهاد في سبيل الله المؤول
بـ الوصي. لهذا ارتأى العباسيون، الخلفاء الجدد، ان سيطرتهم على الحكم لا تتم الا
بوسائل أعداء أهل البيت القديمة، التي لا ينبغي ان تقتصر على منع أهل البيت من
التدريس فحسب، بل منعهم حتى من الحركة بحرية في الوسط الشعبي، معرفة منهم باعتماد
أهل البيت على مبدأ التقية، الذي يظهرهم بمظهر المسالم للأنظمة الحاكمة، في الوقت
الذي يعدون العدة للثورة، بزرع بذورها من خلال الملتقيات التي يلتقون فيها بالناس،
اثناء حلقات التدريس العامة والخاصة. لهذا عزل العباسيون أئمة أهل البيت عزلا
تاما، سجنا أو إقامة إجبارية في عواصم الخلافة، وكانوا من البيت العلوي على حذر
شديد. وان ما تعرض له أئمة أهل البيت من اضطهاد وعناء في ظل سلطان العباسيين، يفوق
ما تعرضوا له في ظل سلطان الامويين. ولم يكن للعباسيين خيار بعد موقفهم العدائي من
ائمة مدرسة التأويل، الا ان يتبنوا مدرسة الرأي بمذاهبها المختلفة، ويطوعوها لخدمة
سلطانهم.
* لما بويع ابو العباس صعد المنبر.. فصعد داود بن علي فقام دونه
بمرقاة، فخطب فمن جملة ما قال: «.. ايها الناس! ما وقف هذا الموقف بعد رسول الله
أحد أولى به من علي بن أبي طالب، وهذا القائم خلفي، فاقبلوا عباد الله ما
اتاكم بشكر واحمدوه على ما فتح لكم، أبدلكم بمروان عدو الرحمن، حليف الشيطان،
بالفتى المتمهل والشاب المتكهل، المتبع لسلفه والخلف من ائمته وآبائه، الذين هدى
الله، فبهداهم اقتده، مصابيح الدجى وأعلام الهدى، وأبواب الرحمة، ومفاتيح الخير،
معادن البركة، وسامة الحق، وقادة العدل، ثم نزل..» (تاريخ اليعقوبي، 2/350). وخطب
سديف بن ميمون في المدينة فقال: «يزعم الضلال، خطئت اعمالهم ان غير آل رسول الله
اولى بتراثه، ولم وبم معاشر الناس! الكم الفضل بالصحابة دون القرابة، الشركاء في
النسب، الورثة للسلب، مع ضربهم في الفيء لجاهلكم..لم ير مثل العباس بن عبد المطلب،
اجتمعت له الأمة بواجب الحرمة ابو رسول الله بعد ابيه، وجلدة ما بين عينيه يوم
خيبر، لا يرد له امرا ولا يعصي له قسما، انكم والله، معشر قريش، ما أخذتم لانفسكم
من حيث اختار الله لكم طرفة عين قط » (تاريخ التعقوبي، 2/352).
[1]
احمد علبي،
العهد السري للدعوة العباسية، 48، عن مؤلف من القرن الثالث، 245-247.
[2]
ن، م، 44،
عن ن، م، 200.
[3]
تاريخ
اليعقوبي، 2/350.