|
((إني امرؤ مقبوض وسيقبض العلم.. إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط حتى يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل)الرسول الأعظم
|
لقد تنبأ الرسول بمعالم المستقبل، الذي تصير إليه الأمة، وقد استقى بيانه من القرآن، الذي تضمن العلم بالمستقبليات. فمن هذا الجانب من الكتاب اقتبس الرسول قبسا من البيان، الذي يرى الناظر فيه معالم المسار المستقبلي للأمة، من اللحظة التاريخية التي ستعقب وفاته مرورا بالانعطافات التاريخية الكبرى، وانتهاء بقيام الدولة المهدية المهيمنة على الأرض. ولم تنطلق تنبوءاته من منطلق ترفي، بل من أجل ترشيد مسيرة الأمة، فصاغ خطابه المستقبلي في صيغة تحذير من المخاطر التي تحف بالأمة، وتبشير بما ينتظرها من غد واعد، يرتقي فيه الدين الإسلامي إلى مرتبة السيادة على العالم.
-1-
لقد تنبأ الرسول بنزو قريش على مقعده من بعده، وإقالة خليفته من مقام الخلافة. ثم تحريف الكتاب بفصله عن التأويل، وتعاقب الثالوث القرشي على السلطة يمهدون لخلافة الشجرة الملعونة في القرآن. ثم تنبأ بسلطان بني العباس، وبمصير أهل بيته في ظل سلطان بيوت قريش، حيث سيذبحون كما ذبحت ذريات الأنبياء بعد رحيلهم. ثم تنبأ بتفتت بنية الأمة إلى كيانات تتداعى عليها الأمم، وتنبأ بغيبة وصيّه الثاني عشر، وبمعالم الواقع الذي يسبق الظهور. ثم قيام دولته في آخر الزمان، وسيادتها على العالم، وقدّم وصفا لمعالم الحياة في ظل الحضارة المهدية. ثم تحدث عن أشراط الساعة، ورسم صورة مفصلة للحياة الأخروية في منازلها العالية في الجنة، وفي دركاتها الهاوية في النار. وبين هذه وتلك تنبأ الرسول بألف نبوءة ونبوءة، وبالكثير من التفاصيل، التي أسهب في تناولها. بحيث لايسعنا الا ان نلجأ إلى هذا الإجمال في سردها، ونوكل القارئ إلى كتب التراث والحديث. رغم يقيننا بان ما وصلنا منها، يمثل غيضا من فيض، افاضه الرسول على الأمة. ولولا الحصار والاستهداف، الذي حاول ان يقضي على تراث الرسول، واستطاع ان يقضي بالفعل على جزء مهم منه، لكان لدينا تراث ضخم من أحاديث الرسول، يزخر بمختلف احداث الحياة في الأبعاد الزمنية الثلاث. إلا ان هذا الفصل عقدناه للحديث عن جوانب نبوءة الرسول، التي تخص علم القرآن ومستقبل الكتاب، ونستقصي كلمات الرسول ونبوءاته، التي تختص برسم معالم القرآن المؤول، والمسيرة التاريخية التي سيشق طريقها وما سيتعرض له. ويمكن الاستعانة ببيان الأوصياء الوارد في هذا الاتجاه، باعتباره امتدادا لخطاب الرسول التنبئي.
لقد تحدث الرسول في خطاب مستقبلي عن رفع علم الكتاب. وكرره كلما سنحت الفرصة، ولفت الانتباه إليه لخطورته. نلمح ذلك بتعدد صيغ حديثه، والكثافة الملفتة لحضوره في كتب الحديث([i]). ومن هذه الصيغ التي وردت فيها هذه النبوءة النبوية، قوله (ص): «أيها الناس خذوا العلم قبل ان يقبض العلم، وقبل ان يرفع العلم، قيل: يا رسول الله! كيف يرفع العلم وهذا القرآن بين أظهرنا؟ فقال: أي ثكلتك أمك وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، الا وان من ذهاب العلم ان يذهب حملته (وكررها) ثلاث مرات»([ii]). بدأ الرسول في هذا الحديث الموجّه للأمة، يؤكد على قبض العلم، وعلى ارتفاعه في المستقبل الآتي. فيأتي بيانه في إطار تحذيري، يستنفر فيه الأمة، ثم يأخذ منحا تحريضيا، كإجراء يكافح به الخطر الداهم، فيحرض الأمة على الإقبال على العلم، إقبال العارف بان البضاعة التي يحتاج إليها حاجة ماسة، سوف تفقد في المستقبل القريب، لتتهافت الأمة على تعلم العلم. ويفهم الجمهور الحاضر ان المقصود من العلم في الخطاب علم القرآن، باعتباره مصدر العلم والمعرفة الوحيد في الدولة الإسلامية آنذاك. فكانت نوافذ الأمة الإسلامية مغلقة في وجه التيارات الفكرية الوافدة من الجوار، ومقتصرة على تعلم علم القرآن، في عملية بناء للذات وتشكيل للهوية، وصياغة للقدرات العقلية والنفسية للإنسان المسلم، على ضوء هدى الرسالة وإشعاعات الوحي وشخصية الرسول القدوة.
ويلتفت الرسول إلى من يسأله استغرابا: «كيف يرفع العلم والقرآن بين أظهرنا؟» فيذكره بالنموذج التاريخي لبني إسرائيل، ولامتداده الحاضر في المدينة واطراف الجزيرة العربية، فهذه الأمة الباقية من بني إسرائيل، متنبأ ان تنتهي الامة الى ما انتهت اليه، كما في قوله (ص): «انتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقتهم حذو القذة بالقذة، حتى لا يكون فيهم شيء، الا كان فيكم مثله»([iii]). بهذه المقارنة، كما لم يغنِ تمسك اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل، حيث لايلتزمون بتعاليم تلك المصاحف! كذلك سيكون القرآن في واقع الأمة الأسلامية، مما يعني ان القرآن سيفرغ في المستقبل من محتواه، وستقف منه الأمة موقف الهجر، وهذا ما رام التحذير منه.
فالرسول الذي عقد المقارنة بين أمة بني إسرائيل والأمة الإسلامية، صار الوجه الآخر في حديثه عن بني إسرائيل يخص الحديث عن الأمة الإسلامية. فمن جملة الأفعال التي قامت بها بنو إسرائيل، يقول (ص): «ان بني إسرائيل ألّفوا كتابا واتبعوه وتركوا التوراة»([iv]). وإذا ما استعرضنا واقع الأمة الفكري في الإطار الخاص والعام، فإنها هجرت القرآن في معاهدها وحوزاتها الدينية، فلم يعد يدرس. وإذا اهتم به ففي الإطار الشكلي من الاهتمام، الذي لا يقارن بالاهتمام الأول في صدر الإسلام، حيث كان القرآن المصدر الأساسي للعلم والمعرفة، وهو ما ينبغي ان يفهم على ضوء ما تقدم. وتركزت الدراسة على الكتب التي الفها العلماء والفقهاء في هذه الحقبة. وهي كتب وان ادعي بانها تخدم القرآن الا انه ادعاء أبعد ما يكون عن الصواب. بعد ان عرفنا تجرد القرآن من كل خصائصه، وانحصار علمه في إطار الظواهر. فلم يكن القرآن الذي يعرفه الفقهاء المعاصرون، هو القرآن الذي عرفه فقهاء صدر الإسلام، فعلاقة الأمة بالقرآن في صدر الإسلام علاقة زواج واقتران، وعلاقة الأمة في القرون الأخيرة علاقة فراق وطلاق، وشتان بين العلاقتين. وعن هذا يتحدث الرسول بالقول: «سيأتي على الناس زمان القرآن في وادٍ وهم في واد»([v]). فهذا الرفع لعلم القرآن من الأمة، يتحدث عنه الرسول بايضاحه بان الأمة ستغدو لا تعرف من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه، كما قال في أمة بني إسرائيل يهودا ونصارى، رغم وجود المصاحف بين أظهرها آنذاك، الا انها لا تفقه مضامينها، وهو ما عبر عنه بانها لا تتعلق بشيء مما جاء فيها، وهو الواقع ذاته الذي تعيشه الأمة، وتستعيض فيه بكتب ألفها الآباء.
ويصف الرسول الفقهاء في آخر عصر الغيبة المسمى بآخر الزمان: «يأخذ الناس في آخر الزمان رؤساء جهال يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون»([vi])، ويوجه خطابه إلى أجيال الأمة القادمة في المستقبل: «إياكم وأصحاب الرأي فانهم أعيتهم السنن ان يحفظوها، فقالوا في الحلال والحرام برأيهم فأحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله فضلوا وأضلوا»([vii]). فالقرآن يهدي إلى النظام السنني الذي يمثل الهيكلية الباطنية للكون: {إنما يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم}26/4، وعن هذا النظام السنني يصدر الإسلام في تشريعاته، فيمثل التأويل السبيل إلى المحافظة على بقاء الإسلام في تشريعاته مرتبطا ومنسجما مع النظام السنني للكون. ولما أضاعت الأمة التأويل وتجاوزته إلى الرأي، عملت في إصدار تشريعاتها على أساس الرأي، فتم الفصام بين التشريعات وبين النظام السنني، فأحلّت ما حرّم الكتاب وحرمت ما أحلّ.
وعلاقة الطلاق بين الأمة والقرآن، التي ينص عليها الرسول في قوله الآنف الذكر، هي ذاتها التي يتحدث عنها القرآن، ومنها ينطلق الرسول في أحاديثه، حيث يقول تعالى: {وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا}30/25، فهجر الأمة للقرآن يتنبأ به القرآن ذاته، ويتجلى على لسان الرسول في صيغة أحاديث. وهذا الوصف ينطبق على الأمة في قرونها المتأخرة المعروفة بعصر الغيبة، يدل على ذلك قول الصادق(ع): «ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى»([viii]). وهي الحقبة ذاتها التي يصف فيها الإمام علي (ع) الإسلام والقرآن في واقع الأمة، بالقول: «إذا لم يبق من الإسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه وغاب صاحب الأمر»([ix]).
ان المذاهب من بعد الرسول في الإطار السني، ومن بعد الأئمة بالنسبة للإطار الشيعي، قد أخذت اما بظاهر القرآن، واما بباطنه، وكل منها حاد عن الجادة، إذ اليمين والشمال مضلة والوسط هي الجادة. وعن الاتجاه الوسطي، والاتجاهين الواقعين على طرفيه، تحدث الإمام الصادق: «يا هيثم التميمي! ان قوما آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيئا، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئا، لا إيمان بظاهر الا بباطن ولا بباطن الا بظاهر»([x]). فالقرآن ظاهر وباطن، والرسول علم الأمة التأويل كسبيل تَعْبر من خلاله ظواهر القرآن إلى بطونه. وبناء على ذلك، اصبح الاكتفاء بجزء من القرآن يمثله الظاهر أو الباطن، يجعل العملية الفقهية عملية خاسرة مصداقا لقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، ان طريق الجادة هو الذي يؤخذ فيه القرآن بظاهره وباطنه معا. ولن يكون ذلك متيسرا حتى يعرف المسلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه. ولن يعرف ذلك حتى يعرف ما هو التأويل؟.
-2-
ورسول الله في النبوءة المتقدمة يؤكد ان قبض العلم يحدث بقبض حملة القرآن، ولم يحدث قبض الحملة بصورة خارجة عن التفسير والتحليل، وانما فقدانهم تم بصورة طبيعية، بمعنى ان له أسبابه الموضوعية. فمسالمة الغالبية من الأمة للحكومات الجائرة والمتحكمة في معادلة الواقع، يلزم عنه خذلانها للمعارضة التي يقودها حملة القرآن، وإضعاف هذه المعارضة، يحيلها إلى لقمة سائغة في مواجهتها لجحافل القوة الباغية، مما أدي إلى إراقة الدماء الغزيرة نتيجة المجازر الجماعية في صفوف القرّاء. كما أراق سمرة دم سبع وأربعين من حملة القرآن في غداة. كما راح الكثيرون منهم في الحركات المناهضة للحكومات الجائرة، ونموذج لذلك نجده في قول ابن هلال العسكري: «ان اكثر القرّاء كانوا من الموالي، وكانوا جل من خرج عليه (على الحجاج) مع ابن الأشعث»([xi]).
وكان المعطى المحصل العام لهذا الخذلان والقتل المتصاعد، يسهم في إضعاف قيادة أوصياء الرسول المعارضة، بعزلهم وتعجيل التحول في القواعد الجماهيرية، بفك ارتباطها بالوصي لافتقاد القيادة الوسيطة، التي استهدفت بالتصفية، ولعدم القدرة على خلق البدائل. ويتم إعادة ربط تلك القواعد بالإسلام الرسمي، الذي ترعاه الحكومات الجائرة، وفي ذلك إعادة صياغة لعقلية الأمة، بغسل دماغها من الفكر الإسلامي، وإعادة شحنه بالإسلام المحرف، وإعادة تشكيل لبنية الامة، بهذه العملية يتم ارتفاع العلم بالقرآن والإسلام. وفي ذلك يقول الرسول(ص): «ان الله لا ينزع العلم منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعا، ولكن يقبض العلماء بعلمهم وتبقى جهالا فيسألون فيفتون فيَضلون ويُضلون»([xii])، ويضيف «ان الله لا يرفع العلم إنما يهلك العلماء ولا يتعلم الجهال»([xiii])، بهذه المراحل الثلاث: قتل الحملة، إعراض الجهال عن التعلم وافتقاد القدرة على خلق البدائل، وحلول بدائل مزيفة، يرسم الرسول معالم المؤامرة التي تقوّض العلم بالقرآن وتبدله جهلا، وهو ما حصل بكل دقة، كما وصف الرسول دون زيادة أو نقصان.
ويبرز الإسلام في معادلة الأمة المتخاذلة، كمشروع لإنقاذ الفرد بصبره على مكاره السلطان، وان يتمنى على الله الأماني. فالامة في تعاطيها مع القرآن تتعلق به كحروف تتبرك بها، وتستظهرها بالحفظ، وتتقن التغني به تجويدا، دون ان يتجاوز تراقيها، لكن يتعذر عليها العمل بأوامره، الا في أضيق حدودها من صلاة وصيام ..، من عبادات لا تكلف الإنسان الا اليسير، أما أوامر النص الحاثة على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والهجرة في سبيل الله، والصبر على التضحيات بالمال والنفس، فهي تحرف تلك الأوامر الجادة، وتجعلها توجيهات تاريخية، وتكليف غير معني به الا الرعيل، الذي نزل عليه القرآن وعاصر الرسول، فهي تفهم القرآن فهما ماضويا تاريخيا ميتا، دون ان تعي أنها بذلك تتحول إلى أمة ملعونة: «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه»([xiv]). ويوجز لنا الإمام الجواد هذا النمط من تعامل الأمة مع القرآن بالقول: «كل أمة رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه، وولاهم عدوهم حين تولوه، وكان من نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية»([xv]). فسيادة هذا الوعي المتخلف بالدين لقطاع الأغلبية في الأمة يدل على طبيعة فكر الفقهاء المسيطر، والذين يصفهم الرسول بالقول: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»([xvi])، وهم الذين يصف الإمام علي نموذجهم بالقول: «لقد اسماه أشباه الناس عالما وليس به»([xvii]).
ولما أراد بعض المستنيرين في الأمة، ان يُفعّلوا القرآن في أوامره المهملة المتعلقة بالمسئولية الاجتماعية، فان إحياءهم لها لم يتم الا في إطار الفكر المذهبي المختلف، مما أدى إلى إحياء الإسلامات الموروثة، وتجديد الظاهرة الفرقية، ولكن بصيغة معاصرة، لها كياناتها وأفكارها، بحيث يمكن تصنيف تلك الكيانات الاسلامية المعاصرة كمذهب من مذاهب الأمة، وصيغ من صيغ تشرذمها المستجدة.
-3-
لقد تنبأ الرسول بالمسيرة المتقهقرة للأمة بعد رحيله عنها. وان تلك المسيرة ستمر في تقهقرها عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى التي تعمل فيها الأمة بالكتاب، والثانية التي تعمل فيها بالسنة، والمرحلة الثالثة التي تعمل فيها بالرأي، ونص عبارته هي: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك ضلوا»([xviii]). ثم تعود الأمة للمرحلة الأولى التي فيها تعمل بالكتاب، باعتبار ان ظواهر الحياة تتحرك في مسار دائري فتنتهي من حيث تنطلق. وهذه المراحل تنطبق على الأمة في الإطار العام، كما تصدق على الأمة في الإطار الخاص، ففي الإطار العام عملت الأمة في مرحلة الرسالة بالكتاب. وبعد الرسول بالسنة حيث تمسكوا بمناطيق الاخبار، قبل ان تتحول إلى الرأي بانتشاره في صفوف الأغلبية المذهبية، لتكون تلك هي المرحلة الثالثة. وفي الإطار الخاص، فان الأمة عملت بالكتاب على عهد الرسول والأوصياء. وبعد غيبتهم تحولت إلى العمل بالأحاديث، كما رأينا واقع المحدثين. ثم برز الخط الأصولي واستشرى ليمثل كتلة الأغلبية الشيعية، والمرحلة الثالثة.
واعتنى الرسول بوصف المرحلة الثالثة التي يشملنا امتدادها الزمني، باعتبارها أشد المراحل خطورة على الرسالة. ولكنها في الوقت نفسه هي المرحلة الأخيرة من أزمة الرسالة، التي تسبق انقلاب الدائرة إلى المرحلة الأولى، أي ان مرحلة الرأي التي تتقهقر إليها الأمة، وتمثل العقدة في أزمة علاقتها بالقرآن، ينبغي لها ان تتراجع بعودة الدائرة إلى مرحلة الانطلاق، التي معها تعود الأمة إلى العمل بالتأويل، كما كانت في أول عهدها. حينها تنحل العقدة ويبعث الكتاب والسنة إلى الحياة من جديد، وذلك يكون مع ظهور الإمام الحجة، أو يمثل علامة من علامات ظهوره. وعن هذه المرحلة يتحدث الإمام علي عن عصر المهدي بالقول: «وتلقي [اي الأرض] إليه سلما مقاليدها، فيريكم عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة»([xix])، ويرد في زيارة الإمام الغائب: «وجدد به ما امتحى من دينك، وأصلح به ما بدل من حكمك، وغير من سنتك، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضا جديدا صحيحا، لاعوج فيه ولابدعة معه»([xx])، وفي هذا تجديد لبنية الدين، وإحياء للكتاب والسنة، وإصلاح لما أفسدته المذاهب، وإلغاء لما استحدثته.
وهذا التجديد والإصلاح لا يتم إلا بإعادة نشر الفقه بالقرآن، القائم على التأويل وإلغاء كل الكتب التي الفتها المذاهب، وفيها استحدثت انشقاقات مثلت اتجاهات انحرافية عن الدين. وعن ذلك يقول الإمام الصادق (ع): «إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط حتى يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لانه يخالف فيه التأليف»([xxi]). فالتأويل يحرك مكونات النص، ليقرأ بعضه في بعض، كما في العهد الرسالي الأول الذي تروى عنه المقولة: «ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض»، وهي المقولة التي يعبر عنها الحديث بالتأليف، حيث تحريك الآيات وصلا وفصلا، على ضوء املاءات الوحي القرآني الناتج بالتلاقح، هي عملية إعادة تأليف ذاتية لبنية النص وتحديث لوجوهه، وللعلم الذي تفرزه تلك الوجوه، ليبرز الكتاب قراءات معاصرة لكل زمن، بقدرة غير قابلة للتعيين والحد، والى هذا التحريك التأويلي لمكونات الكتاب يعزا التغاير لمصاحف الصحابة في زمن الرسول، حيث تفاوتت في تأليفها ونظمها، نتيجة توظيفهم التأويل في النص لينتج القراءات. فكان تأليف المصحف يجعل النص القرآني متحركا في الاتجاه، الذي يعبر عن اهتمامات الفقيه، الذي يؤلف النص بحثا عن العلم بالوقائع في أزمنتها المختلفة، وبحثا عن أحكامها، مما يجعل تأليف آيات المصحف يعكس واقع الفقيه واهتماماته، كما يؤدي تأويل النص القرآني إلى زيادة رقاع المصاحف مع الزمن، نتيجة توالي عملية إنزال الآيات القرآنية تأويلا.
فيعود الأمر كما بدأ، فيعيد الإمام المهدي تدريس التأويل، الذي يتعدد فيه تأليف النص، بتصرفه على وجوه غير متناهية. فيصعب ذلك على المسلمين المعاصرين للإمام، الذين درجوا على قراءة القرآن بنظم واحد، يلتزم بقراءة زيد بن ثابت، التي ما هي الا قراءة من جملة قراءات القرآن اللا متناهية. بهذا الأمر العسير، سيعيد الإمام المهدي للقرآن خصائصه، المعبرة عن حياته، التي أبرزها كون العلم القرآني تبيانا لكل شيء، وفصل الخطاب في كل اختلاف ونزاع. بهذا المشهد، يتوقع ان تنتهي أزمة الأمة في علاقتها بالقرآن.