1. إننا من خلال الإطار التاريخي هذا نعيد قراءة التاريخ من جديد، لنكشف عن تاريخ لم يقرأ بعد، أو لم يتعرض له بالتحليل على وجهه، فيما كتب سابقا، ليتضح ان عملية استهداف الكتاب سارت جنبا إلى جنب مع القتل لذرية الرسول، كما فعلت الأمم السالفة، فالقتل الذي تعرض له ضحايا القوى الباغية في التاريخ الإسلامي، لم يكن بدافع سياسي صرف، أي باعتبارهم رجال معارضة فحسب، وإنما باعتبارهم رجال فكر وقرآن أيضا. فالصراع كان يدور في الحقل الفكري للأمة بين القرآن المؤول والقرآن المحرف بالرأي، وهي الخلفية التي تصنع الصراع العسكري، الذي يشغل ميادين القتال. إننا بهذا البحث المستعرض لأزمة المنهج كتبنا مدخل لتاريخ الفضيحة، الذي فيه حرّف القرآن ولغته عن التأويل كعلم للنص وقُتل أهله. ونكون في الوقت نفسه قد فضحنا التاريخ السائد، الذي يحاول ان يجعل من ذلك التحريف هو التاريخ الأصيل للقرآن. بهذا نكون قد وظفنا البحث ليقوم بمهمة نسف معالم تاريخ وإعادة رسم معالم أخرى لتاريخ آخر.
2. لقد كفلت لنا القراءة التاريخية في هذا القسم، رؤية مقارنة من خلال مقارنة الواقع الفقهي المعاصر، بالواقع الفقهي على عهد الرسول، أي مقارنة الأمة في تاريخها المتأخر، بالأمة في تاريخها المتقدم. لنعد حينها الفوارق، ونلاحظ مقدار زاوية الانحراف عن الصراط المستقيم، الذي سارت عليه الأمة في ظل الرسول. لقد اندثر التأويل منهج فقه الكتاب عند المتأخرين، وبرز الرأي بصورته المحسنة، ليفرض نفسه على كل المذاهب والتيارات الفكرية بما فيها المذهب الوارث لتراث الرسول وأهل بيته.
3. ان الاختلاف السياسي بعد الرسول، والمتطور إلى اقتتال بين أطراف الأمة، وما أفرز من أنظمة للحكم والسلطة، شغل المحللين عن قراءة الوجه الآخر، الأشد خطورة من إراقة الدماء، والمتمثل في عملية التحريف، التي وقفت منها المذاهب موقف سلبي ينفي وقوعه، دون إجراء دراسة جادة لمفهومه وذيوله.
4. ان الغفلة عن أدراك خطأ المسلمة المذهبية العامة، التي تصور عهد الرسول خلوا من منهج لفقه النص، يتميز بالدقة العلمية، أدى إلى استمرار تخبط الأمة المنهجي والعلمي، وقاد إلى تكريس حالة المذهبية، وما تعبر عنه من تخلف عميق وشامل.
5. تتجسم عقدة تاريخ القرآن المتداول عند المذاهب، في حديث الأحرف السبعة، فتعذر هذه العقدة على الحل، وتضافر الأقوال التي تصفها بالمُشكل والمتشابه والمعمّى، وبالتالي الدعوة للإعراض عنها، كما روي عن غير واحد من فقهاء المذاهب، أدى إلى استمرار محنة الأمة في علاقتها بالقرآن. في وقت كانت المعطيات المتضافرة تؤكد دلالة الحديث بكل وضوح، بيد ان العقلية المبنية على أفكار مسبقة، ما كانت قادرة على تصور حركية المادة، التي يتألف منها القرآن، رغم شهادة معطيات التاريخ والقرآن عليها والسنة المتراكمة. الا إننا لم نجد من يتصدى لها ليدرس من خلالها وضع القرآن في الامة بين الأمس واليوم، ليخرج القرآن من شرنقة الفكر السلطوي المزيف والإسلام الرسمي المحجم.
6. ان الفكر الإسلامي الذي أسسه الرسول ورعاه الأوصياء، والذي ميز في فترة الاختلاف، التي تلت وفاة الرسول بالتشيع، هو الذي استمر يتعاطى التأويل بشروطه النبوية ومعالمه القرآنية لآخر لحظة تاريخية، قبل ان يغيب ذلك الفكر من على ارض الواقع ويقتصر حضوره النظري في التراث، ليستبدل اخر المطاف بفكر الرأي، الذي صنعته القوى المتسلطة في التاريخ الإسلامي، لتضلل عقلية الإنسان المسلم، وتلقي به في متاهة الجاهلية من جديد. ان الفكر الشيعي الراهن يكاد لا يفرق عن فكر المذاهب في الخط العام، ففي الإطار التشريعي يتطابق مع بقية المذاهب الا في بعض التفصيلات، الغير مهمة، وان ضُخمت واعتبرت فروقا جوهرية. وفي الإطار العقيدي حيث التماثل حاصل بصورة مبطنه، لما قدمنا من ان الانتماء إلى أهل البيت، لا يتحقق الا بالمحافظة على القرآن المؤول، باعتبار ان الإقتداء بهم يتم باعتبارهم قرآين ناطقة، والعجز عن تأويل القرآن يمنع من الإقتداء بهم، الا ان يكون الإقتداء بمسلكهم التاريخي المروي عنهم، وحينها لن يكون الإقتداء الا متخبطا، نتيجة عدم وضوح الخلفية لسلوك الامام لهذا المسلك دون ذاك، وهي الخلفية التي يمكن تمييزها من خلال الرجوع إلى القرآن، الذي استند إليه الأئمة في أقوالهم ومسلكهم، وقد قالوا «من لم يعرف الحق من القرآن لم يتنكب الفتن».
7. ان عودة الإسلام إلى حقيقته المتجوهرة في التأويل، لا تتم الا بالرجوع إلى التراث المروي عن أهل البيت، وبتفعيل قواعد التأويل في دراسة النص والاستنباط منه، بذلك يمكن ان تنهار البنية الفكرية المزيفة في تصويرها للإسلام من عقلية الأمة، وتهدم الجدران الحدودية في الحقل الاجتماعي والسياسي التي تمزق الأمة، وتمكن الدكتاتوريات والقوى المستحمرة من السيطرة على البلاد الإسلامية. في الوقت الذي يشتغل المسلمون بخلافاتهم، المطالبين بتقليصها، بحصرها في شريحة ضيقة من الأمة، إذا لم يمكن إزالتها نهائيا بطوفان الوعي والتنوير، الذي يكفل القرآن المؤول إطلاقه في عقل، كل إنسان يحمل القرآن، وتصدق رغبته بالتمسك به.
8. ان منهج البحث والاستنباط العلمي الذي جاء به الرسول وعنونه بالتأويل، هو من الدقة والضبط ما يتجاوز الواقع الفكري الجاهلي المعاصر، الذي تصور انه بلغ شأوا عظيما في المدارس الألسنية المعاصرة. ليعود القرآن المؤول ليطرح بقوة التحدي ذاته،ا التي طُرح بها في انبعاثته الأولى في قلب جزيرة العرب، بل اشد. باعتبار ان القرآن في أبعاده كان اكبر من عقلية إنسان جزيرة العرب آنذاك. وهو يكشف عن القوانين الحاكمة للغة بغض النظر عن الصفة اللاحقه لها، وباعتبار ان القرآن منطق ومنهج بحث من جهة، ومن جهة أخرى هو مجسم رمزي للكون، وهذه المعطيات يفقهها الإنسان المعاصر، اكثر مما يفقهها إنسان جزيرة العرب آنذاك.
9. يفتقر الوسط الفكري الإسلامي المعاصر، افتقارا شديدا إلى الأقلام الباحثة عن فهم موضوعي يتجاوز الفهم الموروث، كما لا ينطلق في بحثه للتراث من منطلق ردة الفعل على نقد الآخر، الذي يملي عليه كثيرا من املاءاته نتيجة الدفاع دون وضوح رؤية، فيقرّها في زحمة الجدل، ويقع ضحية أسرها، وهذا الافتقار هو الذي يجعل الكتابات في الحقل الديني أكثرها اجترارية، أو أصداء لفكر الآخر مقولب في صيغ تراثية، وان كانت الكتابات الاجترارية تقدم خدمة للأجيال الشابة الناشئة والحاملة لهموم أمتها، باعتبار ان تلك الكتابات تعيد طرح التراث وقناعات الآباء، بصيغة معاصرة تسهل للنشء الباحث، لاستثمار هذه الكتابات كمدخل معلوماتي، يعينه في قراءته المجددة في أمهات الكتب والمصادر التراثية، وان كانت تلك الكتابات في جانبها السلبي، تحاول ان تشيع الفكر الديني المعبر عن وجهة نظر انتقائية في التراث، لتبرير المؤاخذات القديمة والمستحدثة بما يتلاءم مع روح العصر، بدل ان تستفيد منها، بمناقشتها بعمق وتأني.
10.ان الدراسة التحليلية لتاريخ القرآن والفقه الإسلامي، ضرورية لأي محاولة استكشافية، تجري في التراث لتحري معالم الواقع الفقهي، الذي أسس في عهد الرسول، ثم ان دراسة اكثر تفصيلا من المعروض في واقع المذاهب، هي الأخرى في غاية الأهمية لوضع اليد على تفاصيل التغيرات والتبديلات، التي أحدثتها المذاهب. وهي العملية التي إذا ما تمت بكل دقة فإنها يتوقع ان توضع في عشرات المجلدات. فالغاية من هذه الرؤية التي ينطوي عليها الكتاب الاول من هذه الدراسة، ما هي الا التمهيد الهادف لإطلاق الشرارة التي تؤسس لاتجاه جديد في دراسة التراث والتاريخ الفقهي والمذهبي، وهو تراث ضخم، وما كتب فيه من آلاف المجلدات حوتها المكتبة الإسلامية، يوفر مادة خصبة لإنتاج عشرات الدراسات القيمة في الإطار المقترح.
11.ان أولى الناس ببحث التراث الإسلامي لاستكشاف مبانيه وأصوله الأصيلة هم المنتمون إليه، لا الغرباء المتبنون للفكر المناهض له، بينما العكس هو الحادث! كما ان المواجهة بين المنقبين في التراث، من اجل الكشف عن ينابيع المعرفة الأصيلة، وبين حراس الأفكار الدينية التقليدية، لابد ان تحدث لتصادم الأفكار المكتشفه مع المألوف من الأفكار الآبائية. الا ان هذا التصادم مهما يسفر عنه من خسائر وتضحيات، فإنها إذا ما قورنت بالخسائر والتضحيات، التي تتكبدها الأمة في كل ساعة تمر عليها، وهي رازحة تحت نير التسلط الداخلي، وقوى الاستعمار الخارجي، المؤسس على أساس من التخلف الفكري والسبات الديني، هذه التضحية والخسائر تهون. لاسيما وان النتائج، التي تحققها الأفكار قد تحيي الأمة، ولو بعد حين. والتضحيات في سبيل حياة أمة هي غاية ما يتمناه أولو النهى.