|
كلمة المعجم (مقدمة نقدية) تمهيد: لقد عمل القرآن منذ نزوله على تقعيد علم التأويل الذي يعد فقه اللغة الكاشف عن قواعدها وسنن عملها والآليات المجلية لأسرارها، فكانت اللغة في ظل القرآن المؤول قادرة على استحداث مفردات جديدة، وتحديث دلالات القديم منها، وتطوير قدرتها على استيعاب الجديد من أشياء وظواهر محدثة تضيفها حركة تطور الحياة. فكانت حياة اللغة وحيويتها رهينة بقاء التأويل إلى جانبها. بيد أن العهود الانقلابية جهدت للتجهيل بالتأويل والتفكيك بينه وبين الكتاب، وإحلال الرأي الاعتباطي بديلا عنه، فوقعت واقعة الحروب التي شرذمت الأمة إلى مذاهب متعادية وفرقتها إلى فرق متناحرة، أطلق عليها الرسول اسم (حروب التأويل)، فحارب تحالف الرأي في سبيل القضاء على التأويل وإقصاء مرجعية الكتاب الذي بدا تبيانا لكل شيء- يفضح الخداع ويعري المستور مما يجري في الخفاء- بينما حارب الإمام علي من اجل إرساء دعائم التأويل والمحافظة على قواعده التي أرساها الرسول، وبالتالي المحافظة على مرجعية الكتاب الشاملة في فكر الأمة والمحصنة لمسارها. إلا ان هزيمة الجبهة المدافعة عن التأويل، وانتصار معاوية زعيم جبهة الرأي المضادة، قد أدى على الصعيد اللغوي إلى التجهيل بالتأويل، وضياع اللغة، وتعطيل آلية نموها المسئولة عن حياتها وتطورها وصلاحيتها وهي تواجه الحياة. وهو ما انعكس على مجمل الفكر، اذ ما اللغة الا الوجه الاخر للحياة الفكرية للانسان.. توصيف واقع المعاجم: سلك في نهاية العهد الأموي ومطلع العهد العباسي، بعض الأفراد المنتمين لجبهة الرأي الطريق إلى بطون الصحاري في محاولة استرداد نقاء اللغة الضائع، والذي وجدوا آخر مصادر ذلك النقاء منحصرة في الممارسة اللغوية التي ضمتها مضارب القبائل المعزولة في بطون الصحراء. إلا إن تلك الحركة لم تكن لتعبر عن بدء تاريخ اللغة العلمي، كما يزعم البعض، بل عن بدء حركة التأسيس والتقعيد لضياع اللغة وانحسار التأويل فقهها، بانبثاق هذا المنحى الذي حاول ان ينتشل الواقع من أزمته من خلال حلول مأزومة تولدت عن العقلية التي نخرها الرأي، فجاءت تلك الحلول لتعبر عن تدشين واقع يجهل بفقه اللغة ومنطق الفكر. وفي فترة الضياع تلك اخذ أصحاب الرأي يعملون على مشروع تقعيد اللغة، ويضعون معاجمها، ويكتبون (علومها)، ((وان من العلم جهلا))، فكتبوا كتب النحو والبلاغة وصنفوا المعاجم. وقد وقف زعيم جبهة التأويل الإمام الصادق، آنذاك، ليُقيِّم ويحكم حكما فصلا على ما يجري في ورشة العمل اللغوية التي ترفع شعار التأصيل والتقعيد لعلوم اللغة، بالقول: ((أصحاب العربية يحرفون كلام الله، عز وجل، عن مواضعه)). جلس القادمون من بطون الصحاري، بعد جمعهم مفردات اللغة من الأعراب قاطني الصحاري، جلسوا مجلس الإلقاء والتعليم، بافتتاحهم حلقات في المساجد ليرووا ما سمعوا، وهي الرواية التي تطورت الى الالتزام بالسند لاحقا، وأطلق على أولئك المشتغلين برواية اللغة اسم اللغويين. وهذا الواقع، شجع بعض الأعراب القاطنين في البادية، بعد أن وجدوا أن ما لديهم مرغوبا، أن يشتغلوا في تعاطي الشأن اللغوي، ولم يبرؤوا حينها من افتراء الكذب والغلط والخلط فيما نقل عنهم من مفردات ومعان، وهذا ما جعل المعاجم التي صنفت بناء على ذلك لا تخلو من كل ذلك، أي الكذب والغلط والخلط والاختلاف، الذي أورده أولئك الأعراب أو اللغويين الناقلين عنهم .. لقد بدأ تدوين المعاجم في تلك الحقبة من التاريخ، فما فوق، واستندت عملية تدوين مفرداتها ومعانيها على شعر الجاهلية، ثم لاحقا الى الشعر الذي ينتمي إلى حقبة الاستشهاد، والى أحاديث السنة النبوية، والى آيات القرآن، وكان نصيب الشعر نصيب الأسد، ثم الأحاديث ثم القرآن الذي همش دوره. فنجد مصنفي المعاجم ينقلون عن القرآن شذرات ونتف مما ذكره القراء والفقهاء في الصدر الأول من وجوه مفرداته، في إطار الرواية لا الدارية، كما نجد فيما يورده ابن منظور، صاحب لسان العرب، وهو يحقق في معاني كلمة (الكفر)، فيسرد الوجوه التي تنصرف إليها. إلا إن ذلك التحري للوجوه لم يكن مطردا، فلم تذكر المعاجم ومنها (لسان العرب)، كل المفردات القرآنية وما روي فيها من وجوه، في تحقيقه للكلمات التي وردت في القرآن، وكثير ما اكتفت بتحقيق المفردات استنادا للأشعار. فلم يكن القرآن المصدر الأول فيما يروي مصنفو المعاجم، وإنما شعر الجاهلية هو المصدر الأول. وهكذا بدا المشهد اللغوي، حيث كلمات اللغة محصورة في إطار البيئة البدوية، التي شكلت مصدر الأخذ، الذي اتصف بالقحط في أشيائه ومكوناته وتميز بمحدودية أفقه الفكري، لذلك بدا على قسط كبير من تلك الكلمات والمفردات معالم الانتماء إلى السياق الصحراوي المجدب، وهو الأمر الذي جعل المعاجم تتسم بقحط المعانى، وقلة المفردات، وشحة الدلالات، والعوز في تصريف الوجوه، مع عدم امتناعها عن الاختلاف والغلط والخلط.
المرجعية الجاهلية أم القرآنية؟! ولكن لماذا كان شعر الجاهلية هو المصدر الأول، الذي استندت إليه عملية تصنيف المعاجم ولم يكن القرآن كذلك؟! ان القرآن هو مصدر الإسلام الأول الذي جعله الله تبيانا لكل شيء: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، وهو المصدر لحل النزاعات والاختلافات على شتى الأصعدة، بما فيها الصعيد اللغوي المختلف على نفسه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، فكان القرآن صالح كل الصلاحية للبت في اختلافات اللغة، وفي التعين كمصدر لتحقيقها، إلا إن ذلك كان يتوقف على العمل به بالتأويل القادر على تفصيل الكتاب لتتظاهر خاصية استيعابه وبيانه الدقيق والمفصل لكل شيء. الا ان الإعراض عن القرآن مصدرا جاء مع التحول الدامي في فكر الأمة من التأويل إلى الرأي، وهو التحول الذي يعبر عن عودة الجاهلية، وتجدد اللجوء إلى مصادرها والارتداد عن الإسلام بالإعراض عن الكتاب المصدر العلمي الأول، في هذا الإطار يروي عبدالله بن مسعود: ((أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع! قالوا: هذه المصاحف ترفع! فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: يسري عليه ليلا فيصبحون منه فقرا، وينسون لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم وذلك حين (يقع القول عليهم) ))(القرطبي، تفسير القرطبي، 10/234). ويضيف ما يكمل هذا المعنى: (( (وقع القول) يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن))(القرطبي، تفسير القرطبي، 10/234). لقد بدأت هذه النبوءة بالتحقق لما قال زعيم جبهة الرأي: ((عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟! قال: شعر الجاهلية! فان فيه تفسير كتابكم! ومعاني كلامكم!!))(القرطبي، تفسير القرطبي، 10/111، ابن سعد، الطبقات، 3/479)، وتأتي مقولته متزامنة مع دعوته إلى قراءة القرآن على وجه ظاهر، تمهيدا لربط المعاني القرآنية بمرجعية شعر الجاهلية، والتصور اللغوي الذي توحي به، المعتمد للوجه الظاهر، أي تثبيت معاني الكتاب الظاهرية بتقريرها بالمعنى التداولي الشائع شعرا، والتجهيل بالمعاني والوجوه الناتجة عن نطق القرآن بعضه ببعض، كما يقول الإمام علي (ع): ((كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض))، عند تطبيق قواعد التأويل على خطاب الكتاب. فكانت عودة الجاهلية ترفض فكرة التكافؤ بين المعاني، كما تبدو من خلال تقسيم الظاهر/الباطن المرتهن بحركية الخطاب المصادرة. وهكذا صار تصنيف المعاجم، وتقعيد النحو، وكتابة علوم البلاغة، كلها عمليات تتم بعد سيادة الجاهلية في جولتها الثانية، وبالاستناد إلى مصادرها الشعرية، وما أضيف إليها من مباحث نظرية لغوية جاءت بها كتب الترجمة، المروية عن العصر الأرسطي. وأقصي في ظل هذه العملية القرآن باعتباره المصدر الأساسي والأول في تحقيق اللغة ووضع علومها وإرساء قواعدها وتصنيف معاجم مفرداتها، أو لا اقل هُمّش دوره، ولم يستند إليه إلا لمماً، استنادا ظاهريا جاهليا بعيد عن التأويل. وهكذا صارت اللغة العربية بكل علومها ومعاجمها نتاج الجاهلية ومصادرها الثقافية المجدبة، لا نتاج الكتاب والسنة المستنيرة بالتأويل التي جاءت لتكشف عن سنن الآيات الكونية، ونواميس الموجودات الطبيعية، وقوانين الظواهر الإنسانية بما فيها الظاهرة اللغوية ..
أثر انبعاث التأويل على المعاجم (نماذج وتطبيقات) ولما كان كتّاب المعاجم ينتمون إلى جبهة الرأي ويعيشون في الفضاء الفكري الذي يتظاهر فيه تأثير تلك الجبهة، مما يعني تجرد وعي أولئك عن علم التأويل، مما ترك أثره البالغ في صياغة تلك المعاجم، باعتبار أن التأويل هو فقه اللغة، والمعيارية الحاكمة في اختلافاتها، وهو ما جعل تلك المعاجم تفقد الكثير من القيمة العلمية، حيث تفتقد الجهد العلمي الذي يحقق في روايات اللغويين، ويجعل صفتها العلمية ناقصة إن لم نقل منتقضة، وفائدتها محدودة، وعطاؤها شحيح. فكانت تلك المعاجم مكتوبة من قبل راوية لم يتسلح بالدراية بالتأويل. لذلك هو يروي ولا يمتلك القدرة على محاكمة المرويات، فماذا يعني افتقاد الوعي بعلم التأويل؟ وما الأثر الذي تركه على المعاجم ؟ لو كان لمصنف المعجم دراية بفقه التأويل، لاستطاع أن يثري معجمه بالمعاني، مع إنارة أفق القارئ بالقانون الذي يوضح لا تناهي الوجوه التي تنصرف إليها مفردات اللغة، وهو ما يمنح اللغة ويفسح لها المدى الذي فيه تنمو وتتطور وتتجدد ... ولاستطاع حل الاختلافات، وتجاوز استمرار الخطأ والغلط والتضارب في المعاني، فوجود مرجعية الكتاب الحاسمة والفاصلة في المنازعات اللغوية هو الذي يخول اللغة العربية المحافظة على عدم استحكام المعنى في الخطأ، دون قدرة على انتشالها من ذلك الخطأ. ومنح اللغة القابلية التي تمكنها من تجاوز أخطائها، وتصلح ما يطرأ من سوء فهم مستقبلا .. ولاستطاع ممارس اللغة من نحت الجديد من الكلمات وتوليد المزيد من المفردات المحدثة، بصورة سهلة وسلسة متاحة للجميع، حيث ذلك يتوقف على المعرفة بنظام وآليات الاشتقاق والسنن التي تحكم عملية نحت الكلمات، عن طريق ضبط حركة الحروف والمفردات في تزاوجها المولد للمفردات الجديدة، عبر نظام يمتلك المبررات العقلانية التي تكشف أسرار تلك العملية حتى لا تظل اللغة مرتهنة لثروة المفردات التي أنتجت في ماضيها .. ولاستطاع التعرف على النواميس والسنن التي تحكم الجسم اللغوي، التي تمنح معطياتها الانضباط في إطار قابل للنمو على مستوى المفردات والمعاني والتراكيب، وهي السنن والقوانين التي يضطلع علم التأويل ببيانها، بالاستناد إلى الكتاب الذي ينتصب حينها مرجعا للغة العربية ويحافظ على بقائها على قيد الحياة فاعلة، تمتلك قابلية التكاثر والتطور والمعاصرة والتجدد أبدا. بعد هذه النقاط يمكن تقديم عرض لكيف يؤثر انبعاث مرجعية الكتاب على إعادة الضبط لمعاجم اللغة فيما تطرحه ... 1/ ثراء المعاني: فالمعاجم التي بين أيدينا لا تتظاهر فيها النواميس والسنن التي تعمل في الجسم اللغوي، وتمنحه صفة النمو والتطور الذي يعبر عن امتلاكه صلاحية الاستمرار، فما تورده المعاجم من مفردات تعرض باعتبارها المسموع غالبا، والمعاني التي تطرح باعتبارها هي الأفق الذي يتحدد فيه فضاء المعنى، مما يعني أن ليس ثمة آلية لتوسيع الأفق المعنوي للمفردة اللغوية، مما يوحي بقصر فضاء وآفاق المعنى على السياق التداولي الذي تدل عليه الاستشهادات التي يستند إليها طرح المعجم، وتغيب إمكانية تطوير ذلك الفضاء وإثراء الآفاق من خلال سياقات أخرى تتولد مع تطور الحياة، وتصنعها الحركة المحدثة للمجتمعات في تفاعلها ونموها في حاجاتها وأشياؤها ووعيها لآفاق الحياة. ولتوضيح هذا المطلب للقارئ أكثر، نرجع إلى الخطاب القرآني فالمفردة القرآنية، رغم ما لها من معنى يفرضها نظم الخطاب، إلا إن الفكر المستنير بالتأويل عند تأويله للخطاب القرآني يحكم تفكيره مسلمة تفيد أن الخطاب يخضع لسنة من السنن التي تحكم الظاهرة اللغوية، والتي فيها الكلمة القرآنية تغدو حمالة ذات أوجه، هذه السنة لا تحكم المفردة في الخطاب القرآني لوحده، بل تعم لتحكم الخطاب اللغوي بأسره، إلا ان هذا الوعي بهذه السنة لا يطرأ على فكر قارئ المعجم، ويغيب عنه تماما. ويترتب على ذلك اقتصار معنى المفردة على ما تفيده استشهادات المعجم فحسب، بينما لو حكّمنا سنة ((تصرف المفردة على وجوه غير متناهية))، وهو القانون الذي شنت من اجله حروب التأويل، ويعد عنوانا لعلم التأويل، فان أول ما يترتب على ذلك، انعطافة ثورية في النظر الى محتويات المعاجم، تتعين في ان ما تضمه تلك المعاجم من معان وما تذكره من وجوه هي بعض المكنون المعنوي للمفردة، فالمعاجم تذكر قليل من كثير من الوجوه، فتبقى للمفردة أو الكلمة وجوهها الكثيرة التي تنتج عند تقليبها وتصريفها، ولها مخزونها الذي لا يمكن إحصاءه او عده ... فكلمة (درس) كما يعدد معانيها معجم (لسان العرب) هي: عفا، أخلق، قرأ، تعلم، تلا، روض، داس، جرب، فحسب. دون ان يوحي لك المعجم بان هذه المعاني هي المعاني التي عبأها المتكلم في قالب اللفظة بامتلاكه سلطة نظم الخطاب التي تهب المعاني، وهو ما يتناوله علم التأويل بالشرح. مما يعني ان للمفردة ما لا يحصر من المعاني والوجه التي تنصرف اليها، عن طريق توظيف سلطة الخطاب. بحيث لو رجع صاحب المعجم الى القرآن متسلحا بالتأويل لكشف الكثير من الوجوه التي لا يعرفها، مما تنصرف اليه الكلمة قيد البحث، كما يبين هذا العرض: درس: صرف: محى: اثبت: تدبر: طمس: جمع: قرأ: اتبع: بين: زكى: ...الخ صرف: قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، نظم الخطاب يعرف (درس) بوجه هو (صرف). ثم بالرجوع الى النظير: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون)127/9، يتضح ان (الدرس) هو (صرف قلوب الآيات)، أي محتواها الداخلي، المتمثل في المعاني والوجوه والدلالات، وهذا الصرف هو الذي يؤدي إلى محو وطمس وجوه وإبراز وجوه أخرى بديلة عنها … محى: ثبت: قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها)44/34، مؤول بالنظير: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)39/13، يصرف النظير وجه (درس) في وجهين مساوقين هما: (محى) (اثبت). تدبر: طمس: قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، مؤول بالنظير: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)29/38، يصرف النظير الوجه الظاهر (درس) إلى وجه باطن هو (تدبر)، ثم نرجع إلى النظير: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها)47/4، يبين النظير أن (التدبر) هو (طمس وجوه) مما يترتب عليه إبراز وجوه أخرى، يترتب على ذلك ان (درس) تؤول بـ (طمس)… جمع: قرأ: اتبع: بين: قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، مؤول بالنظير: (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه)17-19/75، يبين النظير الوجه الظاهر (درس) عندما يحكمه في وجوه هي (جمع)، (قرأ)، (اتبع)، (بين)… زكى: قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، مؤول بالنظير: (يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)129/2، يحكم النظير وجه الظاهر (درس) إلى وجه باطن هو (زكى) هي الدرس يقود إلى تزكية النفس وترويضها بكفها عن سيئات عاداتها، فعملية الدرس هي عملية محو لبعض الأخلاقيات، وتثبيت لأخلاقيات أخرى، أو عملية صرف للنفس من أخلاق الى أخلاق أخرى مغايرة.. هذه المعاني والوجوه التي ينطق بها الكتاب من خلال توظيف قواعد التأويل في خطابه، هي بعض مخزون ترسانة كلمة (درس)، وليس كل مخزونها، باعتبار الكل غير متصور بلوغه لعدم إمكانية نزح معاني الكلمة، لذلك فان المعروض من المعاني والوجوه يتبع بالاختصار (...الخ) وهو الاختصار الذي يفيد (الى اخره). هذا الوعي اللغوي غيب، وغاب عن فضاء المعاجم، وبذلك حصر أفق الكلمة المعنوي والدلالي والتصريفي في البعض القليل من ذخيرتها المعنوية والدلالية، وبعودة الكتاب والتأويل يبعث هذا الوعي من جديد .. 2/ الفصل في الخلاف، نفي الغلط: إن عودة الكتاب المؤول يخول الباحث امتلاك المعيارية الفصل، التي تمكنه من الحكم في اختلاف أقول اللغويين فيما يروون وما يجتهدون في عملية تشخيصهم لمعاني كلمات ومفردات وألفاظ اللغة، وهو ما يقود إلى تجاوز الغلط الذي نتج عن تضارب المرويات، كل ذلك بفضل تحكيم معيارية القرآن المؤول التي تتصف بالحسم والفصل .. النموذج الأول: يرى ابن منظور في (لسان العرب) وهو يروي لنا المعنى الذي تفيده كلمة (حنيف)، يرى ان (الاحنف) هو ((صاحب القدم التي يعتريها الميل أو الاعوجاج))، ويعتمد هذا كمدخل لعرضه الروائي لمعنى الكلمة: ((حنف: الحَنَفُ في القَدَمَينِ: إقْبالُ كل واحدة منهما على الأُخرى بإبْهامها، وكذلك هو في الحافر في اليد والرجل، وقيل: هو ميل كل واحدة من الإِبهامين على صاحبتها حتى يُرى شَخْصُ أَصلِها خارجاً، وقيل: هو انقلاب القدم حتى يصير بَطنُها ظهرَها، وقيل: ميل في صدْر القَدَم، وقد حَنِفَ حَنَفاً، ورجُل أَحْنَفُ وامرأَة حَنْفاء، وبه سمي الأَحْنَفُ بن قَيْس، واسمه صخر، لِحَنَفٍ كان في رجله، ورِجلٌ حَنْفاء.)). ثم يعزز ذلك بأقوال اللغويين: ((الجوهري: الأَحْنَفُ هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شِقِّها الذي يَلي خِنْصِرَها. الأَصمعي: الحَنَفُ أَن تُقْبلَ إبهامُ الرِّجْل اليمنى على أُختها من اليسرى، وأَن تقبل الأُخرى إليها إقْبالًا شديداً؛ وأَنشد ضرَبْتُ فلاناً على رِجْلِه فَحَنَّفْتُها، وقدَم حَنْفاء. والحَنَفُ: الاعْوِجاجُ في الرِّجْل، وهو أَن تُقْبِل إحْدَى إبْهامَيْ رِجْلَيْه على الأُخرى. ويقال: تَحَنَّفَ فلان إلى الشيء تَحَنُّفاً إذا مال إليه. قال أَبو منصور: معنى الحنيفية في الإِسلام المَيْلُ إليه والإِقامةُ على عَقْدِه. والحَنيف: الصحيح المَيْل إلى الإِسلام والثابتُ عليه. وقال ثعلب: الحنيفية الميلُ إلى الشيء. والحُنَفاءُ: جَمْع حَنيفٍ، وهو المائل إلى الإِسلام الثابتُ عليه.))(ابن منظور، لسان العرب: 9/ 57), فهناك تظاهرة من الأقوال تفيد ان معنى كلمة الحنف الاعوجاج والميل. الا ان القول الشاذ في ظل هذه التظاهرة التي يستعرضها لسان العرب، يأتي بقول ((ابن عرفة في قوله عز وجل: (بل ملة إبراهيم حنيفاً)، قد قيل: إن الحَنَفَ الاستقامةُ، وإنما قيل للمائل الرِّجْلِ أَحنف تفاؤلًا بالاستقامة))، فهذا (القيل) الذي يدل على التضعيف، يجعل كلمة حنيف تعني في الأصل الأمر المستقيم ثم استعملت في الرجل المائلة تفاؤلا. وبعودة مرجعية القرآن المؤول الفاصلة في الاختلاف يمكن التحقق من كل هذا الهرج بتطبيق قواعد التأويل على الخطاب. يتم ذلك بالرجوع إلى الآية القرآنية التي اشتملت على الكلمة قيد البحث: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا)161/6، ليتضح ان نظم الخطاب في هذه الآية يصف الصراط بالمستقيم والدين بالقيم بالحنيف، أي ان (الحنيف) هو الأمر القيم والمستقيم. ويمكن تعزيز ذلك برد المقطع: (وأن أقم وجهك للدين حنيفا)105/10، إلى النظير اللفظي: (صراط مستقيم دينا قيما)161/6، فينسخ النظير وجه (حنيف) بوجه مساوق هو (قيم)، فوصف الدين بالحنيف هو وصفه بالقيم. ولتحقيق كلمة (قيم) في الخطاب المتقدم نرجع إلى النظير: (ولم يجعل له عوجا قيما)1-2/18، فالقيم هو الذي لم يجعل له عوجا، مما يعني "أن الحنيف هو القيم الذي لم يجعل له عوجا". هذه هي كلمة الفصل التي تقدمها المرجعية القرآنية. التي أضاعها اللغويون. وهكذا نجد ان تحكيم مرجعية القرآن المؤول تفصل في الاختلاف عندما يتضح أن كلمة (حنيف) يتعين معناها في كلمة (قويم)، بحيث أن إطلاق الأحنف على صاحب الرجل التي فيها عوج، يأتي في إطار التفاؤل بالاستقامة، او بالأحرى المراعاة لمشاعر معوج القدم، مثل ما تراعي تعبيرات لغوية أخرى الأعمى عندما تطلق عليه لفظة (بصير)، والأعور عندما تطلق عليه عبارة (كريم العين)، في هذا السياق أطلق على المعوج القدم: (أحنف) موظفين الكلمة لتعبر عن الوجه الضد، وهو ما يجعل الكلمة تعتبر من الأضداد، هذه هي الإضاءة القيمة هي التي يقدمها القرآن ... فالحكم القرآني يصدر لصالح (قيل)ابن عرفة الذي بدا مهمشا وشاذا، عنده، ومجهولا عند جوقة اللغويين الذين كرروا سنفونية واحدة تعرّف الحنيف بالمعوج والمائل، بينما (قيل) ابن عرفة أتي في إطار الحديث المستند إلى الآية القرآنية المشار إليها، أي أن ذلك القول صدر عمن يلتزم بالعدة التي أدواتها قواعد التأويل، وهو ما لم يكن مفهوما عند اللغويين الذين ينتمون إلى مدرسة الرأي، والذي يتميزون بظاهرية تجعل علمهم يتسم بالسطحية، لتبدو المقولات الصادرة عن الراسخين علماء التأويل لديهم في حيز الاستغراب وتلاقى بالتهميش والتضعيف والإهمال غالبا... بناء على ذلك، يمكن ان نكتشف كيف يوظف القرآن المؤول في الفصل في الخلافات وتدقيق الصور الفكرية، والمبحث اللغوي، لتقويم الأخطاء، وضبط معالم الأشياء، بوضعها في الموضع الدقيق الذي يعبر عن الحق. فـ(لسان العرب) الذي تكثر فيه استعراض أقوال وآراء اللغويين المتناقضة والمتضاربة والمتصارعة، دون وجود مرجعية حاسمة في تلك الأقوال المتدافعة والمتناحرة، يعبر عن ضياع مفردات اللغة، دون القدرة على الحسم. وهو انعكاس لواقع المذاهب والفرق التي تتوزع الأمة وتشرذمها دون وجود إمكانية لحسم تلك الآراء المذهبية المتعاندة والمتصارعة. إن الواقع المتشرذم والمتفرق والمتناحر يتظاهر في كل ميادين الحياة: اللغوية، والفكرية، والعقيدية، والاجتماعية، وكله يعبر عن مأزم الأمة التي تستند إلى غياب المرجعية القرآنية، الذي نزل لكي يحسم بين أناس هذه الأمة العذبة فيما اختلفوا فيه: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2. بهذا ندرك كيف خسرت الأمة ولغتها عظيما عندما فقدت مرجعية الكتاب المتسلح بعدة علم التأويل. 3/ نحت الكلمات وتوليد المفردات: ان تحكيم معيارية الكتاب المؤول يبعث في اللغة القدرة على تحديث المعاني القديمة وبعثها من خلال معان أخرى جديدة، كما لاحظنا فيما تقدم تحت عنوان ثراء المعاني، كما له القدرة على نحت مفردات جديدة وذلك بتحريك اللغة على مستوى الآيات التي تمثلها حروف الهجاء تارة أو الآيات التي تمثلها الكلمات تارة أخرى، أو الآيات التي تمثلها علامات الشكل والإعجام تارة ثالثة، لتتزاوج تلك الآيات مع بعضها فيتولد عن ذلك التزاوج كلمات جديدة وقوالب محدثة تكشف آليات ابتداع الكلمات المستحدثة وتخليق المفردات والعبارات الجديدة التي لها أصولها التي تقوم عليها ومعانيها التي تشتق منها وتصدر عنها وتؤول إليها. لقد كان هذا الجانب مغيبا في المعاجم، فلم يكن أصحابها لديهم تصور لغوي واضح المعالم، يستندون إليه. لذلك جاءت تلك المباحث التطبيقية في المعاجم عند تحقيقها لمعاني مفردات اللغة، جاءت وقد اكتنفها الغموض ووارتها الضبابية .. فإذا ما رجعنا إلى بيان القرآن بالمقارنة ببيان المعاجم، نجد أن القرآن المؤول يكشف أسرار نحت الكلمات وتوليد المفردات المستحدثة، مثل : الوضوء، التيمم، كربلاء .. الأول: كلمة الوضوء: يقول فيها ابن منظور في (لسان العرب): ((وضأ: الوضوء، بالفتح: الماء الذي يُتَوَضَّأُ به، كالفَطُور والسَّحُور لما يُفْطَرُ عليه ويُتَسَحَّرُ به. والوضوء أَيضاً: المصدر من تَوَضَّأْتُ للصلاةِ، مثل الوَلُوعِ والقَبُولِ. وقيل: الوضوء، بالضم، المصدر. وحُكيَ عن أَبي عمرو بن العَلاء: القَبُولُ، بالفتح، مصدر لم أَسْمَعْ غيره. وذكر الأَخفش في قوله تعالى: (وَقُودُها النَّاسُ والحِجارةُ)، فقال: الوَقُودُ، بالفتح: الحَطَبُ، والوُقُود، بالضم: الاتّقادُ، وهو الفعلُ. قال: ومثل ذلك الوضوء، وهو الماء، والوضوء، وهو الفعلُ ...))(لسان العرب : 1/ 194). وينقل لنا ابن منظور الاختلاف في الكلمة: ((التهذيب: الوضوء: الماء، والطَّهُور مثله. قال: ولا يقال فيهما بضم الواو والطاء، لا يقال الوضوء ولا الطُّهُور. قال الأَصمعي، قلت لأَبي عمرو: ما الوضوء؟ فقال: الماءُ الذي يُتَوَضَأُ به. قلت: فما الوضوء، بالضم؟ قال: لا أَعرفه. وقال ابن جبلة: سمعت أَبا عبيد يقول: لا يجوز الوضوء إنما هو الوضوء. وقال ثعلب: الوضوء: مصدر، والوضوء: ما يُتَوَضَأُ به، والسُّحُورُ: مصدر، والسَّحُورُ: ما يُتَسَحَّر به. وتَوَضَّأْتُ وضوءاً حَسَناً. وقد تَوَضَّأَتُ بالماءِ، وَوَضَّأَ غَيْره. تقول: تَوَضَّأْتُ للصلاة، ولا تقل تَوَضَّيْتُ، وبعضهم يقوله))(لسان العرب : 1/ 194). هذه الرواية التي يقدمها ابن منظور، لا تظهر لنا: هل كانت كلمة (وضوء) منحوته، فالكلمة لم ترد في ظاهر خطاب القرآن، ومعناها ورد في اصطلحات الصلاة، كما يفيد العرض، مما يدل على إنها مستحدثة لم تعرف قبل الإسلام. يضاف الى ذلك، انها كلمة لم ترد في القرآن، إذ عندما تحدث القرآن عن الفعل التطهري قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ... ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)6/5، هذا الفعل الذي يغسل ويمسح فيه الوجه والأطراف تسميه خاتمة الآية بالطهارة، وهو الذي أطلقت عليه الأحاديث مصطلح (الوضوء). فمن أين اشتقت؟ ومن أين أخذت؟ وكيف تم نحت هذه الكلمة، كلمة (الوضوء) هذه؟! إذا وظفنا العدة التأويلية في فهم خطاب الكتاب في هذا الصدد نكتشف النظير: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)11/8، فهذا الخطاب يبرز غايات غسل الأطراف بالماء، هي: الطهارة، إذهاب رجس الشيطان، الربط على القلوب، تثبيت الأقدام. وهذا شرحه لا يتناسب مع موضوع البحث، وله موضوعه في باب (فقه الطهارة المؤول). بينما الذي يتعلق بالموضوع ان الماء هو مادة الطهور، ثم يقول الله في نظير آخر معرفا الماء: (وجعلنا من الماء كل شيء حي)30/21، فعرف الماء بأنه (الحياة)، ثم عرف الحياة في موضع آخر بـ (النور) بالقول: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)122/6، وهكذا يتكشف معنا ان الماء يعرف تارة بالنور، وتارة أخرى: بالحياة. ليكون مجموع الوجهين، إن الماء: نور الحياة أو طاقة الحياة . لينتج لنا في المحصلة، ان الإنسان قبل التطهر بالماء هو في عداد الموتى، مشحون بطاقة ظلمانية، فيأتي الاغتسال بالماء تطهرا ليمنحه نور أو طاقة الحياة، وهذه التعبيرات علمية يمكن البرهنة عليها بالعدة المخبرية، وليست هي تعبيرات ومحسنات بلاغية. ان الماء يختزن نور الحياة، ولما كان (النور) هو (الضوء)، فان هذه الكلمة انتخبت مع بعض التعديل، بإضافة حرف الواو (وضوء) تمييزا، لينحت من ذلك مصطلح (وضوء) الذي يعبر عن غسل الأطراف تطهرا للصلاة، بحيث إذا اعتبرنا حرف الواو في الكلمة (وضوء) حرف عطف، يتكشف (الضوء) اي النور الذي أخذت واشتقت منه كلمة الوضوء. ليعبر هذا المصطلح عن النور او الضوء الذي يعلل فعل التطهر بالماء بأنه عملية تزود بضوء الحياة، بنور الحياة، بطاقة الحياة. وهذا ما يمكن تعزيزه بقول الرسول (ص): (الوضوء على الوضوء نور على نور)(الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1/337)، فعرّف الوضوء بالنور، مشيرا بذلك إلى الأصل القرآني الذي استند إليه في نحت هذه الكلمة، وفي اشتقاقها، وفي إيجادها لتثري اللغة بما تمثله من إضافة. فكان الوضوء يعرف الماء بـ (الضوء)، لتكون عملية الاغتسال بالماء هي عملية استضاءة واستنارة، وهذا ما يلقي الضوء على أبعاد هذا الفعل، ويفتح الباب عريضا لإدراك الأسرار الغائرة للحكمة الكامنة وراء فعل التطهر في التصور الإسلامي.
الثاني: كلمة التيمم :
عندما نراجع (كتاب العين) للخليل بن احمد الفراهيدي ليفيدنا ببيانه حول
كلمة (التيمم)،
يطالعنا
بالبيان التالي: ((التيمم: يجري مجرى التوخي، يقال: تيمم أمرا حسنا،
وتيمم أطيب ما عندك فأطعمناه، وقال تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه)،
أي: لا تتوخوا أردأ ما عندكم فتتصدقوا به. والتيمم بالصعيد من ذلك.
والمعنى: أن تتوخوا أطيب الصعيد، فصار التيمم في أفواه العامة فعلا
للمسح بالصعيد، حتى إنهم يقولون: تيمم بالتراب، وتيمم بالثوب، أي:
بغبار الثوب، وقول الله عز وجل: (فتيمموا صعيدا طيبا)، أي:
توخوا))(الخليل بن احمد، كتاب
العين :
8/ 426). يقول ابن منظور في لسانه بالقـول: فالمصنفان يدعيان ان تحول كلمة (التيمم) الى مفردة جديدة لها معناها، إنما هو نتاج عوام الناس، أي انها نتاج جهل الناس، دون أن يفطنوا أن سلطة اللغة مسندة بمرجعية الكتاب هو الذي نحت هذا المصطلح، ففعل مسح التراب فعل محدث فرضه الكتاب، لم يصرح ظاهر الخطاب بالكلمة الدالة عنه، فكان ذلك يتطلب كلمة تعبر عن ذلك الفعل المحدث فصار الأمر عند فقد الماء: (تيمموا) فاشتقت منه كلمة (التيمم) لتعبر عن هذا الفعل المحدث وتميزه عما سواه. ليكون هناك وجه فيه التيمم يرد بمعنى القصد، وفي وجه ثان يرد بمعنى الطهارة الترابية، فيكون الكتاب القرآني بهذا التوجيه التأويلي هو المؤسس او الناحت لهذه الكلمة وليس جهل الناس .. الثالث: كلمة كربلاء يقول فيها (لسان العرب) سطرين لا ثالث لهما: ((وكَرْبَلاء: اسم موضع وبها قبر الحسين بن علي، عليهما السلام؛ قال كثيِّر: فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمان وبِرٍّ، وسِبْطٌ غَيَّبَته كَرْبَلاء))(لسان العرب، 11/568)، بينما إذا اعتمدنا مرجعية القرآن المؤول نكتشف ان الكلمة مركبة من كلمتين، أدمجتا فعدتا كلمة واحدة، فعندما نبحث في كلمة كرب، بتدوير الدائرة التأويلية الناسخة، نستنطق بها القرآن، نجد ان قوله تعالى: (الكرب العظيم)76/21، يؤول إلى النظير: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)49/2، فيحكم النظير وجه (الكرب) في وجه مساوق هو (البلاء). إلا إننا استنادا لقاعدة التكامل بين الوجهين المتردافين، يمكن توليد وجه آخر نجد فيه كلمة (كرب) تتكامل مع كلمة (بلاء) لينتج عن ذلك (كربلاء)، لتكون الكلمة مثل (مَعْدِيَكرِبَ) و(بعلبك)، حيث كلاهما اسمان جعلا اسما واحدا. يعزز ذلك، السرد التاريخي الذي يمثله الخبر ان إمام التأويل الحسين عندما سأل عن اسم الأرض التي أجبر عليه حط الرحال بها، قيل له اسمها (كربلاء)، فرد (ع) قائلا: ((كرب وبلاء)) . ويمكن أن يفصل الكتاب المؤول فيما جرى في كربلاء التي ارتبطت بالواقعة التي راح ضحيتها ثلة من أهل بيت الرسول، على رأسهم الإمام الحسين ريحانة رسول الله، وابن بنته فاطمة. يبدأ التفصيل عندما نجد في امتداد النظير الآنف قوله: (آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)49/2، فالرجوع الى النظير : (الكرب العظيم)76/21، والقراءة بالإكمال يترتب عليها: "آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم [كربلاء] بلاء من ربكم عظيم"، حيث نؤول (آل فرعون) بدلالة كربلاء بـ (آل أمية)، ونفسر (بني إسرائيل) بأنهم بنو محمد وآله، لا سيما وقد ورد في الحديث أن الرسول قال: ((أنا إسرائيل))، فذبح آل أمية أبناء الرسول في كربلاء واستحيوا النساء. يترتب على ذلك، أن الخطاب القرآني هاهنا يوصم الحكم الأموي بالحكم الفرعوني: (وما يزيدهم الا طغيانا)، ففي وجه من الوجوه تذكر وتصرح هذه الاية باسم (يزيد) اي يزيد بن معاوية، وتصفه بالطاغية، ويصف القرآن في مواضع أخرى من الخطاب فرعون بالطاغية: (اذهب الى فرعون انه طغى)، فتكون كلمة (فرعون) في وجه من وجوهها تفيد يزيد بن معاوية، فالمضي في هذا الاتجاه من التصريف يمكن ان يكشف القرآن الكثير من تفاصيل التاريخ الملتبس للإسلام. وهذا العطاء المفصل للكتاب هو ما خشاه الحكام الانقلابيون، ومنهم الأمويون، لذلك عملوا على القضاء على علم التأويل الذي يفصل الكتاب وينطقه بكثير من الأسرار الكاشفة عن المستور. وهذا ما يجعل علم التأويل مستهدفا من قبل المتضررين على امتداد العصور. والخلاصة، إن عودة اللغة إلى الكتاب المؤول مصدرا. يترتب على ذلك إعادة كتابة المعاجم، حيث ينتفى الشك ويحسم الاختلاف، ويشخص الغلط، وتثرى المعاني، وتكتشف سنن الاشتقاق، وتضاء آلية توليد المعاني ونحت الكلمات. وفي هذا السياق، يمكن إعادة كتابة معاجم اللغة العربية بالاستناد إلى مرجعية القرآن المؤول، وهذا مطلب مشروع، تفضي إليه المقدمات الآنفة، ويمكن إضاءة معالم المعجم المثالي المستند إلى مرجعية الكتاب والسنة فيما تقدم من تصور ...
بعد الذي تقدم نعود الى مشروع ((معجم الوجوه والنظائر))، الذي يستهدف جمع كافة الكلمات القرآنية التي تشغل الوجه الظاهر من خطاب الكتاب، وتصريفها من اجل إبراز وجوهها ومعانيها الظاهرية، وبعض وجوهها ومعانيها الباطنة. وهذا التصريف يستند إلى مبدأ لا نفادية وجوه المفردة القرآنية، وهو المبدأ الذي يطرد ليشمل كافة مفردات اللغة باعتبار ما الخطاب القرآني إلا خطابا لغويا. وهكذا يهدف مشروع التصريف عرض بعض وجوه المفردة القرآنية على سبيل المثال لا الحصر لتعذره. وفي الضمن يتوخى تحقيق عدة أهداف أبرزها: إثبات أن علم التأويل بقواعده الموظفة في فهم الخطاب القرآني، هو المنهج العلمي القابل للاطراد، وهذا ما يجعله فوق كل الشبهات والشكوك التي يمكن أن تثار حول مدى علميته أو صدقيته أو قدرته ... إثبات أن القرآن له قابليته على النطق، وقدرته على الاستقلال بنفسه في تفسير كلماته لقارئه وإطلاعه على مقاصد الله من آياته. وبذلك يثبت عدم افتقاره، وبالتالي استغنائه عن المرجعيات المفسرة الواقعة خارجه، ومن جملتها المعاجم .. إثبات أن الكتاب له القدرة على استيعاب كل شيء، كما قال الإمام جعفر الصادق : (كتاب الله يحتمل كل شيء)(تفسير العياشي،1/16)، والتفصيل في كل شيء: (وتفصيلا لكل شيء)154/6، وان بيانه كما قال تعالى: (تبيانا لكل شيء)89/16، وهو ما من شأنه أن يجعل القرآن هو المرجعية والمعيارية الشاملة القادرة على الحكم الفصل في كل شيء، لذلك جاء في التراث: ((من ابتغى الهدى في غيره ضل))، كما يقول الرسول(ص) . تأسيس الواقع الفقهي الذي وصفه الرسول(ص)، بالقول: ((لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة))، فيثبت هذا المعجم بصورة تطبيقية، أن كل مفردة من مفردات الكتاب لها الكثير من الوجوه، هذه الظاهرة هي الشرط الذي عليه المعول في إثبات أو نفي فقه الفقيه، فحديث الرسول هو تعريف للفقيه، يثبت الفقه لمن انطبق عليه، وينفيه عمن تجرد منه، وتعريف الرسول لم يكن فاعلا إلا بجعل إمكانية تصريف الكتاب على وجوه كثيرة متاحا، وقابلا للتصور على المستوى النظري والتطبيقي، وهو ما يتكفل به هذا المعجم ... استعادة الواقع التاريخي للقرآن، الذي كان فيه يفسر بعضه بعضا، وكانت فيه المرجعية للكتاب فيما ينطق به الفقهاء والمفكرون المؤمنون، بحيث عندما كان أحدهم يسمع بحكم لم يعرفه كان يقال: ((لم ينطق بهذا الكتاب)). التمهيد للكتابات المستندة إلى تأويل الكتاب، وذلك من خلال تناول الوحدات الأولية، اي الكلمات، من الخطاب القرآني بالتفسير والتفصيل لتكون عونا للباحث في القرآن. وتمهيدا ييسر له المقدمات الضرورية لفهم أعمق للكتاب.
|