بسم الله الرحمن الرحيم

العقل العملي في فكر ابن خلدون

د/ عبد القادر فيدوح-الجزائر

جامعة البحرين / كلية الآداب

 

العقل الاعتباري :

يعتبر ابن خلدون [ 732هـ/ 1332م  ـ 808 هـ /1406م]  واحدا من ألمع مفكري هذه الحقبة ؛ إذ بلغت نظريته الاجتماعية مبلغا لم يسبق لها مثيل في موروثنا المعرفي ، فعُدَّت بذلك ، هذه النظرية ، مشربا وينبوعا من " القَرَاح المعرفي " في الفكر التاريخي الاجتماعي الذي لم يسبق إليها أحد غيره بحسب قوله : " واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة ، غريب النزعة ، غزير الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص " . 

ولم يعد من الضروري أن نناقش ما توصل إليه العلماء والباحثون من أسباب أدت إلى نجاح ابن خلدون في اكتشافاته العلمية / الاجتماعية ، بوصفها إضافات أساسية في الدراسات المعاصرة ؛ لأن ذلك من الحيرة ما يدعو الباحث ـ مثلي ـ أيهما يختار فيما يأخذ منها ، وما يترك ، نظرا لسعتها ، وما تناولته في حق تألق هذا العلامة الأروع ، وكأنه يعاصرنا بنظراته الزّكِنة في فراستها وحدسها ، وعندما يحاول المرء أن يتناول مثل هذه الشخصية الفذة عليه أن يكون له نَفَس "الغواص على اللآلئ في قعر اليم ، كلما وقع على لؤلؤة ترى له بجانيها ما هو أسنى منها ، وأبعث على الإعجاب " . وكذا شأن كل من يحاول الإبحار في " كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. "

      لقد كتب الكثير عن ابن خلدون في مجالات شتى ، وتعددت الرؤى وتنوعت بشأن نظرته الثاقبة في المجتمع البشري بالطريقة الواقعية . والبحث في هذه النظرية بغرض الوصول إلى ما هو جديد ، طريقه صعب مستصعب ، يحتاج فيه الباحث إلى صقل أفكاره أيما صقل ، ليقنع العقول لمعاني هذا الجديد .

      وكل ما في وسعنا في هذا البحث هو أن نرفع الحجاب عن بعض المفاهيم التي وردت ، مما تيسر لنا من دراسات الباحثين ، بشأن المنهج الفكري عند ابن خلدون في منظوره العقلي ، كي نسهم ، قدر الوسع ، مع كثير من دراسات هؤلاء الباحثين الذين نذروا جهودهم وطاقاتهم المعرفية لاستكشاف كنوز تراثنا المجيد .

      وأمام هذا التصور ، كيف نستطيع الظفر ببحث ـ ضمن هذا السياق ـ نسير به إلى الأمام ، من منظور أن قوانين الطبيعة المعرفية تقتضي منا أن نخطو فيما يدعو إليه النضج العقلي . أضف إلى ذلك أن سبل المعرفة اليوم في تنامٍ متزايد بفضل التطور المتسارع ، مما يجعل آفاق معرفتنا تتنافس على كسب رهان " كيفية التلقي " التي تحتاج إلى كثير من التهذيب لمسايرة العصر الذي نعيش فيه .

      وفي ظل هذه الحقائق وجدت نفسي أمام دراسات ـ عن ابن خلدون ـ مترابطة ومتماسكة ، فما كان مني إلا أن لملمت شتات أفكاري مما جادت به بعض الدراسات في ميدان الحقل المعرفي ، في فكر ابن خلدون ، بخاصة تلك الدراسات تناولت العقل في منظور هذا العلامة ، بالقدر الذي أفاد من الفلسفة في عصره ؛ لبلورة "نظريته " الاجتماعية التي كانت أقرب إلى منطق الحياة من منطق الفلاسفة .

       تتفق جل الدراسات على أن ابن خلدون بَرِمَ بطرائق اكتساب المعرفة المألوفة في جاهزية الحكم المؤدي إلى التصديق بالأثر ، على عكس ما يقتضيه التصور في المنظور بوصفه واقعا ملموسا ، وخاليا من أي حكم مسبق ، ظنا منه أن حصول المعرفة كان وما يزال يخضع للنمطية الموجهة ، يسكن إليها الناس بالمصداق ، عبر المتواترات والمتواليات التي يحصل معها الجزم في الحكم ، وينعدم فيها النظر في الشك الداعي إلى الكشف ؛ الأمر الذي أذعن إليه كثير من الدارسين في عصره  بمضمون ما وصل إليهم وانقادوا له ، ولعل في ذلك ما يبرر ممارستهم للمعرفة الحقيقية في مقابل المعرفة الاعتبارية ، التي حاول أن يرسي معالمها ابن خلدون بفعل تجنبه الوعي التكراري . وبذلك ، أصبح له من البداهة ـ المستمدة من استثمار عنصر المفاجأة ـ ما جعله متميزا من سابقيه بالإضافة إلى حدسه الحصيف ، وبصيرته الفطنة المدركة ، التي تمتاز في حصولها بالفطنة ، وتحتاج إلى نظر وتأمل، ولعل في ذلك أيضا ما يتفرد به من حيث قوة إدراكه بالوجدان في تعامله مع الشيء ، ومحاولته البرهنة عليه ، مما أدى به إلى الإحاطة بجميع المعلومات على التفصيل ، واجتمعت بذلك عنده الفطنة وجودة الرأي ، الثبات والأصالة ، فاكتملت فيه صفات الجهابذة .

      يتعامل ابن خلدون مع الواقع بما ليس في الذاكرة إلى ما هو متغير بحسب سنن الطبيعة وفرضيات المكونات الحضارية ، ونسبية الحقائق ؛ أي من الذاكرة إلى الكشف ، ولن يكون هذا في منظوره إلا بتغير في أحوال الأجيال وانقطاعها عن ماضيها البعيد ، وفي التحولات الكبرى التي تلحق مؤسسات العمران ، وسواء في النوع الأول من التغير الذي يحدث باندماج الأجيال في الزمان ، أو في النوع الثاني حيث يكون التغير سريعا وعنيفا ، فإن كليهما ينتهيان إلى قطيعة في تاريخ العمران[1]، من منظور أن حيثيات الواقع مرهونة بما يتصف به الإمكان ، وليس بما يرتسم في النسق المغلق الذي أملته الثقافة النمطية في جاهزية الاحتكام إلى ما هو مبجَّل ، في حين تكون حيثية مصداق الواقع في نظر ابن خلدون على الدوام متبلورة مع التجلي والانكشاف ، مستسلمة لمسلمات طبيعة الحياة المتجددة ، والتي من شأنها أن تدفع بالواقع إلى حيثيات اعتبارية مستمدة من حيثيات توافق الاستدلال المعياري مع الإمكان المقرون بمعايشة الواقع ، وهي قاعدة إجرائية تمكن الوعي الإنساني من التفاعل مع راهنه الذي من شأنه أن يعترف بنسبية الاحتمالات والنتائج ؛ إذ تبدو سمة الاعتبار في معيارية العقل العملي للواقع في أجلى بيان التغير والتبدل على نحو ما ذكره ابن خلدون في قوله : " إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة ، وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول " .

      إن العقل العملي الذي نلحظه في استنتاجات ابن خلدون يكمن في انعكاس الخارج في الذهن مما يشكل تصورا اعتباريا من حيث كونه لا يتحقق بحصول النظر البدهي ، وإنما من خلال اتحاد الصورة الحاصلة في النظر بين المدرِك [ بالكسر ] والمدرَك[ بالفتح ] ، ومن هنا تتحقق معالم الصورة الاعتبارية بفعل اتحاد الصورتين معا ، عن طريق التأمل، وهو ما أطلق عليه الفلاسفة بـ " اتحاد المعقول بالذات مع المعقول بالعرض " مما يدفع بحضور صورة الشيء لدى العقل إلى التفرد في المنظور، ومآل " الاعتبار" بهذا المعنى أن حدود الاستنتاجات مستعارة من الحقائق المصداقية التي تتطابق مع الواقع ، ومن ثمَّ يأتي الواقع في صورة ما ينبغي ، على خلاف القدامى الذين حاولوا أن يتعاملوا مع صورة الواقع بتداعي ما كان عليه السلف ؛ أي إنهم وظفوا العقل لرسم الواقع الذي يبدو فيه كل شيء على نحو ما كان عليه في السابق ، وفي هذا تَوحدٌ لقيمة الزمن في تطابق  الحاضر بالماضي ، وهو مشهد مازالت تعيشه بعض الشرائح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية .   

      لقد كان ابن خلدون يتمثل المنظور المحاكي للخارج ، ويتعمق في نظره نظرا دقيقا ، ثم يربطه بمدلوله قياسا على مصداقه الخارجي ، فيتشكل وجود الشيء الملازم لصفاته الخاصة التي رسمها له في اعتباراته ؛ لأن مفاهيمه الاعتبارية ـ في منظورنا ـ مستمدة من حيثية مصداقها في الذهن المقرون بالواقع المتبلور الذي تحكمه صفتان : المبدأ الإيماني ، والتأمل العقلي في سيرورة هذا الواقع. وهذا ما استبعده ابن خلدون ، وعده غير سائغ ، من دارسينا القدامى الذين كانوا يتعاملون مع المعلومة بوصفها حقيقة مسلمة ، وموجهة توجيها نمطيا ، يتلقونها خلفا عن سلف لتبجيل الموروث الجمعى الأسمى ، وما ترسب في أعماق الماضي وإحيائه عبر تسلسل الذهنية المتواترة في حقيقة المنجَز الأسمى ، وكأن لا دور للعقل في المساهمة بشأن مبررات مستجدات الحياة ؛ أو بشأن تبلور المعلومة ، مما خلق شكلا من التفاعل مع المعلومة بنوع من الارتباط المبجّل ؛ أي ارتباط الخلف بالسلف ، كل بقدر استعداده من استعمال العقل المطلق الذي كرسته بعض الثقافات المذهبية ، وعلى رأسها ثقافة المعتزلة ، التي بنت مقولاتها على أن العقل مصدر اليقين ، وإبراز منزلته في استنتاج الأحكام ، وهو ما اعترض عليه ابن خلدون ، ضمنا ، فيما بعد من حيث إن الإمكان العقلي المطلق في نظره يختلف في أساسه عن الإمكان الاجتماعي الواقعي.[2]  

ولعل التفاعل مع الواقع بهذا المعنى يقلل من قيمة مستجدات العصر ، فيعود المرء في مثل هذه الحال جاهلا بالواقع بقدر مطابقة ما لديه بماضيه المثال ، وهذا ما يتنافى مع استنتاجات المدركات الاعتبارية غير القابلة للمسلمات الارتباطية ، والتي من شأنها أن تكون خاضعة لمعيار الفعل الابتكاري ؛ أي أن يكون المتلقي كاشفا لما يتلقاه ، مطورا ما استوعبه ، وهو ما يعزز نسبية معيار التصور الرامي إلى القضاء على توجه الشيء وقبوله على الحالة الحقيقية بوصفها تتنافى مع استنتاجات العقل الاعتباري المنشئ ، والداعي إلى نسبية التصور في مفاهيمه المتوافقة مع مقدار الابتكار الذي يجري وفق معايير ذهنية دقيقة ؛ وهذا ما لا يصدق على المفتون بأمجاد الماضي ، فقط ، لكونه يتخيل دائما أنه على حق ؛ لأن الوقائع والأحداث المرسومة ، سلفا ، تؤيد منظوره .

      إن العقل الاعتباري الذي نقترحه في هذا البحث قائم على المنظور الإمكاني المتصور من الذهن افتراضا ، على أن يكون هذا التصور ملحقا به قرينة ، مآلها المعنى المستعار لا الحقيقي للحصول على غايات اعتبارية ؛ إذ إن المفاهيم الاعتبارية يمكن الحصول عليها من التحليل الذهني ، وبالمقابل يتحقق الواقع في ظرف الصورة الذهنية بواسطة الصورة الخارجية ، " ومن يقودنا في دروب هذه المسألة الشائكة سوى ابن خلدون الذي حاول جاهدا أن يكشف قواعد ذلك العقل العملي الجماعي ؟ ولئن واجه صعوبات جمّة جعلته يتعثر في إنجاز مشروعه "[3] بالصورة الطموحة . 

الثابت المثالي والمتغير الاعتباري :

      إن للعقل الاعتباري أهم خاصية هي تفاعلها مع الواقع في نظر ابن خلدون ، بخلاف الذين تعاملوا مع العقل النظري في تداعي الماضي بالاعتماد على الأدلة النقلية ، وقد سمى ابن خلدون العقل الاعتباري بعقل " الإمكان بحسب المادة التي للشيء " في حين سمى العقل النظري بـ " الإمكان العقلي المطلق " [4] والفرق بين الموقفين هو أن العقل الاعتباري [ العملي ] " يقرر أو يكشف عما ينبغي أن يفعل وعما لا ينبغي ، فهو يرتبط بالسلوك ، بينما يتناول مدركات العقل النظري ما هو كائن وواقع "[5]. أضف إلى ذلك أن أصحاب العقل المطلق يرتبطون بالماضي بوصف ما فيه من ظواهر تكوينية ، ضمن سياق النموذج المثال ، ولما فيه من كمال ، بينما يرى ابن خلدون أن العقل الاعتباري العملي ، الذي دعا إليه مفكرنا، متغير بحسب الظروف الطبيعية والاجتماعية ، وهذا ما صرح به في قوله : " ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات ، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الأمم السالفة بادر بالإنكار ، وليس ذلك من الصواب ، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة ، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها "[6]؛ إذ تجسيد الكمال يكمن في واقع المجتمع من الأمور الضرورية ، بحكم تفاعل الغايات والمقاصد لهذا المجتمع ، وبمقتضى المتغيرات الاعتبارية التي تتماشى مع مستجدات الواقع ، على خلاف الثوابت التكوينية التي غالبا ما تحمل صفة القداسة .

      إن ما نستخلصه من فكر ابن خلدون هو أنه بين الإيمان العقلي والنقل العقلي لا بد من وجود اعتبار عقلي عملي ؛ " لأن أحكام العقل العملي هي أحكام تدبيرية يكتشف بنو الإنسان ما يترتب عليها من مصالح فيقرونها حفظا لمدنيتهم وتسييرا لنظامهم ، فيقررونها ويجعلونها شريعة حياتهم ، فهم يقررون أنها أحكام جعلية يحصل بها التصديق الجازم "[7]، وأن ما يحرك الإنسان ، في نظره ، ثلاث دعائم ، دعامة مجهزة بالفطرة الروحية في تطابقها للحقيقة الدينية ، ودعامة داعية إلى الاستبصار بنور ما أنجزه السلف ، وطلب الحقيقة بالأدلة النقلية من وجهة نظر لسان الظواهر السابقة ، لما تعززه قابلية الفهم ، والتحصيل المستند إلى الذاكرة الجمعية . والدعامة الثالثة هي قوة العقل الاعتباري العملي ، وتتكون من فرضيات الواقع النابعة من إدراكات العقل بما له من تأثير في كيفية التحليل والاستدلال والاستنتاج ، وهذا ما أكسب ابن خلدون حدسا معرفيا تجاوز به حدود العقل النظري والرؤية المثالية ، وهو بهذا التصور يتعامل مع التماثل الدلالي للأشياء والأحداث الحاضرة بما ينبغي أن تكون عليه ، من خلال التصور الخارجي للأحداث والوقائع عن طريق توظيف هذه الدلالات .

 وبذلك ، يكون التسليم ـ في نظر ابن خلدون ـ بما ورد في وقائع التاريخ هو بمثابة تسليم المكلف بتقديس التراث ، وليس معنى ذلك أنه يتعامل مع العقل الاعتباري على أساس أنه مضاد للإيمان العقلي ؛ أو للحقيقة الشرعية ، أبداً ؛ وإنما كان تصوره ينطلق من حيث التشبّع بالروح الإيمانية ، مستندا في ذلك إلى ما دعا إليه الإسلام من تفعيل طاقات العقل ، والإعلاء من شأنه ، لمعرفة ماذا يمكن أن ينجزه في هذه الحياة، وما الذي ينبغي أن يكتشفه من ظواهر هذا الواقع وقوانينه الكونية ، على عكس ما فعله كثير من العلماء والفلاسفة في الامتثال إلى تفسير الواقع من خلف ظواهر الوجود .

لقد استوعب ابن خلدون تاريخ الحضارات استيعابا منهجيا ، قل نظير هذا الاستيعاب ـ في المنظور الحدسي ـ من نظرائه ، كونه مؤرخا ومفكرا ، تتجلى فيه سعة الاطلاع ، وغزارة العلم ، وعمق الاستقراء والاستنتاج ، كما كان قوي الحدس في التحليل والمقارنة ، موفقا في ضبط العلل والعوامل [8] ، فابتغى بذلك تجاوز ما درج عليه الناس  وائتلف في  نهج الدارسين ، مستبدلا رؤية الاستقراء والاستنتاج برؤية الوصف التي غالبا ما كانت تعتمد على بيان ما كانت عليه الوقائع والأحداث على اعتبار أن " التاريخ الأول الناشئ عن هذه الأصول اتخذ شكلا محددا في السرد : " الخبر " ، وهو الشكل الأصلي للتاريخ العربي ، وهو رواية لحدث مفرد عبر سلسلة رواة تناقلوا الخبر ابتداء ممن شهده أو زعم ذلك ، وذلك طبقا لمنهج اختصت به العلوم الدينية وهو منهج الإسناد ؛ أي تصحيح الخبر بناء على مدى الثقة بناقله "[9]؛ بمعنى أن النظر إلى الإسناد بمفهومه الواسع للواقع السابق في موروثه الجمعي ارتبط في ذهن مَنْ أقره من الرواة بالملازمة العقلية ؛ أي المدركة بالعقل النظري ، وكأن لا وجود لهذه الملازمة بافتراضية الواقع العقلاني إلا بما يقتضيه استدعاء الواقع المثال الذي رسمه معظم العلماء والفقهاء والمؤرخين " وسنرى كيف أن هؤلاء ، بدلا من أن يعيدوا النظر في منهج أصلي وأن يفحصوا ما أنبنى عليه من أخبار نقلوها ودعموها بإمامتهم ،  فأصبحت " حقائق تاريخية " بالإضافة إلى أن وقوع الكتابة التاريخية في التقليد لم يؤد إلا إلى إعادة لا تنتهي لإنتاج أخطاء منهجية وإقامة تاريخ يعتمد الثقة بالأشخاص الرواة مقياسا وحيدا لصحة التاريخ " [10] ؛ الأمر الذي اعترض عليه ابن خلدون واستنكره بطريقته العلمية حين اعتمد في تحليله ، لسرد الوقائع والأحداث التاريخية ، على الملازمة العملية التطورية التي نعني بها كون الاعتباري يخالف الواقعي ، من منظور أن الواقع الاعتباري يتغير بقابلية الذهن المتفتح ، ويتأرجح في ذلك بين فاعلية : " التطور والتطوير " لهذا الواقع،  وكثرة الاستعمالات المرجحة للتبدل بفعل التأثر من سنن تغير الطبيعة والحياة الاجتماعية . ومن هنا ، يكون الواقع الاعتباري خاضعا للتكيّف مع الوقائع ، وفي هذا الشأن يدعو ابن خلدون الإنسان [ الباحث ] إلى استعمال القياس لتحليل الأمور كما في قوله : " فليرجع الإنسان إلى أصوله ، وليكن مهيمنا على نفسه ، ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الإمكان قبله ، وما خرج عنه رفضه ، وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق ، فإن نطاقه أوسع شيء ، فلا يفرض حدا للواقعات ، وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء . " [11]

ويبقى بعد كل هذا أن نسأل : هل التصورات الاعتبارية قابلة للجَعل وإخراج أثر الفعل من هذا التصور إلى الثبوت ، فيتحقق بذلك الأثر الاعتباري للعقل العملي ؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال تبرز أهمة الواقع وانتسابه إلى لواحق الإمكان ، لكونه مقرونا بعلة الاحتياج إلى التجديد ؛ لأن تصور فعل ، من فعلٍ حادث ٍ، دليل على تصوّر الفعل الأول من الفعل الثاني ، تماما كالمشتق في اسم الفاعل أو اسم المفعول المأخوذ من غيره ؛ أي بدخول مصداق الشيء في معناه ، وهذا كله من الأمور التي يتفاعل معها العقل اعتبارا لاستلزام ربط الحاضر بالمستقبل ؛ أو بمعنى آخر جعل الواقع تابعا لإمكان التوقع لهذا الواقع ، وإذا كان ذلك كذلك تجلى العقل النظري بالعقل العملي ؛ لأننا إذا ما نظرنا إلى ما يحيط بنا لوجدنا الأمور تتبدّل وتتغيّر من شكل إلى آخر وفق سنن الحياة في هذا الكون وما يحتويه من نظام الخالق ، وهو ما يستلزم نظرة ناصية ، ومنهجية صارمة ، لمعرفة دقائق الأشياء من زوايا متعددة على حد ما جاء في قوله في أثناء حديثه عن أهمية التاريخ من أنه : " محتاج إلى مآخذ متعددة ، ومعارف متنوعة ، وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصحبهما إلى الحق ، وينكبان به عن المزلات والمغالط ."[12]

إن الجديد في نقده للواقع ، ورغبته في النظر إليه بما هو مستجد ، ينم عن رفضه لبعض المسلمات التي كانت تدعو إلى الالتزام بالرواية المتواترة ومهادنة الماضي ؛ الأمر الذي شجعه على بعث رؤيته التي كان يتصور في أنها جديدة ، وتعكس صياغة الواقع بصورة عقلية من حيث كونها تعتمد على المكاشفة ، فكانت بذلك نظرة قاصعة للعقلية المتبنية للسلف ، ولا غرابة في ذلك من دارس مولع بحب الظهور الذي فقده في السياسة ، فعوضه في البحث والتنقيب بعقليته المتحررة ، محاولة منه لبعث الأيْس لما ينبغي أن يكون عليه الموجود والبحث عن الحقيقة للوجود ، فاستطاع بذلك أن يعزز فرضية الرغبة في حل مسائل عالقة درج عليها الناس ، وانشدّت  أذهانهم إليها حقبة من الزمن .

وعلى هذا الأساس يكون من شأن وجه الخلاف بين اتجاه الباحثين السابقين وابن خلدون هو أن الاتجاه الأول مشدود بالارتباط بالماضي ، ومن هنا كانت صورة هذا الارتباط أمراً ذهنيا صرفا لا علاقة له بالواقع ، في حين كانت صورة التحرر من هذا الارتباط عند ابن خلدون أمرا واقعيا مرتبطا بالمنشأ العيني الخارجي ومن نفي للعامل الذهني الصرف . وقد يكون ما ذهب إليه ابن خلدون متساوقا مع ما عبرت عنه الفلسفة " بأحكام الماهية " في ارتباطها بالواقع والتي تتصف بالتشخيص والجزئية.

ومن وجهة نظر مضافة ، أن كل ما ارتسم من هذا الواقع في ذهن ابن خلدون وتعرض له بالدراسة هو عنده ليس حقيقة هذا الواقع ، بل وجها من وجوهه، وصفة من صفات واقع آخر مترسب في الواعية الجمعية ، وبالمقابل ليس واقع وجوده وما ترسمه صفاته من قيم وأحداث هو نفسه الواقع المتواتر عبر الأزمنة ، بل هو واقع اعتباري يتدرج بالسعي إلى التخلص من هذه الرواسب بحسب مراتب تفاعل المدركين لطبيعة هذا التبدل الذي تقتضيه سنة الحياة ، على نحو ما مر بنا ، وكون الواقع بهذه الصفة لا يعني الاتفاق والتوحد في المعنى ؛ إذ كل ينطلق من هذا الواقع أو ذاك بالتفاوت ، وإذا كان ذلك كذلك فإن مسعى العقل الاعتباري يفترض أن تحصل حقيقتة في صورة خصوصية وجوده التي تثبت له ، وبما أن العصبية هي في نظر ابن خلدون أولى من أي شيء آخر، بل إن كل شيء لا يكون إلا بها ، إذا كان الأمر كذلك ، فإن الواقع مرهون بذات العصبية وما يتميز بها، ومن ثم فإن حقيقة الواقع تكمن في العصبية لا غير .

وفي نظر ابن خلدون أن العصبية بالقوة مصداق ذاتي للمنشأ الواقعي ، من منظور أن حمل العصبية على المجتمع هو حمل ـ في نظره ـ واقع بالفطرة ، ودعم ثمين للجانب العرفي ، وتعزيز لمكونات الواقع المتماثل ، ومن ثم أصبحت العصبية أمرا واقعا ؛ وإذ هي كذلك ، عنده ، فقد عدّها من باب المسلمات الاعتبارية . 

العقل العملي والمعايير

1.       مبدأ التماثل  *[13] :

يعتبر العمران البشري ، الذي دعا إليه ابن خلدون ، متصلا بعضه ببعض في عناصره الأيكولوجيا التي تبحث في العلاقات التبادلية بين الكائن الحي والبيئة environment المحيطة ؛ أي كل ما يستلزم تغييراً في رؤية الإنسان للواقع . وأن ما يجمع هذا العمران أكثر مما يخالف وفق انتظامه عبر مراحل تطوره ؛ إذ يتحرك تحركا حضاريا ، سواء من خلال الإسهامات التكوينية المادية منها أو المعنوية ، والتي عبر عنها الشاطبي في أثناء تعرضه لمكانة الإنسان بما له من متطلبات كونية مثل المحافظة على الحياة بالجنس ، والتملك ، والعمل ، واللغة، وتحصيل المعارف ، والعيش في مجتمع ، أو ما عبر عنه بالضروريات والحاجيات والتحسينات ، ومن ثم فإن أمور الخلق بحسب رأيه على ترتيب ونظام واحد ، لا تفاوت فيه ولا اختلاف من حيث القدرة على الإنجاز والمعايشة .

والمنجَز المدرَك من الواقع في نظر ابن خلدون إنما يفترض أن يُتوسّل إليه بالاعتبار من التوصيف المطلق  إلى النقلة النوعية المجزأة  ، من الماضي الرتيب إلى الواقع الحي ، أو الانتقال من حالة الغموض إلى حالة الإيضاح والبيان ، وأن الفكر ـ بحسب رأي ابن خلدون ـ حينما يقع في النظر إلى البنية الاجتماعية ، من حيث هي ساكنة يُتوسّل بالاعتبار للوصول إلى العلم بها ودفعها إلى منشأ الحركية ، وهو ما تقره كل الحقائق ، على نحو ما نجده عند قدمائنا من مثل ما ذكره الإمام علي من أن " من اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم "[14] وهو ما يعني أن الاعتبار آلية تنقل العقل إلى تفعيل الحركة المستمرة بعدما كانت ساكنة في حقبة زمنية ، مؤطرٌ لها بحسب ما افترِض لها ، ليصبح ذلك الإطار هو المسئول عن تماثل وتلازم مكونات الأبنية الكونية ، على اعتبار أن كلا من التلازم والتماثل يقرب الشيء بنظيره ، ثم يتحول إلى منطق قائم على الاستدلال بالتشاكل ، مما يعطي انطباعا أن ما وقع في الماضي يشير إلى ما يقع في الحاضر ، وعلى ما سيقع في المستقبل ، وفي ظل المعرفة القائمة على ملاحظة التماثل ومكررات آية البنية الكونية التي فيها يحضر الغائب في الجانب الشاهد ، ويحتذي الآتي مثال الماضي[15]، وهو ما ساد في مجتمع ما قبل ابن خلدون الذي اشتمل على تلازمه مع السائد ، والتزامه بالسكونية ؛ لأن التواتر والتصديق باليقين هما اللذان أسهما في ثبوت هذا الواقع في الذهنية ، وكل ما عدا ذلك فهو جهل بالواقع الموضوعي على ما هو عليه باعتبار التماثل بين الحاضر والماضي السائدين بين الناس في بنية يحكمها الثبات والمحدودية والسنن القسرية ، وهذا ما يتعارض مع مطلب ابن خلدون الداعي إلى التزود بالكثير من المعارف والعلوم التي من شأنها أن تنمي حقل المعطى التاريخي من زوايا متعددة على نحو ما ذكره في تقديمه عند ذكر أهمية التاريخ في المقدمة قوله : "  اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية... فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط ؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً ، لم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار. فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ..." [16] .

إن الواقع الحرفي ، وتعامل الناس معه ، غالبا ما كان يوصف بالشيئية ، كونه مرتبطا بجاهزية الحكم من خلال العلاقة المرجعية ، من منظور أن قدمائنا كانوا يتوسلون بالماضي في عملية الاتصال المتبادلة من دون اجتهاد ولا نظر فكر في المنظومات الطبيعية للواقع البشري والبيئي ؛ الأمر الذي يمنح هذا الواقع سمة التطور المتأرجح بين السلب والإيجاب . أضف إلى ذلك أن من تناولوا هذا الواقع من مؤرخينا ـ سواء ما تبنوه في دراساتهم ، أو من خلال معيشتهم له ـ يبدو أنهم لم يتناولوه بحسب مقتضى حال ما تمليه الظروف المستجدة والتي تحكمها سنن القوانين العامة في الطبيعة البيئية والاجتماعية . وابتعادهم عن الخوض في مثل ما تبناه ابن خلدون يرجع إلى عوامل كثيرة من ضمنها الملكة الإبداعية ، والميل السياسي، والارتباط بالماضي الذي كان يشكل لديهم المصدر الأساس  ، وكأنه مرآة عاكسة لحياتهم إلى درجة أنه كان يمثل لدى بعضهم مصدر القداسة ، إلى غير ذلك من العوامل التي أسهمت في عدم قابلية القدامى للتغير ، وأكثر من ذلك فإن الضوابط الاجتماعية التي بمقتضاها يحدث كل شيء ـ سواء أكان ذلك في الاتجاه الإيجابي أم في الاتجاه السلبي ضمن سياق مجريات حياتهم اليومية ـ هي دائما مغيّبة ، وكأن البحث فيها يعني الدخول في معترك الاعتراض مع الواقع الذي بدوره يعني إثارة الاضطراب في النظام المختص به " فقه الأمر"، مما قد يدخله في متاهات هو في غنى عنها نتيجة خروجه عن العقل النسقي المألوف . لذلك ، كان انتقاد ابن خلدون لمؤرخينا انتقادا لاذعا لما يتوافر في آرائهم من مغالطات يستلزم تجنبها ، وفي هذا السياق " ينبغي أن نسجل هنا أن من بين الأسباب السبعة التي أوردها ابن خلدون في مقدمته كأسباب توقع المؤرخين في " المغالطة " وفي " الكذب " ، خمسة منها ترجع إلى التحزب السياسي أو " الإيديولوجي " وهي :

· التشيع للآراء والمذاهب ، فإن النفس ... إذا خامرها تشيع لرأي ، أو نحلة، قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة ، وكان ذلك التشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فيقع الكذب " .

·              " الثقة بالناقلين..."

· الذهول عن المقاصد ، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد مما عاين أو سمع ، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع الكذب ..."

·              الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع..."

·      تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء ، والمدح ، وتحسين الأحوال ، وإشاعة الذكر بذلك فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة ..." "ولكم هو صائب قول ابن خلدون : إن كل إنتاج تاريخي إنما يصنع من أجل نخبة"[17].

         ومن هنا ، كان إسناد الواقع إلى الأعراب في عصبيتهم مجازا ـ بقدر ما فيها من الحقيقة النسبية ـ وليس حقيقة صِرْفة ؛ لأن الواقع في صفاته عند هؤلاء الأعراب لم يكن موصوفا بحسب وجوده العياني ، بحيث يكون مطابقا لحمل تلك الصفة عليه ، بل كان موصوفا في الذهن مما ترتب عليه آثار مختصة بتوابع الصفات المرجعية المتدرجة عبر الذهن ؛ أي الصورة الواقعة في المرآة بوصفها النموذج لتجلي مثالها ، وهي الصورة العقلية المجردة المحاكية ، وبذلك يكون وجود هذه الصورة في نفسها بناء على تجردها في ذاتها من الواقع المفترض ؛ الأمر الذي استعصى عليهم رسم صورة لواقع عملي استشرافي ، غير الواقع المألوف ، وهو ما نبّه إليه ابن خلدون في قوله : " ولا تنكرنّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات . فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الأمم السالفة بادر بالإنكار ، وليس ذلك من الصواب ، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة ، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها ." [18]

         لقد كانت المفاهيم والمباحث الاجتماعية التي توصل إليها ابن خلدون من "الإمكان بحسب المادة للشيء " ، في معرض حديثه عما اعتاد الناس عليه ، مستخلصة من الرؤيا الكشفية بالعقل اعتبارا ، وليس من حيث كون هذه التصورات حقيقية . والعقل الاعتباري إذ يكون كاشفا الحقيقة التقديرية لهذه المفاهيم يكون وسيطا للتفرقة بين تعزيز المحتوى المادي الذي سلكه ابن خلدون ، وإبعاد الصورة الذهنية المجردة عبر آلية " المنطق الصوري الذي اعتاد الفقهاء في زمانه أن ينظروا فيها من خلاله ، غير أننا نجده في مقدمته يخالفهم في ذلك . فهم قد دأبوا على النظر في القضايا بعد أن يجردوها تجريدا عقليا قياسيا ، بينما هو ينظر فيها وهي منغمسة في واقعها الاجتماعي . إنه بعبارة أخرى ينظر فيها من خلال منطق مادي لا صوري ."[19]

         ومعنى ذلك ، أن ابن خلدون أراد أن يفك العقل عن ماضيه بالمعايشة بالفعل، والانضمام إلى الواقع وتصوره ، ومن ثم الانشغال به ، من خلال تشاكل الخارجي والذهني معا؛ إذ ليس هناك موطن للواقع إلا بحسب تصوره العيني . ومن هنا حق لابن خلدون أن يُسْلِبَ الواقع الماهوي ،  الممسرح ، اللصيق بالأعراب ، ويزرع فكرة الواقع العياني في معناه ، وفي تفاعلاته المولدة لنمط جديد ، يستجيب لمعطيات العصر بما تقتضيه البنية التركيبية للذهنية المتجددة ، حول كل ما هو اجتماعي وسياسي ، بالانتقال من طبيعة المعقول المعلوم إلى طبيعة المعقول المعمول؛ أي التحول بالمجتمع من النتائج النظرية إلى المواقف العملية ، فسعى بذلك إلى إصلاح هذه الأخيرة  وصولا إلى إصلاح الأولى : هدفه نظري ، وإصلاحه عملي ، وإصلاحهما جمعا وجهي المضمون الفكري للجدليتين : الوجه النظري الطبيعي ونتائجه العملية ، والوجه العملي الإنساني ونتائجه النظرية ، لذلك فلا عجب إذا رأينا أن الإصلاح الخلدوني لعلم التاريخ يستند إلى إصلاح النظرية المحددة لطبيعة التاريخ، كون نظرية العمل هي الأساس في نظرية علمه ، من هنا جاء نقده العلماء [الفلاسفة والمتصوفة والمتكلمين ] كونهم لم يدركوا طبيعة التاريخي والسياسي التي حصروها في العملي بالمعنى التقليدي الذي يقابل بين النظري والعملي مقابلة الضروري للإرادي ." [20]  

2    مبدأ الاختلاف:

         لقد كان الهم الأكبر لابن خلدون هو تلمس طبيعة العمران البشري وفق القوانين الطبيعية التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية المتغيرة باستمرار ، والضوابط المتحكمة في حركته ، وكأن نظريته لا تريد تغيير السائد والمألوف من النسق الثقافي فقط  ، بقدر ما تريد ، أيضا ، تغيير النظم والظواهر الاجتماعية في علاقتها بالثقافة ، والاقتصاد ، والسياسة ، ومجريات الحياة اليومية ، فهي بذلك نقلة نوعية على كل ما هو سائد .

 وفي هذه الحال ، يكون التاريخ في منظوره هو بمثابة انتقال من البداوة إلى الحضارة ؛ أو كما عبر عنه مالك بن نبي ، إنه نقل فلسفة التاريخ من تفسير بطولي في رسم الوقائع إلى تفسير حضاري يستقري أسباب تتبع الأحداث لمعرفة أحوالها وخواصّها؛ وليكتشف دقائق الموضوع وملابساته وخفاياه ، ووضع هذه الوقائع والأحداث في حقل المعارف الفكرية من منظور أن صاحبها يبني تحليلاته على النظر العملي والتحقيق في الأسباب والمسببات لعلم العمران البشري ضمن سياق الإمكان الواقعي المعبر عنه بـ " العقل الاعتباري " الذي أطلق عليه ابن خلدون " الإمكان بحسب المادة للشيء " ، وهو " الإمكان العقلي الذي يمكن التحقق منه واقعيا بمطابقة ما في الفكر لما في الخارج " [21] . وفي هذا فرق بين العقل النظري والعقل العملي ، من حيث إن العقل النظري لا يرى إلا ظاهر الأشياء ، بينما تكون النظرة الثاقبة في العقل العملي متجاوزة الظاهر إلى ما هو باطن ، وبمثل هذه النظرة يستطيع الباحث أن يكتنه عالم البنية الواقعية على النحو الذي حاول فيه ابن خلدون أن يكتنه الظاهرات الاجتماعية ، ويدرك أبعادها من خلال التاريخ الذي وصفه بأنه " أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق " .[22]

إن النتائج التي قادت ابن خلدون إلى العقل الاعتباري هي العودة إلى التشبع من قيم الحضارات السابقة والنظر في دلالاتها ؛ الأمر الذي أوصله إلى معايشة اليقين من خلال الأحداث التاريخية في ارتباطها بأحداث الراهن ، ولأنه كان يقلب هذه الأحداث والوقائع اتصالا وانفصالا في موازنة بين الماضي والحاضر بوصفهما نظائر ، لذلك " دعا إلى درس التاريخ بمنهج عقلاني ؛ لأن التاريخ كالعلم الطبيعي له قوانينه ، فهدف ابن خلدون إذن هو إرجاع التاريخ إلى مجال العقلانية " [23] العملية  ، وانطلاقه بالدعوة إلى ربط التاريخ بالفلسفة ؛ أو الدعوة إلى التجديد في الاجتهاد المعرفي لا يعني المساس بالثوابت التي لا تقبل التغيير كالعقيدة والعبادة ، وإنما القصد من دعوته هذه هو النظر في المعاملات والطبائع من عادات وتقاليد وآداب عامة وارتباطها بالحياة العامة نظرا لتغير الأزمنة .أضف إلى ذلك ، أنه  " من الوجهة الأخرى يرفض طريقة المعتزلة العقلانيين ، فالعقل المجرد لا يجوز أن يتخذ مقياسا لتمحيص الأخبار؛ إذ إن الإمكان العقلي المطلق يختلف في أساسه عن الإمكان الاجتماعي الواقعي " ، وبذلك يريد ابن خلدون أن يقول : إن المقياس الصحيح الذي يمكن به تمحيص أخبار التاريخ هو فهم طبائع المجتمع ، ومن هنا وجدناه ينكب على كتابة المقدمة يريد بها تبيان تلك الطبائع ، وكأنه يريد من المؤرخين الذين يأتون بعده أن يعرضوا أخبارهم على تلك الطبائع فيقبلوا بما كان ملائما لها ثم يرفضوا البقية [24].

إن الحياة الاجتماعية ، بحسب منظور ابن خلدون ، في تطور وتجدد مستمرين استجابة للقدرات العقلية المستمدة من الحقائق الجزئية في مقابل الحقائق الكلية ، وذلك من خلال التأمل العقلي الذي منح الإنسان طاقة فعالة للخلق والابتكار ، هذه الطاقة  استوجبها العديد من المتغيرات والتبدلات ، وفق قوانين الحركة الاجتماعية ، في سبيل تحقيق الإصلاح المنشود  ، وإذا كان الأمر كذلك فإن كل تجديد بحاجة إلى عقلية مبتكرة ، عقلية تشتمل على عناصر الإبداع ، بحسب ما تذكره الدراسات النفسية الحديثة أن من شروط العقل المنتج أن يتميز بالأصالة ، والطلاقة ، والمرونة، وهي صفات تجمعت في ابن خلدون ، منحته القدرة على الاستيعاب ، ومواكبة مستجدات العصر الذي يعد في الحصيلة مجموع تراكمات ثقافية تبادلية بين الماضي والحاضر ، وما يسود ذلك من اضطراب وقلق لواقع عاشه ابن خلدون ، " فتأثر بمشكلاته وحاول أن يفهمه ، وأن يعي التحولات التي أدت إليه " على حد رأي عبد العزيز الدوري ، وهذا يستلزم أن أي واقع مادي له قابلية التبدل إلى واقع مادي آخر ؛ " لأن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته و فيما يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها ، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تميّز الصدق ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض ." [25]

لقد نظر ابن خلدون إلى المعايير المتفاوتة التي يعتمدها الإنسان ضمن مسيرته في تفسيره للظواهر ، مما جعله يسبر الواقع الملموس ، مبعدا التصور الذهني الذي مارسه هذا الواقع في ارتباطه بالماضي ، على اعتبار أن العقل يتعامل مع الإمكانات وليس مع الحقائق الواقعية ، وليس هذا غريبا من شخصية فذة ، عُجنت معرفيا بخميرة نادرة ، وفهمت الحقيقة الواقعية بطريقة حدسية ورؤيا كشفية . وليس القصد من فهم الحقيقة على أنها وصف للواقع كما هو ، وإنما ما نقصده هو أن إرادته كانت تنطلق من الحقيقة الممكن توقعها لا من الحقيقة الواقعة فعلا ؛ أي بفعل " القوة المدركة للقضايا التي ينبغي أن يقع العمل فيها " ، عبر قضايا مؤداها غير موجود ، والقضايا ذات المؤدى غير الموجودة هي الاعتبار ، ومن هنا اتضح لزوم الحاجة إلى الاعتبار[26]

يبدو أن ابن خلدون ربط الوعي الاجتماعي الذي يعاصره بالوعي التاريخي المتجانس ، بربط الحاضر بالماضي ، فتبين لديه أن مجتمع اليوم متجانس كليا مع مجتمع الأمس ، في حين أن مفهوم درجات التجانس هو مفهوم معياري بالنسبة إلى التطور ـ بحسب رأي ابن خلدون ـ ضمن شروط التبدل والتغير في الممارسات الحضارية للظواهر المتعاقبة .

والحاصل ، أن تغير كل عمران بشري يجب أن يكون من داخله بشكله ومحتواه، مما يستلزم خروجه من المعلوم إلى المعمول ، وفي هذه الحال تعود عناصر الواقع كالبنية ، يُفك ويُصاغ من جديد حتى ولو كان من دون إرادة المتفاعلين ، حيث تختفي بعض الظواهر ويظهر بعضها الآخر بشكل تلقائي بحسب المستجدات والمتطلبات ، وهذا جوهر كل واقع مركب من عناصره التي تميزه  ، وكلما تألفت بنياته وائتلفت وعمّرت ، أي كلما صار لها ذلك زمانا ، تلاشت ، وصارت بحاجة إلى من يجددها فتعود عناصر العمران البشري ـ الدولة ـ  المتجددة بأجزاء وبنيات أشد من الأولى سرعان ما تصبح كسابقتها قبل ذهابها لتعوضها أخرى ، وهذا ما أثبته ابن خلدون الذي " بنى نظريته ليؤكد أن للدولة أعمارا مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية ، فالقرآن الكريم ينص على أن للدولة أعمارا ينتهي كيانها بنهايتها ، ثم تخلفها دول أخرى أكثر نظاما ، وأشد قوة ، وأوفر صلاحا ، من ذلك قوله تعالى : " وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ .[ الأنبياء11 ]، والقرية هنا، وفي آيات أخرى هي الدولة ، أو الدول ، ...والمرحلة الثانية في حياة الدولة وعمرها هي مرحلة القوة والنماء..وهذه المرحلة تستمد من الآية الكريمة : " وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [ النحل الآية 112]، فإذا مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع ، فتدخل في المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة السقوط ، ويتمثل ذلك في الآية الكريمة : وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً [ الكهف الآية 59] . على هذه الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة ، وهي طور النشأة والميلاد ، وطور القوة والارتقاء ، وطور التفتت والسقوط، أما الطور الثاني في الدولة عند ابن خلدون فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث ، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور الخامس ، وقد استمد هذين الطورين  من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي ، ومن القرآن الكريم استقى فصله بعنوان : " الظلم مؤذن بخراب العمران "[27] .وقد أشار كثير من الدراسات الحديثة إلى مثل هذا التصنيف ـ في تأسيس الدولة ومراحل تطرها وانحلالها ـ كما  نجد ذلك ماثلا في نظرية دارون 1809 ـ 1882م " قانون الملاءمة بين الحي والبيئة الخارجية " والأمر نفسه  عند  شبنجلر1880 ـ 1936م صاحب نظرية العضوية في تفسير الحضارات الذي أشار إلى أنها مثل الكائن الحي ؛ أي إن مواصفات الواقع الأول تزول ، وتحل مواصفات الآخر محله . وقد تأثر هو الآخر بالفلسفة الألمانية الحتمية وعلى رأسها راتزل 1844 ـ 1904م الذي نادى بنظرية عضوية الدولة ، من حيث كونها مثل الكائن الحي. وفي سبق ابن خلدون إلى هذه النتائج إشارة إلى أنه ليس هناك واقع إلا وهو خاضع إلى شكل من التغير والتحول لا محالة ؛ إذ إن أيَّ واقع لا يحتاج في بقائه إلى وضع ما وفي وقت ما ، بل على العكس من ذلك كل واقع موجود بعلته التي هو فيها ، وبها يتحول على نحو ما أورده في قوله : " إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ".

وابن خلدون يدرك جيدا أن عامل الزمن هو المعيار الوحيد لقياس المد بين الماضي والحاضر ، وتغير الحياة بأشكالها المتنوعة والمختلفة ، مما يجعل واقعنا ليس واقعا محل واقع آخر ، قد لا ننتمي إليه إلا بالتصور المستمر للماضي الذي يقتحم راهن الواقع ، ويتبع اللاحق من المستقبل ، فيظل ماثلا أمام الأجيال ، وهو ما تبنته فئة من الأعراب الذين ذم ابن خلدون سلوكهم الحضاري من حيث رسمهم صورة الماضي واقعا مثالا لهم ، وكون الماضي المترسب عند هؤلاء الأعراب حقيقة صرفة ، لا وجود له في الواقع العياني ، فهذا معناه من الصعوبة بمكان خرق قاعدة الموروث ، وأن هؤلاء الأعراب ليست لديهم القابلية للتطور ، لذلك كانوا دوما متحصنين في أماكن خاصة ومميزة ، لأن في ذلك مدعاة لتقوية العصبية ، متعززين بأطوار القوة والتوحد ، وغاية ذلك في نظرهم تحقيق فعل القوامة المتأصلة فيهم ، وفي هذا إبطال للعقل الاعتباري الذي من شأنه أن يغير من طبيعة الواقع من الذهنية إلى العينية العملية ، من حيث إن الواقع ظاهر بعينه لا بنور الآخر .

إن التغير المفيد الذي يريد إرساءه يقوم على أساس المشاركة في الخلق والابتكار ، والعدل والمساواة ، وأن التطور الذي يستلزم أن يحصل في المجتمعات يفترض أن يمثل ثمرة التكامل بين هذه الظواهر ، وهذا ما تطلق عليه الفلسفة " علاقة الكون والفساد بالحركة "  التي تختص بالتغيرات . أضف إلى ذلك أن إمكان تحقيق هذه الظواهر ، وبخاصة منها ظاهرة العدل ، أخذت قسطا لا بأس به في نظرية العمران وتحديدا في مكونات الدولة سواء ما تعلق منها بالمضمون السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي .

إن منطلق ابن خلدون في إمكان إثبات العقل الاعتباري نابع ، أيضا ، من عدم وجود العدل محققا في الواقع ، سواء من حيث استقامة المجتمع بوضع الأمور في نصابها الذي تستحقه ، أو من حيث اتصاف معترك الحياة الواقعية ، ومن ثم لم يكن من همّ ابن خلدون أن يعظم المجتمع على النحو الذي نهجه من سبقه  باتباع  الطريق القويم والأخلاق المحمودة ، بل كان قصده فيها أن يبحث في طبيعة الحياة الاجتماعية لكي يكتشف القوانين التي تسيطر عليها ، سواء أكانت القوانين ذميمة أم حميدة[28] ، وذلك بعد إذعانه لأمر الواقع والإفادة منه ، ففضل الابتعاد في دراسته عن المألوف، من منظور أن " الموجود في الخارج لا يسعى الإنسان إلى تحصيله ، لأنه من باب تحصيل الحاصل ، وإنما يسعى الإنسان دائما إلى تحصيل ما ليس بحاصل ، فإذا كان كذلك فلا بد أن ما يسعى إلى تحصيله غير موجود ، أي لا بد من الإذعان بقضية اعتبارية يسعى الفاعل الإرادي إلى إيجاد الفعل لأجلها "[29] ، انطلاقا من استيعاب المعلوم وإبداع المعمول ، وكشف الأمر المعدوم .

صحيح ، أن ابن خلدون انطلق من الواقع في دراسته للعمران ، لكنه وظف عقله الاعتباري للكشف عن توصيف حقيقة هذا الواقع في خصائصه التكوينية للمحتوى الاجتماعي المتغير باستمرار، وفي هذا خلاف مع غالبية المفكرين الآخرين الذين وصفهم ابن خلدون بأنهم كانوا ينشغلون في أفكارهم بما وراء المجتمع ، في التفكير المطلق ، وفي صور قد تجردت من مواردها ، فهم حين يتعرضون إلى بحث القضايا التي كانت تهز المجتمع الإسلامي هزا كقضية الخلافة ، مثلا ، نجدهم يناقشونها وكأنهم يعيشونها في عالم آخر[30] .

وإذا كان هناك من العلماء من أنكروا هذه النتائج التي توصل إليها ابن خلدون؛ فلأنهم كانوا ينظرون إلى الواقع الذي تصوره ، والمقرون في غالبيته بالعصبية ، إنما هو واقع مضاف من المعدوم إلى المعلوم الخارجي ، وكونه كذلك لا يعني أنه  محاكى ، بنسبته إلى واقع السلف الذي هو ظرف آخر لا يترتب عليه الظرف الآني ، وصحة واقع السلف لا يبرر خطأ التمسك به حرفيا في الحاضر ؛ لأن الاستدلال على ما كان في الماضي لا يعني بالضرورة هو نفسه الاستدلال على ما في الحاضر، انطلاقا من أن الواقع الممكن في منظور العقل العملي هو في حاجة إلى تجديد في كل آن وزمان ، وأن كل واقع مسبوق بغيره ، شريطة أن يكون السابق علة للاحق ؛ إذ كل شيء باق ببقاء علله ، ويتشكل بشكل جديد ، وهو ما يقتضي وجوبه .

وابن خلدون إذ ينتقد المجتمع السابق بمن فيه ، من مفكرين وفلاسفة ، فلأن هذا المجتمع في نظره كان قائما على مدركات السمع في التلقي عبر آلية النقل ، فحاول تعويض ذلك بإمكان زرع فكرة العمل والإنتاج البشري " الجماعي " مما يظهر أن ابن خلدون منحاز إلى بناء التاريخ من وجهة نظر العلوم العقلية العملية وليس من وجهة نظر العلوم النقلية السمعية ، ومن ثم كانت اعتباراته العقلية كاشفة عن الحقائق المودعة في المجتمع ؛ لأن ذلك " أكثر ما يتصل ، يتصل بقوة العقل العملي ، فأهمية الاعتبار من جهة أنه فعل من الأفعال قد يمارس من قبل النفس البشرية وبتوسط قوة العقل العملي التي لديها ، ومن الحيثية الفلسفية يلجأ الفيلسوف في تحقيق هذه الظاهرة الموجودة لدى الفاعل الإرادي الإنساني . ومن هنا ، تظهر الضرورة الملجئة للفيلسوف في البحث عن الاعتبار وأقسامه . " [31] ولعل القصد من اللجوء إلى مثل هذا الطرح الاجتماعي المبكر والذي أطلق عليه علي الوردي " بالطفرة " هو كون ابن خلدون رأى في عين المصالح والمفاسد ، والتحسين والتقبيح ، والظلم والعدل ، أنها مستفيضة وبحاجة إلى توجيه المجتمع إلى ما فيه الخير ، فاضطر بذلك إلى وضع علم يشرِّع فيه ضوابط اجتماعية لم يسبق إليه غيره أحد . 

مبدأ السببية / العلة الغائية

وإذا كان ابن خلدون قد وظف العقل العملي فلأنه رأى فيه أنه لا يتعارض مع الظواهر الاجتماعية والطبيعية التي تحكمها علاقة السبب بالمسبب كما جاء في قوله "إن نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام ، وربط الأسباب بالمسببات ، واتصال الأكوان بالأكوان ، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته ."[32]؛ لذلك اعتبر طه حسين أن هذا المبدأ هو أحد الأركان الأساسية التي بنى عليها ابن خلدون نظريته الاجتماعية ؛ إذ يقول :" ولا يرى [ابن خلدون ] مثل كورنو أن السبب في ذاته أثر من آثار المصادفة ؛ أي أثر من آثار الالتقاء مصادفة بين طائفتين من الأسباب ، وهو مبدأ يناقض الفلسفة العقلية "[33] ، من حيث إن مجريات الأحداث في الحياة لا تجري إلا بأسبابها ، وما الواقع في مثل هذه الحال إلا علاقات اشتراطية ، فيها ترتبط العلة بالمعلول من خلال إخضاع هذه الظواهر الاجتماعية للقوانين وسنن التاريخ التي تنقل المعلوم من كتم العدم إلى ساحة الوجود ، أي من المعلوم إلى المعمول عبر آلية العقل المنشئ لخلق الفعل الموجَب ، وهكذا " فإذا قصد إيجاد شيء من الأشياء فلأجل الترتيب بين الحوادث ، لا بد من التفطن لسببه أو علته ، أو شرطه ، وهي على الجملة مبادئه إذ لا يوجد إلا ثانيا عنها ..."[34] ، وهو في مثل هذا الموقف يختلف عن القدامى الذين يجهلون وصفهم الأحداث باعتبارها وقائع قائمة على التناظر والتكرار والتماثل الإسقاطي ، مما جعل التاريخ عندهم ينحصر في نقل الأخبار مجردة من أي حادث ، وكأنه " في ظاهره لا يزيد على أخبار من الأيام والدول والسوابق من القرن الأول ، تنمق فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال " [35] . وهذا يتنافى مع مكونات العمران البشري وتأسيس الدولة التي ينظر إليها على أنها ، يقتضي أن تكون ، منظمة بالقدر الذي تفرض فيه نفسها على فوضى العصبية ، وعلى أنها " كائن حي له طبيعته الخاصة به ، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضا وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلا بها ، وضمن هذا السياق يتجسد قانون السببية عنده ، من منظور أن الوقائع الاجتماعية والأحداث التاريخية خاضعة للحتمية ، وليس بفعل المصادفة لارتباط الأسباب بالمسببات [36] .وضمن هذا السياق يكمن الخلاف بينه وبين من سبقه من الذين تناولوا هذه الظاهرة، وذلك حين طبق ابن خلدون فكرة السببية على التاريخ بموضوعه الشامل كما في قوله : " حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال " [37].

      والنظام الذي يعنيه ابن خلدون هو ربط العلاقات الضرورية للظواهر الواقعية بفعل الأسباب والنتائج ، والواقع الذي نتصوره اعتبارا على أنه تطور مستمر نحو الغائية يعد من هذا القبيل واقعا عمليا منتجا ، وهكذا نجد أن نظام العقل الاعتباري هو بالضرورة يؤدي إلى خلق ظواهر واقعية ، متى تآلفت فيما بينها أدت إلى تطور تجارب هذا الواقع العملي ، وهذا يوجب أن تؤدي العلة الغائية دورها ، مما قد يسهم في تفتح الآفاق للتطور أمام العمران البشري ، وهذا ما تبناه مالك بن نبي الذي رأى في كتابة التاريخ قبل ابن خلدون أنها تفتقد إلى التحليل والربط بين الأحداث ، فالتاريخ كان ضربا من الأحداث المتتابعة ، وأن ابن خلدون ركز على السببية في التاريخ والواقع الاجتماعي ؛ لأنه لا يمكن فهم التاريخ إلا بفهم الواقع الاجتماعي المحيط بالحوادث التاريخية ، وهو ما جعله يستنبط نظريته حول دورة الدولة التي يؤكد فيها أن الدولة تمر بثلاثة أطوار : طور البداوة [ الغزو ] ، وطور التحضر [ الاستقرار ] ، وطور التدهور [ الترف] ويربط الطور الأول [ البداوة ] بالعصبية الأسرية ، ويقول ابن خلدون بأن العصبية نزعة طبيعية في البشر منذ كانوا ، وأن السيادة لا تكون إلا بالغلبة، وأن الغلبة لا تكون إلا بالعصبية ، وهو ما انتقده مالك بن نبي من ابن خلدون.[38].

      وابن خلدون إذ يربط نظريته بالعقل العملي المتناسب مع المتغيرات ؛ فلأنه يدرك أن النظام الاجتماعي لا يحكمه الانضباط بقدر ما تحكمه الفوضى ، ولهذا السبب رأى أنه من الحتمية النظر في فعل الواقع الذي لا يتماشى مع سنن متغيرات التاريخ وتبدلات الظواهر الواقعية المتجددة باستمرار . أضف إلى ذلك أنه يدرك جيدا أن مسيرة الحياة تتقدم باستمرار وتخضع كل يوم إلى قوانين طبيعية جديدة ، وهو ما أدى به إلى محاربة هذه الفوضى التي جسدتها ظاهرة الصراع بين البداوة والحضارة، هذه الظاهرة التي تتعارض ـ في نظرنا ـ  كلية مع مبادئ التنظيم العقلي ، ناهيك عن التنظيم الاجتماعي ، الذي يمارسه الانضباط والمعايير الوضعية لبناء العمران البشري " إنما يحيط ـ العقل ـ علما في الغالب بالأسباب التي هي من طبيعة ظاهرة ، ويقع في مداركها على نظام وترتيب " [39] .

      وليس من شك في أن الواقع في جملته ـ في أي وقت كان ـ إنما هو تحول مستمر وخلق متوالٍ ليس له حد ، ولا يتوقف بمد . وميزة ابن خلدون أنه وضع الواقع كله موضع مناقشة وتساؤل ؛ إذ يستحيل ـ في نظره ـ على واقع ما أن يمر بحالة معينة مرتين ؛ لأن طبيعة الإنسان ، في تغير مراحل حياته عبر الأزمنة ، لا تكف عن التغيّر ، وهذا ما جعل ابن خلدون ينظر إلى الواقع على أنه يتغيّر بتغيّر مسبباته ، وأن ديمومته لا سبيل لها إلى أن تعود القهقرى؛ لأن التاريخ في نظره ـ ما ظهر منه وما بطن ـ هو " نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ."[40]، وحتى في حال تكرارها فإن ذلك لا يتجاوز الشكل الخارجي لها، على خلاف ما اعتبره القدامى من أن الواقع يكرر نفسه حتى في محتواه من خلال التقيد بالماضي وتقليده ، وكأنه يحيا حياته من جديد وبتغيير نسبي قد لا يتعدى الشكل، وأن من يتفاعل معه نابع مما أدركه من الموروث ، مبعدا عن نفسه ـ سواء بوعي أو من دون وعي ـ إمكانية المساهمة في صنع واقعه المعاش بالقدر الذي تمليه الغاية التي تحركها العلة الفاعلية لتطور هذا الواقع المشحون بالتحول من دون انقطاع ، والمتغير من حال إلى حال تحت تأثير تفاعل إنتاج العمران البشري ؛ لأن العلاقة التي يتميز بها العمل التاريخي ، العمل الذي تحكمه سنن التاريخ ، هو أنه عمل هادف ، عمل يرتبط بعلة غائية سواء كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة ، نظيفة أو غير نظيفة ، على أي حال يعتبر هذا عملا هادفا ، يعتبر نشاطا تاريخيا يدخل في نطاق سنن التاريخ على هذا الأساس وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسئول ، هذه الغايات حيث إنها مستقبلية بالنسبة إلى العمل فهي تؤثر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة ، لأنها بوجودها الخارجي ، بوجودها الواقعي ، طموح وتطلع إلى المستقبل ، ليست موجودة وجودا حقيقيا وإنما تؤثر من خلال وجودها الذهني في الفاعل . إذن المستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني أي من خلال الفكر الذي يمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات[41] .

لذلك ، على كل واقع بشري أن يسهم في خلق واقعه الذي يتماثل في داخله من خلال تكديس تجاربه وتحقيق رغباته تحت مظلة العلة الغائية ؛ لأن كل تجربة مكونة من قوانين ومعايير ضابطة يجتاز بها العقل التدرج،  في الاتجاه التصاعدي لمراحل النمو والتطور ، للوجود بما هو موجود ، كما يجتاز بها الحدود الفاصلة بين الأشياء ، وفي مثل هذه الحال لم يفعل ابن خلدون سوى أن استخلص تجربة فريدة ، غالبا ما كانت تقوم على المقارنات والاكتشافات بين عموم الظواهر الواقعية ، وعموم الحاجات الضرورية لحقيقة الواقع بعلاقات تتضمن تفاعلا بين حدود ومفارقات هذا الواقع وما ينطوي عليه بين ثناياه ، وهو ما عبر عنه بوضوح في قوله : " إن الحوادث في عالم الكائنات ، سواء كانت من الذوات أو من الأعمال البشرية والحيوانية ، فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها ، بل تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونها ...فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر ، وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة ، والتوجه على مسبب الأسباب ، وفاعلها ، وموجدها "[42] .

لقد كان ابن خلدون يربط بين الواقع والامتداد التاريخي بتعليل الأفعال من العقل المنشئ ، لذلك كان يرى أن لكل واقع واقعا آخر ، سابقا عن الذي نعيشه ، واقعا متغيرا بعلة، وأن على المرء أن يتلون بتلاوين واقعه المعاش حتى يؤكد ذاته في صورة مغايرة على التي كان عليها أسلافه في السابق ؛ لاختلاف العلة الفاعلية بوصفها عاملا مؤثرا في الواقع ؛ إذ لولا المجتمع المتفاعل مع هذا الواقع الجديد ، والغاية التي يسعى إلى تحقيقها ، والرغبة في إثبات الوجود ، والحوافز التي تدفع به للوصول إلى هدف ما ، لولا كل هذا لما وجد هذا الواقع بهذه الصورة وفق  " قانون الملاءمة بين الحي والبيئة الخارجية "[43] من خلال العلة التي تتعاضد مع الارتباط والتواصل التي استنتجها ابن خلدون بالاستقراء عن طريق القياس ؛ لأن علاقة الحاضر بالماضي هي علاقة سببية بفعل أداء الأعمال المنجَزة التي يحققها كل عقل منشئ لهذا العمل أو ذاك ، أو لديه الرغبة في إنشائه ، وهي علاقة ذات غاية " كون هذا الفعل متطلعا إلى المستقبل ، وكون المستقبل محركا لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني الذي يرسم للفاعل غايته ؛ أي من خلال الفكر. ومن هنا ، تتكون دائرة السنن النوعية للتاريخ ، والتي موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملا له غاية ، عملا يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظاهرة الطبيعية ، وهي العلاقة بالغاية والهدف ، بالعلة الغائية ، وفي هذه الحال يستوجب ثلاثة أبعاد ، بعد السبب والعلة ، وبعد الغاية ، وبعد العمل الذي يكون حاملا لعلاقة مع هدف وغاية ، ويكون في الوقت نفسه ذا أرضية أوسع من حدود الفرد ؛ أي ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له ، وبهذا يكون عمل المجتمع [44] المحكوم بالحتمية الدقيقة التي تربط وحدة السبب بالمسبب في هذا الواقع المتجدد والمستمر من حيث لا ينفصل بعضه عن بعض إلا في الغاية ، وذلك لأن العلة الغائية هي امتداد متغير ومتجانس مع متطلبات ومستجدات الحياة وبالنسبة إلى مقاصد كل واقع، وهذا ما يميز العلاقات المتبادلة بين كل واقع وآخر بوصفها متغيرات من آن إلى آن ، ومن مرحلة الإمكان إلى مرحلة التحقق والإنجاز، ومن فعل التأسيس إلى التكوين الحضاري بالتدرج .  


 


[1]  ينظر ، علي أومليل : الخطاب التاريخي ـ دراسة لمنهجية ابن خلدون ـ  ص  83 ، 90 .

[2] ينظر ، المقدمة ، 405 ، 506 .

[3] عبد الله العروي : مفهوم العقل ، المركز الثقافي العربي ، ص 166 .

[4]  المقدمة ، طبعة لجنة البيان العربي ، ص 506 .

[5] السيد عمّار أبو رغيف : الحكمة العملية [ دراسات في النظرية وآثارها التطبيقية ] ، دار الفقه للطباعة والنشر ، قم ، إيران ،  د.ت. ص 191 .

[6] المقدمة ، ص 504  .

[7] السيد عمّار أبو رغيف : الحكمة العملية ، ص 196 .

[8]  ينظر، علال البوزيدي : نظرات في الفكر المنهجي عند ابن خلدون :                                           www//fustat.com/l hist/ibn  khaldoun.shtm                                          

            

[9] علي أومليل  : الخطاب التاريخي " دراسة لمنهجية ابن خلدون " ، المركز الثقافي العربي ، ط 4 ، 2005 ، ص 14، 15 .

[10]  نفسه ، ص 15 .

[11]  المقدمة  ،  506 .

[12]  نفسه ، ص 9 .

 *[13]إن الحديث عن التماثل في منظور ابن خلدون متشعب ، كونه يحمل في سياقه عدة عناصر يمكن الدخول بها إلى هذا الحقل ، سواء من حيث تماثل الوحدة العقلية للجنس البشري ، أو من حيث ميل الإنسان إلى التقليد ، أو من حيث استدعاء الماضي بوصفه النموذج المثال ، وقد فضلنا أن نتطرق إلى العنصر الأخير لما له من صلة بموضوعنا .

[14] الإمام علي : نهج البلاغة ، باب الحكمة [ حكمة رقم 208 ]، ضبط وتصحيح : صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بالاشتراك " ط 2 ، 1982 ، ص 506 .

[15]  ينظر ،  أحمد البحراني : التأويل ـ منهج الاستنباط في الإسلام ـ  البحرين  1998 ، ص 365 وما بعدها .

[16]  ابن خلدون : المقدمة ، ص 9 .

[17] علي أومليل : الخطاب التاريخي " دراسة لمنهجية ابن خلدون " ، ص 34 .

[18]  المقدمة 504 .

[19] علي الوردي : منطق ابن خلدون ، ص 87 .

[20]  أبو يعرب المرزوقي : إصلاح العقل في الفلسفة العربية [ من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون ] مركز دراسة الوحدة العربية ، ط 1 ، 1994 ، ص 239، 240 .

[21]  محمد عابد الجابري : فكر ابن خلدون ـ العصبية والدولة ـ معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي ، مركز دراسات الوحدة العربية 1992 ، ص 285 .

[22]  المقدمة ، ص 4 .

[23]  علي أومليل  : الخطاب التاريخي ، ص 77 .

[24] ينظر ، ابن خلدون : المقدمة ، ص  405 ، 506 ، عن علي الوردي :  منطق ابن خلدون ، ص 145 .

[25] ابن خلدون : المقدمة [ في طبيعة العمران ]  ص 58  .

[26]  ينظر ، محمد سند : العقل العملي ـ دراسات منهجية ـ دار الهادي  ، بيروت ، ط1 ، 2002 ، ص 280 وما بعدها .

[27]  ينظر ، سهيلة زين العابدين : نظرية الدولة عند ابن خلدون ، موقع : https://secure25.nocdirect.com/~altareek/doc/article.php?sid=846

[28]  ينظر ، علي الوردي : منطق ابن خلدون ، ص 18 .

[29]  محمد سند : العقل العملي ، ص 279 .

[30] ينظر ، المقدمة  211 ، وعلي الوردي : منطق ابن خلدون ، ص 29 .

[31] محمد سند :  العقل العملي ، ص 286 .

[32] تاريخ ابن خلدون [العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ،  تحقيق : علي عبد الواحد وافي ، لجنة البيان العربي ، القاهرة ، ج1 ، ص 404 .

[33] طه حسين : فلسفة ابن خلدون الاجتماعية ، ترجمة : محمد عبد الله عنان ، القاهرة 1925 ، ص 41 . وانظر تعليق ، علي الوردي : منطق ابن خلدون ، ص 62 ، 63 .

[34] تاريخ ابن خلدون [العبر، ، ج3 ، ص  976 .

[35]  ابن خلدون : المقدمة ، ص 2 .

[36]  ينظر ، سهيلة زين العابدين : نظرية الدولة عند ابن خلدون ، موقع : https://secure25.nocdirect.com/~altareek/doc/article.php?sid=846

[37]  تاريخ ابن خلدون ، ج1 ، 328 .

[38]  سليمان الخطيب : فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي  ، عرض الكتاب من : د ، أحمد البرصان ، مجلة إسلامية المعرفة ، يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ع 037 ، 038 ، 2005 .

[39]  ابن خلدون : العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ج 3 ، 1035 .

[40] نفسه ، ج1 ، 282 .

[41]  ينظر ، محمد باقر الصدر: مقدمات في التفسير الموضوعي ، دار التوجيه الإسلامي ، بيروت / كويت ،ص75.

 

[42]  ابن خلدون ، المقدمة ، ص 1035 ، 1036 .

[43]  في نظر " دارون "

[44]  ينظر ، باقر الصدر : مقدمات في التفسير الموضوعي ، ص 77

 

 

تاريخ النشر:3/أغسطس/2007