|
نبوءة الصادق أشمل وصفاً وأبعد غوراً من نوسترادموس (تعليق الموقع)
إذا تطرقنا إلى التراث الإسلامي في تنبؤاته فيما يتعلق بالتأويل ظهورا وغيابا، فإننا نلمح ذلك مع الرسول الذي تنبأ بالغياب عندما قال: (تعلموا القرآن وعلموه فاني مقبوض به)، فعبر بهذا تلميحا عن إدانته للظرف الذي حف بقبضه، صلوات الله عليه، أي ان هناك إجراءات ستترافق مع قبضه يصادر فيها علم الكتاب، وهو ما تؤكده أحاديث أخرى أطلقها آخر حياته قال فيها: (يوشك السلطان والقرآن ان يفترقا .. يوشك السلطان والقرآن ان يقتتلا)، فأوضح ان قبض علم القرآن بقبض روحه يصدر عن السلطان المحارب للقرآن، مما يعني ان هناك تحول في السلطة يصعد فيها حاكم الجاهلية الذي يسخر أداة السلطة لحرب القرآن، وان معركة القرآن والسلطان تحسم لصالح هذا الأخير، الذي يقاتل ليطوي علم الكتاب، يصادق على ذلك أحاديث أخرى، مثل: (لن يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه)، (سيأتي على الناس زمان يكونون في واد والقرآن في واد)(كنز العمال،ح(29118).). هذه النصوص متراكبة تبني لنا مشهد قبض علم القرآن .. أما عن المشهد التالي، فان الرسول هو القائل: (لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها)، ثم يأتي الإمام الصادق ليقول: (ان الأمر يعود كما بدأ)، ولكن عودة أول الأمر إلى آخره، يمر بمراحل، وصفها الرسول بالقول: (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب ثم برهة بالحديث ثم برهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك ضلوا)، فإذا نظرنا إلى هذا الحديث على ضوء الحديثين المتقدمين، فان ذلك يجعل (القياس) هو المرحلة الأخيرة، التي يعقبها عودة الأمر إلى أوله، باعتبار ان التاريخ يخضع لمسار دائري مؤول، فيه يعود أول الأمر إلى آخره، وهو ما يعبر عنه بالقول: (التاريخ يعيد نفسه)، وهو ما يصادق عليه القرآن بالقول: (هل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم)، وهو قانون يطرد في كل آيات الخلق وظواهر الكون: (كما بدأنا أول خلق نعيده)، (سنعيدها سيرتها الأولى). وهكذا فان الأمة انطلق تاريخها بالقرآن ثم جاء السلطان المحارب للقرآن، فتراجعت الأمة متقهقرة عن موقع الذي تمسك فيه بالقرآن، لتشغل الموقع الذي تتمسك فيه بالحديث، ثم بشن الحرب على الحديث يؤدي إلى مزيد من تقهقر الأمة لتتخلى عن موقفها، وتسقط في شرك قياس الرأي، فتعيش مخدوعة ضالة، إلى ان يبعث التأويل من جديد وعلى أثره تنهار مرحلة الزيف والمؤامرة المؤسسة لها، ويعاد كتابة التاريخ بصورة توضع فيها النقاط على الحروف وينتهي الاشتباه، ليعود الأمر كما بدأ، ويصلح أمر هذه الأمة بهذا الانبعاث الجديد ... وبناء على ذلك، فان وصف الإمام الصادق بان القرآن يجهل به ثم يعاد بعثه: (إِنَّ الْعَزِيزَ الْجَبَّارَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ فِيهِ خَبَرُكُمْ وَخَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ لَتَعَجَّبْتُمْ)(الكافي:2/599)، هذا الخطاب الذي يتحدث عن مجيء من يخبر الأمة بان في الكتاب علم ما كان وما يكون وما هو كائن، يأتي في إطار النبوءة، بلحاظ الدائرة السابقة التي توضح ان الإمام الصادق عالم بان الأمر يعود كما بدأ، مما يعني ان هناك من يأتي ليفتتح عصر علم القرآن المؤول فيشيع علم التأويل الذي فيه يظهر مكنون الخطاب ما كان وما يكون وما هو كائن، وان ردود الفعل التي ستصدر حينها ستكون هي الدهشة والتعجب من امتلاك القرآن هذه القدرة العلمية التي تطال غياهب الماضي، وتهتك أستار الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل، وسيكون ذلك الانبعاث القرآني ممهدا لخروج القرآن الناطق المتمثل بالإمام المهدي الذي بشر به الرسول. فالإمام من آل محمد هو الموصوف بترجمان القرآن، فهو من الصفوة الوارثة لعلم الكتاب: (وأورثنا الكتاب عبادنا الذين اصطفينا)، وكان القرآن بحاجة إلى هذا الترجمان دائما، كما يقول الإمام علي: (استنطقوا القرآن ولابد له من ترجمان)، فاللابدية في كلمة الإمام علي، تكشف عن ضرورة الرجل المصطفى إلى جانب القرآن ليحوله إلى وقع عملي في كل سكنه وحركة تصدر عنه، وقد مثل الإمام علي ذلك عندما قال: (هذا الكتاب الصامت وأنا الكتاب الناطق)، وبناء على ذلك، كان موقع الترجمان يتوارثه الأئمة من آل محمد كابر عن كابر.. ويعزز مشهد النبوءة الصادقية هذه حديث آخر عن الإمام الصادق يتحدث فيه عن القيام الميمون للمهدي، وكيف انه يضرب الفساطيط لاصحابه ليعلموا الناس القرآن على ما انزل، وهو الإنزال المفسر بحديث: (انزل القرآن على سبعة أحرف)، فيستصعب الناس التأويل الذي في ظله يقرأ القرآن بعضه في بعض، كما روي ذلك عن صدر الإسلام، حيث قيل للرسول: (ان عمار يقرا من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: له الرسول لماذا إذا قرأت القرآن هكذا، فقال: ارأيتني اقرأ ما ليس فيه قال: لا، قال إذن كله طيب)، وكان عمار بهذه الإجابة يشر إلى انه لا يتجاوز قاعدة التأويل: (ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض)، وهو الحديث الذي يرويه فقيه الإسلام النجيب ابن مسعود عن الرسول الكريم. ففي خبر المهدي الوارد عن الصادق يقول(ع): «إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط حتى يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنه يخالف فيه التأليف»(النيسابوري، روضة الواعظين، 265). وهكذا نجد أن الإمام الصادق يمتلك تصورا شاملا للمسار التاريخي الذي سيتطور إليه وضع التأويل علم القرآن، فهو يتنبأ بالغياب كما يتنبأ بالحضور القادم مع المستقبل، إما لماذا لم يحدد الموعد الذي يظهر فيه علم القرآن، فان ذلك مرتبط بموعد خروج القائم، ولما كان علم التأويل يخرج في هامش زمني يعتبر حافة الظهور، فان أئمة البيت النبوي دأبوا أن يتكتموا عن توقيت زمني محدد يلقون به إلى الرأي العام، ونهوا شيعتهم عن ذلك، وتحدثوا عن شروط وظروف اللحظات التاريخية الحاسمة، كما تحدثوا عن أحداث متزامنة فحسب، ولذلك فان نبوءة نوسترادموس تأتي في سياق نبوءة ولي الله من آل محمد الذي له نظرة كاشفة يلمح فيها مجريات الانعطافات التاريخية وعلاماتها. فإذا لمح نوسترادموس الوقت، فان الإمام الصادق رسم معالم المسار من البداية إلى النهاية، ولمح الوقت لاشك، إلا انه أحجم عن التصريح فحسب، كيف لا؟ وهو القائل: (ورب الكعبة! ورب البيت! (ثلاث مرات) لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما ... وقد ورثناه من رسول الله وراثة)، وقد عرفنا ان موسى والخضر وضعهما الله في إطار مقارن على مستوى العلم، وأظهر المشهد القرآني أن الخضر، وهو ليس نبيا، اعلم من موسى النبي، ففي مشهد سورة الكهف، كان الخضر يصدر عن أمر الله: (ما فعلته عن أمري)، في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، فعمل على أساس من علم الغيب، فخرق السفينة ليجنبها حملة مصادرة آتية من ملك غاصب، وقتل الغلام ليجنب والديه المؤمنين كفره الذي سيتظاهر عند كبره ما لو عاش، وأقام الجدار ليجنب غلامين يتيمين العثور على تركة أبيهم قبل أوان بلوغهما، وكان موسى يستنكر فعله الذي يخرج عن إطار قدرته العلمية، فوقعت تلك الأفعال خارج إدراكه وتجاوزت قدرته على الفهم والعلم وحيا. فالإمام الصادق يقول إني اعلم منهما، مما يعني ان علمه اللدني يتوغل في المستقبل ليطال ما لم يطاله علم موسى والخضر بالمستقبل. ومن كان علمه كذلك فانه رأى ما لم يراه نوسترادموس، وقد برهن على ذلك عندما رسم خطابه معالم المسار التاريخي لغياب وانبثاق علم التأويل، فالصادق أصدق نبوءة وأبعد غورا من نوسترادموس. فإذا كان نوسترادموس عاش قبل خمسة قرون وثاقب بصره اخترق الغيب بمقدار خمسة مئة سنة، فان الإمام الصادق الذي توفى في (148هـ) بتوصيفه مستقبل التأويل في ظل فساطيط الظهور، يكون قد اخترق أفق زمني مقداره ألف وأربعمائة سنة، حتى الآن، فهل بعد هذا البيان بيان أدل على ان الصادق أبعد غورا وأصدق نبوءة. أردنا من خلال هذا المقال التوضيحي، القول: ان المقارنة التي عقدت بين نوسترادموس والإمام الصادق، لم تكن متكافئة، فأردنا البيان ان الإمام الصادق كان تنبؤه بالمسار التاريخي للتأويل وبمعطيات المستقبل ابلغ وصفا وابعد غورا بالمقارنة بنبوءة نوسترادموس وليس العكس..
|