بسم الله الرحمن الرحيم

 

التأويل

بين نبوءة الصادق ونوسترادموس

 

بقلم: عبدالله فردان

شغلت تنبؤات نوسترادموس العالم قديما وحديثا، وكتابه الحدث احتوى على نصوص بالغة التعقيد، إلا ان بعضها حوت أسماء أثبت التاريخ، إنها حقيقية، مثل اشتمال العديد من تلك النصوص على كلمة (هتلر)، فتكرر اسمه في تلك التنبؤات جعل لتنبؤاته الأخرى مصداقيتها، التي حثت الآخرين إلى السعي لمحاولة فك شفرتها وحل لغزها وتجاوز عبارتها الغامضة التي صيغت بها، وقد اشتغل العديد ممن لديهم دراية بالتاريخ أو هوس بالمستقبل في تفكيك تلك التنبؤات في محاولة للتعرف على الآتي واستطلاع الغيب، ولقد تعرضت تلك النصوص التنبؤية لقراءات متكررة، حاولت ان تستكشف ذخائر لم تكتشف بعد. وفي ختام المطاف تحولت سيرة الرجل إلى عمل سينمائي يقص على العالم أهم محطات حياته كما يستعرض ابرز تنبؤاته التي حدثت أو يتوقع حدوثها، ورغم إني قرأت كتاب نوسترادموس قراءة عابرة، إلا ان الذي لفت انتباهي في ذلك الفيلم الحوار الذي دار بين نوسترادموس وابنه الصغير ليروي لنا نبوءة من نبوءاته: (ان في نهاية القرآن العشرين سيكتشف المفتاح الذي يحل أسرار الكتاب المقدس، فيجيبه ابنه مندهشا: بعد خمسمائة عام)!.

هذه النبوءة نصادفها اليوم من خلال كتاب (التأويل منهج الاستنباط في الإسلام)، الذي جاء في نهاية القرن العشرين، والذي يعرض علم التأويل باعتباره المفتاح الذي يكشف أسرارا الكتاب المقدس، القرآن، فهل هذا يعني ان نوسترادموس تنبأ بكتاب التأويل الكاشف عن أسرار علم الكتاب المقدس، وان كان العالم مازال لم يلتفت حتى الساعة لهذا الكشف إلا لمماً، ولم يمنح هذا البحث حقه من خلال دراسة مستفيضة تحاول ان تقدر الآفاق التي يفتقها أمام العقل والفكر البشري، والمفاتيح التي يلقي بها بين أيديهم ليطلعوا على أسرار الكتاب وعجائبه!.

ويمكن تحري نبوءة نوسترادموس، بمحاولة متواضعة مني، من خلال المقارنة التالية المستندة لمنهج الكتاب كما فهمته، فقوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك)6/12، مؤول بالنظير: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما)1-2/48، فهذه المقارنة توضح ان النظير ينسخ وجه (التأويل) بوجه آخر هو (فتح مبين). وهو ما يمكن ترجمته بالقول ان التأويل هو علم مفتاحي، يطلعنا على الغيب المختزن كله في الكتاب، كما تصف الآية التالية التي تكمل المعنى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)59/6، كما تفيدنا الآية ان علم التأويل هو فتح مبين. وهكذا نجد ان نبوءة نوسترادموس التي تنص على وجود مفتاح يكشف أسرار الكتاب المقدس تجد في الكتاب الكريم ما يصادق عليها.

وإذا ما تحولنا إلى التراث الإسلامي، الذي يحوي الرجال العظماء المحدثين، نكتشف في أحاديث الإمام الصادق نبوءة مشابهة للمتقدمة، ففي الخبر عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الإمام الصادق(ع): (إِنَّ الْعَزِيزَ الْجَبَّارَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ فِيهِ خَبَرُكُمْ وَخَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ لَتَعَجَّبْتُمْ)(الكافي:2/599)، في هذا الخبر يوضح الإمام الصادق بان الكتاب كمفتاح لخزائن الكتاب -التي حوت العلم بغياهب التاريخ وأسرار الحاضر وتنبؤات المستقبل- غاب أو على وشك الغياب، وان هناك من سيأتي ليطلع الأمة على ذلك بعد طول غياب، مما سيحدث ردة فعل تتمثل في الاندهاش والمفاجأة: (وَلَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ لَتَعَجَّبْتُمْ). هذه النبوءة تفتقد إلى التوقيت الزمني لحدث ظهور علم الكتاب، لكنها لا شك إنها تتناول الحدث. وكلمة (لو) هنا لا تفيد التمني والظنون فحسب، وإنما تفيد النبوءة من باب: (ظن العاقل صواب).

في الختام، لقد كتبت مقالتي هذه لألفت انتباه القائمين على هذا العمل حجم هذا الفتح المبين، الذي أجراه الله على أيديهم، آملا ان يكون هذا الفتح بشارة خير على امة محمد، المنكوبة بأوضاعها وحكامها وغزاتها وتخلفها الشامل، كما أرجو ان يكون بداية لخروجها من التيه العظيم الذي تطاول عليها كل هذه القرون المديدة، وآمل من هذه الأمة ان تلتفت إلى القرآن المؤول حبل الله الممدود فتأخذه كحبل نجاة ينتشلها من هوتها السحيقة علها تعود لتسلق قمة المجد لتقف موقف خير امة أخرجت للناس. مباركين للأخوة السباقين على هذا الموقع الفتوحي، آملين من الأمة ارتياده للنهل منه والاغتراف من نبعه الفياض، فهو دليلها إلى كنوز وأسرار قرآنها، جعله الله راجحا في ميزان أعمال القائمين عليه، وأشركنا بحبنا لهم واقتداءنا بأثرهم في أجرهم ودرجتهم انه سميع مجيب.

 

Hit Counter

 

 

تاريخ النشر:1/ابريل/2007