بسم
الله الرحمن الرحيم
التدخين
يستفتونك في التدخين قل الله يفتيكم

انطلاقا من أن الله انزل القرآن بيانا شاملا، وصفه بالقول:(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، فإننا مكلفين بالرجوع لهذا البيان الشامل في كل المسائل الحياتية، لنستنبط الفتوى والبصيرة القرآنية، فليس لنا فسحة للخروج عن القرآن بالتماس الهدى في غيره، بعد إن قال الرسول(ص): « من التمس الهدى في غيره ضل».
بين الخمر والتدخين:
موضوع التدخين يشبه موضوع الخمر، فكل منهما يتصف متعاطيه بالإدمان، والسيرة التاريخية لتحريم التدخين في الإطار الوضعي تشبه السيرة التاريخية لتحريم الخمر في الإطار الإسلامي، فالخمر كان يصنع في الجاهلية ويدر عائدا كبيرا وربحا وفيرا، يوصف بالرزق الحسن، (والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا)67/16، ويكشف حقيقة هذه الآية النظير: (إني أراني أعصر خمرا)36/12، فالنظير سمى عصر العنب عصرا للخمر، من باب تسمية الشيء بما سيكون، وبغليان العصير يؤدي إلى تكون الشراب المسكر. وعندما جاء الإسلام وصف واقع الخمر كرزق حسن، ثم حكم على الخمر بتغليب ضرة على المنافع الناتجة عنه، فبدأ بالدعوة إلى اجتنابه حال الصلاة: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)43/4، ثم اتخذ موقفا محرما بوصفه بالإثم: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )219/2، وأسند إليه تسكير العقل، مما يُمكّن لنزعات العداوة والبغضاء من الانطلاق والتسبب بالتقاتل والاحتراب في مجتمع يؤمن بالانتقام، وقد يجر فيه قتل فرد إلى شن حروب بين قبائل لقرون مديدة: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)91/5، فأفادت الخاتمة: (فهل أنتم منتهون)، النهي عن الخمر وعموم المسكرات ...

كما يمكن استنباط قراءة أخرى لها الدلالة التحريمية ذاتها من تناظر الخاطبين: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)33/7، (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)219/2، فقد سمى الله في الخطاب الثاني الخمر والميسر بـ (الإثم)، مما يعني إمكانية التعويض عن (الإثم) في الخطاب الأول بالخمر والميسر، الواردة في الخطاب الثاني، لتنتج القراءة التالية: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والخمر والميسر والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون". ليكون هذا الخطاب المستنبط قراءة صريحة وقاطعة في حرمة الخمر، تقطع كل ريب. وقد اعتمد الإمام الكاظم، سابع الأوصياء، هذه القراءة في التدليل على حرمة الخمر ...
وتاريخ التدخين، اثبت ان تجارة التبغ رزق حسن، بما تدره هذه الصناعة من عوائد كبيرة، على مصنعيها، إلا إن بمرور الوقت أثبتت معطيات الوقائع القائمة على الأرض، وأرقام الإحصاءات وسجلات المستشفيات، أن هذا العوائد الكبيرة ليست هي كذلك، فإذا كانت صناعة الدخان ترجع بعائد على الصين يساوي ثلاث مليار دولار، فان الصين تصرف خمسة مليارات دولار لمعالجة الأمراض الناشئة عن عادة التدخين، مما يحقق بالفعل مفهوم، ضره أكبثر من نفعه، ليلتحق التدخين بالخمر والميسر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)219/2. فالصين توظف كل عائدت التدخين في ميزانية وزارة الصحة، وتضيف إليها مليارين، أي إنها تخسر مليارين دولار، من جرّاء الأضرار التي يسببها التدخين، ولا تربح من ورائه إلا الخسارة..
ومع توالي التقارير التي تثبت ضرر التدخين، التي لا تقتصر على المدخنين فحسب، بل وعلى الصحة العامة، إذ يتضرر المحيطون بالمدخن، من غير المدخنين، الذين اصطلح عليهم بـ (المدخنين السلبيين) بصورة ابلغ من تأثر المدخنين، مما أدى إلى رفع توصيات إلى الحكومات بتحريم التدخين في الأماكن العامة، وسنت بالفعل العديد من الدول قوانين تمنع التحريم وتغرم المخالفين ... كما شنت أكثر من دولة، حربا دعائية على عادة التدخين، للحد من انتشارها... وهذا يشبه ما تعرض له الخمر في الإسلام من تحديد ممارسة السكر بنهي عن الصلاة سكارى، وهي الصلاة المحددة في خمسة أوقات مما حد من الشرب، قبل أن يصدر الأمر النهائي بالتحريم ... وهذا ما ينتظره وضع التدخين، الذي يحتاج إلى صدور مثل هذا التشريع المحرم ...
باعتبار أن القراءة الآنفة، التي عوضنا فيها عن الإثم بالخمر والميسر: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والخمر والميسر والبغي بغير الحق". تجعل كل محتويات القائمة هي المحرمات، فإذا ما عوضنا بصورة عكسية في قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)219/2، برفع كلمة الخمر والميسر والتعويض عنها بـ (المحرم)، لنقرأ: "يسألونك عن المحرم قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، لتؤدي هذه القراءة إلى تجريد الآية لتنتج قاعدة عامة، يحتكم إليها الإسلام في التحليل والتحريم، فكل ما كان ضره اكبر من نفعه فهو حرام. واستنادا لهذه القاعدة التي تجليها هذه القراءة، قال الإمام علي(ع): «لو لم ينه الله عن محارمه لوجب ان يجتنبها العاقل»(1).
فالمسلم المدخن اليوم، مطالب بان يجتنب التدخين حال الصيام، كما كان المسلم بالأمس مطالب ان يجتنب الخمر وقت الصلاة، وآن الأوان لان يصدر القرآن الأمر بحرمة التدخين مطلقا، كما حرم الخمر بعد ذلك مطلقا. لاسيما بعد ثبوت ضرره، الذي يجعله من متعلقات آية التحريم: "يسألونك عن المحرم قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما". التي يمكن قراءتها بالتعويض عن المحرم بالتدخين:"يسألونك عن التدخين قل فيه إثم كبير ومنافع للناس وإثمه أكبر من نفعه". ....
التدخين في نظرة عن كثب:
لمزيد من الإضاءة لهذا الرؤية، يمكن تناول موضوع التدخين بالبحث، فتحدد عناوين البحث كالتالي:
فلفائف التبغ باعتبارها تستحيل عند احتراقها إلى دخان، فإن «الدخان» يصبح اسماً من أسماء «السيجارة»، وهو من باب تأويل الشيء بما هو صائر إليه، و«التبغ» باعتباره نبتة، لذلك أمكن تأويل التبغ بـ «الشجرة»، ولما كان التبغ عند احتراقه يصدر عنه الدخان، الذي يؤثر بشكل خبيث على أجهزة الجسم المختلفة، ليس على المدخن فحسب، وإنما على من حوله أيضا، فإن بالإمكان تسميتها اسماً تأويلياً يعتمد على صفته فهو «الخبيث»، ويمكن إنشاء تسمية مركبه هي «الشجرة الخبيثة». وهذه التسميات كلها يتبناها القرآن، ويمكن الانطلاق منها في عملية البحث ليكشف البحث عن وجوه أخرى تؤول إليها هذه الأسماء.
فيمكن اعتماد قوله تعالى: (كلمة طيبة كشجرة طيبة ... ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة)26/14، لتصبح هذه الآية مطلع البحث، الذي يقرر أن من الزروع ما يمكن وصفه بالطيب، ومنها ما يمكن وصفه بالخبيث، ولما عرفنا أن شجرة التبغ يمكن أن تسمى بالخبيثة، لما تسببه من أمراض سرطانية خبيثة، أمكن فهم الحكم من خلال النظير: (ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث)157/7، فيتضح أن الحلال والحرام يسري في النباتات والمزروعات، ومثل الخبيث من المزروعات «نبتة التبغ»، لذلك هي واقعة في دائرة التحريم، وبالإمكان دمج الآيات المتقدمة في بعضها لتقرأ: "وكلمة خبيثة كشجرة خبيثة وحرّم عليكم الخبائث".
الآثار الصحية للتدخين
تتظاهر الآثار السيئة على صحة المدخن من خلال أعراض طفيفة في البداية، يشعر معها المدخن بضيق في صدره، وإذا ما رجعنا إلى الآية: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ (اي الرائحة البيغيضة) مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)118/3، فهنالك آثار سلبية تتمركز في الصدر من أعرضها ضيق الصدر، وينسخ نظير"صدورهم" (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ)97/15، وبعد مرور فترة من الزمن واشتداد الضيق (أحصرت صدورهم)90/4، وعلم أن الأمر قد أخذ يتغلل في داخله وأصبح يتنفس إلى الأعلى من صعوبة التنفس: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ)125/6، فيعلم عند مراجعة الطبيب أنه مريض، وينسخ نظير"نعلم": (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى)20/73، وبعد إجراء الفحوصات اللازمة يُنبأ المريض باصابته بأمراض القلب، وينسخ نظير "مرضى" (في قلوبهم مرض)31/74، وقد يصاب المدخن بمرض السرطان، الذي يشعره بالرعب: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا(المدخن)(*) الرُّعْبَ ... ينزل به سُلْطاناً)151/3، وكلمة (سلطان) تتصرف على وجه (سرطان) فتقرأ الآية "سنلقي في قلوب المدخنين الرعب بما ينزل بهم سرطانا".

التدخين يسبب سرطان الفم والرئة وأمراض القلب
وفي نهاية المطاف، يبدأ المدخن يعاني عذابات المرض، ويصارع شبح الموت، وينسخ نظير"قلوب": (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)20/47، ثم يقضي: (قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ)12/34. فمازالت الإحصاءات تشير الى ارتفاع معدلات الوفاة الناتجة عن التدخين ...

(*) وهنا يمكن الإشارة إلى أن المدخن عندما يوصف بالكافر، فبوجه يفيد فيه الكفر، الكفر بما أمر الله، الذي ينص عليه قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)85/2، وهو غير الكفر بالله. فقد يكذب المؤمن، فيكون بهذا اللحاظ قد كفر بما أمر الله، حيث أمر بالصدق، : (وكونوا مع الصادقين)119/9.في الوقت الذي هو مؤمن بالله.