بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمية القرآنية

 

بقلم: أم يوسف

 

 

اختلفت آراء الأطباء والمختصين حول الحِمْيَة الغذائية الصحية لجسم الإنسان ، فترى منهم من يشيد بأكل 3 وجبات متنوعة يومياً ، ومنهم من يوصي بأكل 5 وجبات وقاية من السمنة والكوليسترول ، وآخرون ينصحون بالتنويع خلال الوجبة الواحدة بين المجموعات الغذائية ، فظهرت لنا حميات كثيرة قد لا نستطيع حصرها ، وأيضاً ظهر لنا في المقابل آراء تنتقد هذه الحميات الغذائية ، فمنهم من يعتقد بأن الامتناع عن أكل القمح يساعد في إنقاص الوزن مثلاً ومنهم من يعتقد بأن من أشد الأمور ضرراً بالجسم هو الامتناع عن ذلك ، وهلّم جراً في هذا المجال ، وظهرت لنا نتيجة لهذه البرامج الغذائية المتناقضة الكثير من الأمراض الحديثة المستعصية على علاجها ، ومن تلك الأمراض : الزهايمر والسرطان وغير ذلك، فهل هناك من طريقة تغني عن هذه الطرق المتناقضة فيما بينها ؟

 إن الله سبحانه أنزل القرآن ناطقاً يصدق بعضه بعضاً و جعله تبياناً لكل شيء ، حيث يمكننا أن نستنطقه لنتبين الطريقة المثلى للحمية الغذائية التي تصلح لإنقاذ أجسامنا مما يهددها من أمراض.

سوف نستعرض الموضوع هنا من عدة أبعاد حتى يتكون لنا النظام الغذائي القرآني والذي يعتبر نظاماً مثالياً حيث أنه وصية رب العالمين جل جلاله.

 تمهيد

 قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : الحمية هي الاقتصاد في كل شيء. (البحار: ج62 ص269)

الاقتصاد لغةً : الاستقامة كما في لسان العرب، و يؤسس لهذا المعنى قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}لقمان19، الآية التي يبينها موضع آخر هو: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الملك22، وبذلك يكون الإنسان المقتصد هو المستقيم و تكون هذه الاستقامة باجتناب كل ما من شأنه أن يؤذيه  كأن يحمي نفسه من الأخطار والأمراض والعلل والعقوبات وغيرها ، فالحمية في اللغة من: حمى الشيء يحميه حمياً وحماية ، والحمية ما حُمِيَ من شيءٍ ، فمن يحمي نفسه من أمرٍ ما سواء كان المرض أو الجوع أو التخمة فهو يطبق الحمية، وأما الطريقة المثلى في كتاب الله تعالى للحمية الغذائية فنذكر منها ما يلي : 

  1. عدد الوجبات ، الوقت المناسب : ( وجبتان يومياً في الغداة والعشي)

إن الرؤية القرآنية لأوقات الوجبات الغذائية الرئيسية جلية ههنا ، فالآيات تتضافر وتتعاضد لتبين إجمالاً وقتين رئيسين هما الغداة والعشي ، يقول تعالى : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ) ، فأما البكرة فهي الصباح الباكر كما في قوله : ( صبحهم بكرة )  و هو  وقت شروق الشمس حيث يقول : {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ }ص18 ، و هذه الفترة من اليوم التي يطلق عليها بالغداة كما في الآية : ( واصبر نفسك .. بالغداة و العشي ) ، فبالتناظر اللفظي بين " عشياً " في الآيات الثلاث الأولى ، يتبين لنا أن " بكرة " هي نفسها لفظة " الغداة " والتي يطلقها العرب على وقت ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ثم يأتي وقت الوجبة الرئيسية الأخرى في العشي – وهو وقت ما بعد صلاة العشاء حيث يقول تعالى ( وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء )- أو هو آخر النهار عندما تغيب الشمس أو بعد غروبها ليتناول عشاءه حيث قيل أن العرب تاكل غداة وعشي أي آخر العصر و هذا هو المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.

 يقول تعالى ( واصبر نفسك .. بالغداة و العشي .. ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا .. ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) ، فالقرآن الكريم يحث المؤمن على أن يصبر نفسه على الطعام لوقتين في اليوم وأن لا يتعدى عن ذلك إلى زينة الحياة الدنيا والتي ينسخ نظيرها بـ الطيبات من الرزق ، كما في الآية الكريمة ( والطيبات من الرزق قل هي للذين امنوا في الحياة الدنيا ]زينة[ ) ، ومع ذلك فهي مباحة وغير محرمة لقوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق ) كما يصف – في نفس الآية -  الذين يتناولون الوجبات لأكثر من مرتين باليوم ( حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ) بأن قلوبهم غافلة عن ذكر الله وتتبع الهوى – أي شهوة الطعام -  فتفرط ( فرطاً ) في تناول الطعام .

 

  1. نوع الأكل في الوجبة الواحدة : ( إدام واحد فقط )

 إن بني إسرائيل قالوا لنبي الله موسى عليه السلام ( لن نصبر على طعام واحد ... ) حين أنزل الله لهم مائدة من السماء مكونة من المن والسلوى ( وانزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ) و بلحاظ التناظر بين الآية و قوله : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ) فإن الناتج يكون أنهم كانوا يأكلون المن في الإبكار و السلوى في العشي وهذا ما لم يكونوا ليصبروا عليه ، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه ( ... فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها و فومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) فهو عليه السلام تعجب من استبدالهم لمائدة السماء – المكونة من المن والسلوى والذي وصفه بـ الذي هو خير – بأطعمة متعددة مع أنها محللة وليست محرمة ، إن نبي الله موسى عليه السلام كان يتبع طريقة الأنبياء في تناولهم لإدام واحد و هذا ما تحثنا عليه الآية الكريمة ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل )  وإن إحدى الأمور التي كان يصبر عليها الأنبياء من أولي العزم هي الطعام الواحد : ( لن نصبر على طعام واحد ) و بالقراءة بالقطع نقول : نصبر على طعام واحد ، فـ" عدم الجمع بين إدامين " هي الحمية التي كان يمارسها الرسل ، وبحذف الحرف " لن " من الآية يثبت المعنى بإمكانية صبر الإنسان العادي على طعام واحد ، فتقرأ الآية بالإكمال : ( نصبر على طعام :]إدام[ واحد كما صبر أولوا العزم من الرسل ) ،و يصفها مولانا أمير المؤمنين عليه السلام  في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان عندما كان الإمام في دار ابنته أم كلثوم فقدمت له فطوره في طبق فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن حامض و جريش ملح، فقال لها: قدمت إدامين في طبق واحد وقد علمتِ أنني متبع ما كان يصنع ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قدّم له إدامان في طبق واحد حتى قبضه الله إليه مكرماً ، ارفعي أحدهما فإن من طاب مطعمه ومشربه طال وقوفه بين يدي الله. فرفعت اللبن الحامض بأمر منه وأفطر بالخبز والملح. فهذه العبارة من الإمام عليه السلام " متبع ما كان يصنع بن عمي رسول الله " هي أحد مصاديق هذه الآية الكريمة : ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ) وهذا يعني أنها طريقة الرسول صلى الله عليه وآله في تناول طعامه فهو لم يجمع بين إدامين في طبق واحد : أي وجبة واحدة ، وهي طريقة الأنبياء من قبل ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) ، فيمكننا القراءة بالتتبع إكمالاً : ( نصبر على طعام ] إدام [ واحد كما صبر أولوا العزم من الرسل واتبعنا ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب واتبعنا الرسول )

 

  1. التنويع في الأكل !

 و عوداً على الآية الكريمة : ( لن نصبر على طعام واحد ... ) – وهي خطاب قرآني ذو وجوه متعددة حيث يمكن أن يعني في ذات الوقت أن الإنسان لا يصبر على طعام من نوع واحد – وهنا يأتي السؤال : كيف نوفق بين هذه الآية الكريمة وبين الآية التالية : ( ينبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) ؟وهذا تساؤل نابع عن المنطق مؤداه : كيف يرزقنا الله من الثمرات العديدة والمتنوعة ثم نجد ضرراً في أكلها معاً ؟

و نجيب عن ذلك : بأن الأكل من الأطعمة المتنوعة لا يجتمع في وجبة واحدة إنما المطلوب هو التنويع خلال الوجبات المختلفة بحيث لا يقتصر على صنف واحد في الفطور والعشاء ، يقول تعالى : ( وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) حيث يصف الله التنوع الكبير وكثرة الفاكهة بأنها غير مقطوعة أي أنها لا تتقاطع فيما بينها و لا تؤذي ( : تقطع ) الأمعاء و القلب ، حيث أن ذلك يسبب مرضين أحدهما على الصعيد الجسماني المتمثل بالجهاز الهضمي والآخر على الصعيد الروحي المتمثل بالقلب.

 ·         أما النوع الأول من الأمراض فهو الذي يصيب الأمعاء ( فقطع أمعاءهم ) فإن كثرة تناول الأطعمة المختلفة في آن واحد يضر بالأمعاء ضرراً كبيراً.

الأمعاء هي الجزء المختص بامتصاص المواد المختلفة من الأطعمة في الجهاز الهضمي للإنسان و تحدد لنا الآيات الجزء الخاص بذلك في الإمعاء وهو الإثنا عشر  في قوله تعالى : {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ... وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }الأعراف160 ، و يعنى بالقطع هنا هو فساد الاثنى عشر { وَيَقْطَعُونَ ... وَيُفْسِدُونَ }البقرة27 و تمزيق بطانته حيث قد يصيبه ما يسمى بقرحة الاثنى { فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ ... وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران140، وتقرأ بالإعجام " مس القوم قرحة " ، والتي هي عبارة عن جرح مفتوح ينتجه تمزق للبطانة السطحية الواقية للاثنا عشر مما يسبب ألماً كبيراً عند مرور أحماض المعدة عليها  ، ونتيجة للقرحة قد يتسبب نزيف في الاثني عشر حيث يختلط براز المصاب بهذه القرحة بالدم المماثل للون الدم أو الأسود اللزج كالقطران {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ }إبراهيم50 ، و فعلاً هذا ما تصرح به الآية الكريمة :{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ }القمر48، حيث أن مس سقر هو " القرحة " ، فإذا مس الإنسان قرحة في أمعائه أصبح وجهه مسوداً { وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }آل عمران106 من شدة الألم  {... الْقَوْمِ ... فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ ... }النساء104

 ·         و أما النوع الآخر من الأمراض فهو المرض القلبي أو الروحي {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ }البقرة10 فـ القطع في الآيات السابقة يمس القلب { تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ }التوبة110 فتصبح من شدة الإفراط في تناول الطعام وإدخاله على بعضه قاسية كالحجارة ، فنرى الآية التالية تميز بين نوعين من الناس ، النوع الأول هو الذي ذكرناه سابقاً وهو الذي اتبع ملة الرسل في عاداتهم الحسنة لتناول الطعام ، والنوع الآخر هو الذي يفرط في أمر مأكله {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }الزمر22 ، فيشرح الله صدور هؤلاء الناظرين إلى طعامهم لعبادته وأما الفريق الآخر فتضيق صدورهم من كثرة الأكل وبهذا تصعب عليهم عملية التنفس كـ الذي يرتقي في السماء عندما يقلّ مستوى الأوكسجين { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء }الأنعام125

 

  1. الكثرة المذمومة

 كما أن الله تعالى ينوه بأن ( لا خير في كثير ... ) بل العكس صحيح : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) ، فنستنتج عند العودة إلى الآية ( و فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) أن هذه الكثرة غير ممنوعة ولكنها يجب أن تكون ضمن برنامج معين لا يخلط بينها حتى يقي الإنسان أمعاءه و قلبه من المرض .

و كمثال على ذلك أهل الجنة الذين لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ، الله سبحانه يصف مشربهم ومأكلهم :

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ }محمد15 ، حيث شرابهم يتكون من : الماء واللبن و الخمر و العسل ، ومن غير المعقول أن يشرب الفرد كل هذه المشروبات ويأكل من : كل الثمرات في وجبة واحدة خصوصاً في حالة أهل الجنة الذين يضرب بهم المثل ههنا ، ويمكننا أن نقول إن الله يصف رزقهم بأنه معلوم : ( أولئك لهم رزق معلوم ) و الوقت المعلوم لأهل الجنة ( الأصحاء جسمانياً ونفسياً ) هو الصباح الباكر والعشي ( لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ) ، إنهم يأكلون في كل وجبة نوع واحد من الأطعمة ، ويتغير هذا النوع في كل يوم في الوجبة الواحدة ، وبذلك يتحقق التنويع في مجموعات الأكل دون الجمع بينهما في وقت واحد و دون أدنى ضرر لجسم الإنسان.

 

  1. الإحساس بالجوع

 على الإنسان أن يحس بالرغبة في تناول الطعام قبل الإقدام على الأكل وأن يقوم عنه قبل أن يشبع ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع ) فتنقسم النصيحة هنا إلى قسمين :

الأول : " لا نأكل حتى نجوع " ، يقول الله تعالى ( ويُطعمون الطعام على حبه ) وهنا المقصود هو الإطعام للفقراء والمساكين وبنسخ الشكل يمكننا قراءتها بـ ( ويَطعمون الطعام على حبه ) أي : ويأكلون الطعام على حب له ، والمقصود بها : الرغبة و الجوع قبل البدء في تناول الوجبة الرئيسية ، كما قد يجوع الإنسان في غير وقت الوجبتان وهنا يقول تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ... الْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ... الثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155 ، حيث أن للصابر على جوعه والمتبع لملة الرسل له بشرى من الله تعالى ، وأما الذي لا يصبر على جوعه فإن له : ( ألا تجوع فيها ) و له أن يأكل طعاماً : ( لا يسمن ولا يغني من جوع ) فمن صفات هذا الطعام الذي يكون بين الوجبات الرئيسية ألا يُسمن الإنسان ولا يشبع بطنه وفي ذلك إذن من الله حيث يقول : ( يومئذٍ شأن يغنيه ) والشأن هنا هو الطعام فيقول : (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن ) وهذا يبين لنا أن للإنسان الإذن أن يأكل إذا جاع في غير الأوقات المعلنة للطعام بشروط.

الثاني : " وإذا أكلنا لا نشبع "  وهو أن ينظر إلى كمية الطعام الذي يتناوله ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) ، حيث يجب أن لا تكون كمية الطعام في الوجبة الواحدة زائدة عن الحد بل أن تكون ناقصة ( ونقص من الثمرات ) فالإنسان لا يأكل حتى التخمة وإنما يملأ نصف معدته أو أقل من ذلك ، لقوله تعالى ( نصفه أو انقص منه قليلا ) ولكن التوازن أمر مهم فلا تطرف في الجوع ولا في الشبع ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ) ، فالأصح أن لا يسمن الطعام صاحبه ( لهم طعام .. لا يسمن ... ) - فأحياناً تأتي السمنة من كثرة الأكل وأحياناً تكون من نوعية الطعام نفسه كأن يأكل الإنسان النشويات والدهون - و في نفس الوقت فهو يسد الجوع ( إن لك ألا تجوع فيها ) .

 

  1. الحركة وتطهير البدن .. بعد الأكل !

 إن من سنن الأنبياء – بعد تناول وجبتين في اليوم – " العمل " بعد الأكل ، والمقصود بالعمل ههنا هو : الحركة أو المشي ، يقول تعالى ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ) فكلمة " اعملوا " هنا تعوض بـ المشي الذي كان يمارسه الأنبياء بعد الانتهاء من الأكل ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) فتقرأ الآية بالحذف والإكمال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و امشوا ) ، فالمشي بعد الأكل هو من سنن الأنبياء ، ويمكننا تعويض " الأنبياء " بـ عباد الرحمن ( و عباد الرحمن الذين ]يأكلون من الطيبات و[ يمشون على الأرض ) و تصدق على هذا المعنى الآية الكريمة التي تخاطب المؤمنين : ( فإذا طعمتم فانتشروا ) أي فامشوا على الأرض سواء خارج المنزل ( في الأسواق ) أو داخله ( يمشون في مساكنهم ) ، ويجب أن تكون طريقة المشي سوية و مطمئنة وأن يرفع رأسه ليستنشق الهواء ( أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ) ، وقد يتساءل الناس بقولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ) ؟ وهو سؤال في محله عن سبب المشي بعد الأكل ! وتجيب الآية الكريمة ( أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ) والسبب كما توضحه الآية هو : التزكية ، فهناك تزكية للنفس وأخرى للبدن ، يقول تعالى ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) فالآية هي البدن ، والتزكية هنا تكون لهذا البدن ، و على حد سواء هناك تزكية للطعام الذي يأكله الإنسان (  َلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ ) ، وبالنسبة لمعنى التزكية فيقول تعالى ( ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ) و ( تطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ) فالتزكية هي التطهير ، و ( أزكى طعاماً ) أي : أطهر طعاماً ،  إذن فالعلة في المشي بعد الأكل هو المساعدة على تطهير البدن .

والأمر الآخر المكمل لتطهير البدن هو أن يعرض الإنسان نفسه على الخلاء ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِه ) وهو حال الإنسان بعد تناوله لنعم الله ؛ أن ينأى بجانبه ويعرض عن الناس إلى دار الخلاء ، وبعد ذلك يقول تعالى ( وَ يَوْمَ يُعْرَضُ .. أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ [ طعامكم ] .. فِي الأَْرْضِ ) فالأرض تؤول بالحمامات والمجاري التي تذهب بفضلات الإنسان إلى الأرض ويبقى في جسمه ما ينفعه ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ)

7.      أحد أهم أسباب الذرية الطيبة !

ويتطرق القرآن الكريم لما هو أبعد من قضية الأكل لإشباع وتغذية الجسم فقط حيث يقول (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) ثم يقول في آية أخرى ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ) فالأكل الطيب الحلال -  على قلته - هو خير من الخبيث الحرام على كثرته ، وهذا ما يؤثر على مستقبل الإنسان حيث الذرية الصالحة فينسخ نظير حلالاً طيباً : ( ذرية طيبة ) فكلما كان الإنسان ملتزماً بأكل الحلال الطيب من الطعام المتعدد وعلى كميات متوازنة كان لذلك الأثر الكبير على صحة جسمه و بالتالي إنجابه لذرية طيبة خلقاً وخُلقاً ، ويحذرنا تعالى من استبدال الطيب بالخبيث حيث يقول : ( لاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تأكلوا .. ) ثم يقول تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لفسق .. ) فنقرأ الآية بالإكمال : (لاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تأكلوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لفسق .. ) ومن ثم يوضح القرآن بأن إبليس هو الذي فسق و أن على المؤمن أن لا يجعله وذريته أولياء من دون الله، وإذا استبدل المؤمن ربه بإبليس كان ظالماً (إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) وكأنه يشبه استبدال الطعام الطيب بالخبيث بـ اتخاذ ابليس ولياً ومن ذريته أولياء لذرية الإنسان أيضاً فيصبح الإنسان ظالماً لنفسه وذريته .

 

Hit Counter

تاريخ النشر:4/ابريل/2008