|
القرآن والمسلمون
بين الفكر العبوري المتقدم والفكر
الظاهري المتأخر
(ورجاء العودة الميمونة)
ان من ابرز معالم تاريخ الأمة
المرتهن للتخلف الشامل، بقاء نظرة التالين لأجزاء القرآن تمر على آيات الخطاب
القرآني لتتلفظ بها متبركة، كانت البركة هي الغاية والمطلب الاسمى لدى الاكثرية
الساحقة، وقليل اولئك الذين قرؤوا القرآن بفهم، الا ان اشكالية ذلك الفهم انه لم
يتجاوز المعاني المعجمية للكتاب، والمحكومة للوجه الظاهر، والذي غالبا ما كان
يستقى من التفسيرات الموروثة عن أئمة التفسير المذهبيين. وهذا ما جعل القرآن اسير تفسيرات
الاباء المذهبيين الذاهبين الفارض نفسه على أجيال الابناء الباقين، وكان من شأن
هذا الواقع، ان يجعل العقل المسلم مخلدا وأسير حركة طاحونية، تراوح في الموقع
ذاته، حول النقطة ذاتها، فيها يقيم الفكر المغمض اجفانه محله ويتوهم التقدم، هكذا
غدا المسلم في قراءته للقرآن فهو يدور حول المعنى الظاهري والتاريخي الموروث حركة
لا متناهية، تحاول الخروج بما يتناسب مع العصر، بما يمنحها العيش في واقع متجدد. فكان
الإنشداد الى الوجه الظاهر المتعلق بالماضي، وقراءاته التاريخية الجامدة مع محاولة
التعاصر والتجدد يمثل ضربا من المستحيل، وقفزة خارج اطار المنطق والمعقول، لذلك ظل
الواقع الاسلامي رهين اللامعقول وتتظاهر فيه مظاهر اللامنطق، ولذلك ايضا كان
الواقع يراوح مكانه وان اجتهد المتأخرون في صوغ العبارات واختلاق التراكيب وتجديد
المصطلحات التي تحاول ان تعبر عن ذلك المعنى الجامد او التاريخ الماضي. ان المحاكمة التي نقيمها،
هنا، لا تحاكم تعاطي الامة مع القرآن في مرحلة الوحدة، وإنما لعلاقة الأمة بالقرآن
في مرحلة الاختلاف، لقد حدث انقلاب في التعاطي مع القرآن، تبدلت فيه خصائص العلاقة
الرابطة، وترتب على ذلك تقويض المرحلة الاولى وارهاصاتها المتمثلة في الأمة الموحدة الصف، القوية
البنيان، النابضة بالحياة، التي راج ريحها، فصودرت تلك الخصائص، بهدم وحدة الأمة،
ومنيت بالضعف الذريع حين نشب الموت بها اظفاره. فذهب
ريحها بالتنازع، وتحللت الى شيع واحزاب وفرق ومذاهب، لا
يعطف بعضها على بعض، ولا يتداعى بعضها لمصاب بعض. وفي هذا نقض لواقعها التأسيسي
الأول الذي وصفه الرسول: ((مثل المؤمنين في توادهم وتحابهم كمثل الجسد الواحد اذا
اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالحمى والسهر)). فعادت الأمة الى واقعها
القبلي المتشرذم تحت عناوين معاصرة: دول، بلدان،
إمارات. لتكون نزهة الطامع ... لقد بدأ التأسيس لهذا الواقع المفتتن
فكريا من خلال العلاقة الفتنية التي فيها يرتبط فكر
الأمة بالقرآن، حيث كان بالأمس فهم المسلم عبوريا، يقوم على تصريف وجوه الكتاب، وانقلب
ذلك الفهم واخذ صفة الظاهرية، المستند الى الوجه الواحد اليتيم، المختلف فيها
المتنازع في الصواب. وبناء على ذلك، لم يكن ثمة امكانية لبعث الفكر المسلم الا
بإصلاح العقل في علاقته بالقرآن، بالطريقة التي تعيد له خصائصه الأولى التي اسسها
الرسول، بإخراج العقل من ظلمات التعاطي الظاهري وإدخاله الى نور التعاطي العبوري
الذي فيه يصرف القرآن على وجوه، باعتبار ان الفقه، بمعنى الفهم، رهين التصريف
بينما مصادرته تؤسس على اساس مصادرة التصريف، وهو ما يشهد عليه تعريف الرسول
للفقه: ((لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة)). لقد كان الفارق الجوهري بين
الفكر العبوري المتقدم والأخر الظاهري المتأخر، هو ان الاول يرى ان القرآن تبيانا
لكل شيء، فما تسأل الفقيه المسلم آنذاك عن شيء الا لجأ الى القرآن كي يحدده. نموذج
هذا في الاخبار التي تنقل كيف تعاطى فقهاء اهل البيت مع القرآن، يسأل احدهم ما
معنى (القديم) فيحددها بستة اشهر على ضوء قوله (حتى عاد كالعرجون القديم)، ويسأل
ما مقدار (الكثير) فيحددها بثمانين على ضوء قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن
كثيرة)، ويسأل ما مقدار (الجزء)، فيحدده بسبعة على ضوء قوله تعالى: (لها سبعة
اجزاء لكل باب منها جزء مقسوم)، ويسأل ما مقدار (الحين) فيحدده بستة اشهر على ضوء
قوله تعالى: (تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها). بل كان المتقدمون يجدون القرآن في كل
مقطع من مقاطعه يفيد علما ويوحي بفكرة حقه، ويهدي الى رشاد، فهذا ابن مسعود يقطع الآية:
(ان علينا جمعه) ليفيدنا ان علي هو الذي جمع القرآن، وحفيد الرسول الجواد يقطع الآية:
(ان المساجد لله) ليفيدنا ان الكف مسجد من مساجد الصلاة وما لله لا يقطع، فيحدد
القطع من الاصابع. كما وجدنا لهم القدرة على تحويل زمن الآيات من الزمن الماضي وذاكرة
التاريخ فيعيدوا انزال الاية بربطها بالواقع المعاصر،
وبذلك يبثوا فيها الحياة، فهذا الامام الهادي حفيد الرسول يجيب في مسألة الكتابي
الذي فجر في امرأة مسلمة، ثم اسلم حال القبض عليه ما حكمه، هل ينطبق عليه ان
الاسلام يجب ما قبله، فيعفى عنه، ام يقتل، فيتلو الإمام الهادي قوله تعالى: (فلما
رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في
عباده وخسر هنالك الكافرون)84-85/40، بناء على هذه الآية يكون اشهار الكتابي
اسلامه لا يعفيه من القتل وان حكم الله ينبغي ان ينزل فيه. فكان الفكر العبوري المتقدم
للمسلمين من خلال هذه اللقطات يكشف عن عقيدة اولئك في القرآن، فهو الكتاب اللا متناهي في عطائه وفي ذلك اعتماد للوجه الظاهر والصريح
لقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)، وهو
الوجه الذي تنكر له المتأخرون لعدم قدرتهم على اثباته، ولغياب الطريقة التي خولت
المتقدمين من ان يروا في القرآن (تبيانا لكل شيء) عن وعيهم ...
وبناء على هذا الواقع، فان القرآن
بالفهم المتقدم غيب ولم يعد يعهده الفقيه الظاهري في القرون الاخيرة، وهو ما عبر
عن ظاهرة انقلاب فكري في التاريخ الاسلامي، فالمتأخر لا يرى في القرآن الا مجموعة
محدودة من الافكار العامة، التي لها صفة نظرية اكثر من صفتها العملية، فمثلا نجد
تفسير الآية القرآنية قد ثبت على وجه من الوجوه واخذ يتوارثه اللاحق عن السابق على
امتداد ما يربو عن عشرة قرون بل يزيد، فمن تفسيرات القرن الخامس الهجري وحتى
تفسيرات القرن العشرين، تجد تفسير الآية القرآنية هو هو، في كل التفاسير المكتوبة
على امتداد هذه الرقعة القرونية الطويلة، فمثلا قوله في
سورة عبس: (كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة)15/80،
تجمع التفاسير على معنى واحد متوارث خلاصته: ((كلا انها تذكرة): أي موعظة وتبصرة
للخلق. (فمن شاء ذكره): أي اتعظ بالقرآن (في صحف) عند الله (مكرمة
مرفوعة) عنده تبارك وتعالى الذكر والقدر، مرفوعة عن الشبهة والتناقض (مطهرة) من كل
دنس (بأيدي سفرة) أي الملائكة)). هذه فكرة عامة ومحدودة تتوارثها الكتب اللاحقة عن
الكتب السابقة، دون امتلاك القدرة على:
1) تصريف هذه الآية وغيرها
لفهم وجوه اخرى غير نافذة تعكس فكرة اللا تناهي
القرآني.
2) استنباط افكار عملية تنير
الممارسة اليومية للانسان المسلم.
3) جعل القرآن مضيئا لممارسة الرسول والمؤمنين الذين كانت سيرتهم ترجمة للقرآن. وهذا ما يكشف عن مدى الغيبوبة
التي يعيشها الفكر المسلم في ظل الفكر الظاهري عن حقيقة الاسلام والقرآن. هذه الغيبوبة هي التي أسس لها المكافحة لعلم التأويل باعتباره
علم الاستنباط من الكتاب، الذي يمنح القرآن خصائصه، ليكون حيا، معاصرا غير محصور. وطيد
الصلة بالحياة العملية، منيرا للخلفيات التي تعلل سيرة الرسول، وراسما لمواقف الرسول
من وقائع لم تحدث في عهده، باعتبار ان الرسول سيتصرف بناء على ما يوحي به القرآن
كما كان ذلك دأبه ابدا. لنضرب الامثال، لكيف يمكن فهم
القرآن بصورة حية في ظل التأويل، وما يمنحه من فكر عبوري للعامل به، لنقدم امثلة
أوليه، لكنها دالة بوضوح، تعيد احياء طريقة تفكير المسلم الاول عندما كان عبوري
التفكير، فمثلا عندما نفكر عند قراءتنا للقرآن ونحن مفترشين الأرض جلوسا، ما هو
الافضل ان نحمل القرآن بأيدينا، اثناء قراءتنا له، ام نضعه على الارض؟! نعود الى
القرآن مستنطقين له باحثين عن اجابة، فنجد الجواب في قوله تعالى: (صحف مكرمة، مرفوعة
مطهرة، بأيدي)15/80، فالقرآن يتعلق بالواقع الذي نبحث عنه، عندما نقرأ هذه الآية
بهذا المقدار منها، نجد اننا لأول مرة كأننا نقرأها، لم نعهد هذا الوجه من قبل،
فالقرآن يعيد انزال ذاته في هذه القراءة ليكون غضا طريا، كما كان يشعر بهذه الغضاضة القراء في
العصر الأول. فالأولى ان نرفع بأيدينا القرآن، لما يعبر عنه فعل الرفع هذا من
تكريمنا للقرآن من ان ينزل الى الارض، وتطهيرنا له مما ترمز اليه الارض من دونية
وتدنس وذلة.. عندما نفكر ان الشعوب في
العالم الاسلامي تتصف بالكرم، ومن عاداتها التي تجلي هذه الصفة، انها تقدم للضيف
الطعام، بينما لا تتمتع شعوب اخرى بهذه الصفة، فالضيف في تلك الشعوب يمكن ان يدخل
ويخرج دون ان يقدم له شيئا، دون ان يعد ذلك منقصة، فما هي الفكرة التي يتبناها
القرآن بهذا الصدد، نجد ذلك في سيرة ابراهيم في تعامله مع الضيف: (هل أتاك حديث
ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى
أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون)24-27/51، (ولقد جاءت رسلنا
إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)9/11، ففي هذا
المشهد نجد طريقة التعامل مع الضيف، حيث الاستضافة من معالمها تقديم الطعام، كما
ايضا من آدابها، ان لا يتأخر على الضيف بالطعام: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ). انك
اذا وقفت مع التفاسير على امتداد القرون العشر الخوالي، لا تجده الا غارقا في
الوجه الظاهر المتعلق بقصة الضيف الملائكيين الذين جاءوا لإنزال العذاب بقوم لوط،
ولا يجد في هذه الآية الا هذا الوجه، انه الفكر الظاهري غير القادر على ان يستحضر
في فكره قول الله في خطابه للرسول الخاتم مجليا العلاقة والموقف من الرسل
المتقدمين وما اسسوا له من سيرة وسنة هادية، فكان الموقف الذي يحرض الله عليه
الرسول هو الاقتداء بهدي الرسل المتقدمين، يقول تعالى: (أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده)90/6، يضاف الى ذلك مطالبة الله الأمة المسلمة بالإقتداء بالرسول
الخاتم: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر
الله كثيرا)21/33، فكان الامر الموجه للرسول بالإقتداء بهدى الرسل يعم بهذه الآية
الامة ليكون الامر موجه لها ضمنا، بناء على ذلك، نلحظ هنا هدى ابراهيم في تعامله
مع الضيف ليكون هذا الهدي هو الذي يُرشّد ممارستنا مع الضيوف ابدا. فندرس تلك
الآيات لنستلهم منها ثقافة الحياة .. في هذا السياق، عندما نقرأ في
سيرة الرسول محمد انه كان يخصف نعله، فنتساءل ان محمد امر بالإقتداء بهدى الرسل من
قبل، فبمن هو يقتدي ويهتدي، فالقرآن يجيبنا بالقول: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق
الجنة)22/7، لقد خصف الرسول نعله تأسيا بهدى ابيه ادم وامه
حواء اللذان كانا يخصفان ما يلبسان في مطلع تاريخ البشرية ...
ايضا نجد ان الرسول والإمام
علي يطالبان اهل بيتهما ان لا يجمعان ادمين في وجبة
واحدة، ففي الخبر: ((قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين [علي بن ابي طالب] صلوات
الله عليه، لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره؛ طبقا فيه
قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن وملح جريش. فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره،
فلما نظر إليه وتأمله، حرك رأسه وبكى بكاء شديدا عاليا، وقال يا بنية ما ظننت أن
بنتا تسوء أباها كما قد أسأت أنت إلي!. قالت: وما ذا يا
أباه؟! قال: يا بنية! أ تقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة؟!
أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله (ص) ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلى
أن قبضه الله. يا بنية! ما من رجل طاب مطعمه ومشربه
وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله، عز وجل يوم القيامة. يا بنية! إن الدنيا في
حلالها حساب وفي حرامها عقاب ... ثم قال: (ع) يا بنية!
الدنيا دار غرور! ودار هوان! فمن قدم شيئا وجده. يا بنية! والله لا آكل شيئا حتى
ترفعين أحد الإدامين! فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش،
ثم حمد الله وأثنى عليه...))(بحار الأنوار: 42/275) . فيمكن ان نتساءل: اين سند
هذا السلوك من الكتاب؟ اين نطق الكتاب بذلك؟ نكتشف بالبحث ان محمدا وعليا في هذا
الموقف يقتديان بهدي موسى، يدل على ذلك قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت
الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو
خير)61/2، فاستنكار بني اسرائيل الطعام الواحد، هو الذي يسلط الضوء على بعض معالم
النظام الغذائي الذي يعمل به موسى، فهو يكتفي بإدام واحد، ولا يجمع له إدامين،
بينما يطالب بنو اسرائيل بتعدد الطعام، وتنوع المائدة، كما هو حال هذه الأمة اليوم
المقتفية ببني اسرائيل حذو النعل بالنعل، بينما تكشف الآية ان الخروج من نظام
الطعام الوحد الى نظام التنوع في الطعام، هو استبدال الادنى
بالذي هو خير، وهذا الوجه ابدا لم يعهده الفكر الظاهري المتعرض لتفسير هذه الآية ... وإذا تساءلنا في هذه الاطار،
ما هو موقف الرسول من لفائف التبغ وتدخين السيجارة، هل لو بعث الرسول يمكن ان يجيز
هذه الممارسة المستشرية في صفوف المسلمين، كما في الشعوب الأخرى، اين ينطق القرآن
بالحكم في هذه المسألة التي طال لغط الفكر الظاهري العقيم فيها! يمكن ان نجد
الاجابة في قوله: (ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت
وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم
يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)24-26/14،
فهذا الخطاب القرآني يقسم الزرع والنباتات والأشجار الى نوعين طيب وخبيث، فعندما
نريد ان نصنف نبتة التبغ التي تصنع منها لفائف التدخين، نجد انها تقع ضمن النباتات
الخبيثة لانها تؤول الى امراض سرطانية خبيثة، ثم عندما
تحدث القرآن عن دور الرسول قال: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي
... يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم
الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه
ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون)157/7، فالرسول جاء ليحل
للأمة الطيبات ويحرم عليها الخبائث، فلما كانت نبتة التبغ خبيثة، ترتب على ذلك
حرمتها، بهذا القرآن ينطق فيرسم لنا موقف الرسول الذي ينبغي ان نقتدي به: (وما
آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)7/59 ... بعد هذه التطبيقات التي فيها حاولنا ان نتحرى أثر خطى المتقدمين من المسلمين الاوائل الذين خلدهم التاريخ، كيف التزموا بالقرآن في كل ما طرق فكرهم، فنظروا اليه نظرة تجد في كل مقطع، في كل اشارة، في كل علامة في كل لفتة من لفتات خطابه معرفة هادية وفكرة مرشدة رشدوا بها الحياة واضاءوا بها ظلمات الشبهات. ولما نعرف ان الامة لا يمكن ان يصلح وضعها الا بالعودة الى المشروع الاصلاحي الأول، المستند الى القرآن المؤول ذو البيان الشامل، فعلينا ان نوفر علينا الوقت بالاسراع نحو ذلك الحل الذي اوصى به الرسول، عندما قال: ((لن يصلح اخر هذه الامة الا بما صلح به أولها)). فكان القرآن آنذاك وما زال قادر على العطاء بغزارة تدهش اشد المؤمنين بقدرة القرآن هذه، ودليلنا على ذلك قوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم)27/31. فما (كلمات الله) تلك الا كلمات وآيات الخطاب القرآني، وهذا ما لم يعقله المفسرون الظاهريون، وبعث هذا الوجه ووضعه قيد الاعتبار يدشن ثورة في التنوير لصالح قرأنة الواقع الاسلامي من جديد ...
|