|
أسباب الشيب
حسين أبو علي يبدو ان الشيب هي العلامة التي تتلازم مع التقدم في السن، ومعلم من معالم الكبر، ولكن في بعض الأحيان يمكن رؤيته عند آخرين ليسوا بالمتقدمين في السن، وإذا شكل الشيب لوقت قريب لغزا لدى العلماء، في تحديد الأسباب التي تقف وراءه فان القرآن كان واضح في تحديده للأسباب، إذا ما وظفنا قواعد التأويل، والتي نوظفها هنا في مقارنة مع اكتشافات العلم الحديث لنتعرف على مدى علمية القرآن من جهة، والى كيفية عمل قواعد التأويل في فهم الآيات هنا، لتعميم ذلك على الخطاب في موضوعات أخرى، لكي يكون الاستثمار هنا داعيا للاستثمار حيث لا يوجد كشوف علمية . فلتذكير نفهم ان من قواعد التأويل تأويل التناظري، الذي يعرف بتأويل النظير بالنظير، او التأويل المكاني المستند الى تأويل الكلمة بملازماتها في نظم الخطاب..
وبناء على ذلك، يمكن ان نجد ان القرآن يحدد ثلاثة أسباب للشيب: الأول: كبر السن، وهذا يصرح به الكتاب عندما يتحدث عن مراحل حياة الإنسان، ضعف الطفولة، ثم قوة الشباب ثم ضعف الشيب: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ). فالتلازم بين الشيب وضعف الكبر، يوضح أن ضعف الكبر هو عبارة عن تحولات فسيولوجية تؤدي الى الشيب كأحد نواتجها ... أوفي قوله تعالى: (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) يوضح وجود علاقة بين الشيب ووهن العظام، فهشاشة العظام التي هي من علامات الكبر في السن تعبر عن تناقص كفاءة العظام مع تقدم العمر تدريجاً مما يؤثر في افراز الجسم للصبغيات المسئولة عن لون الشعر وبالتالي يظهر الشيب. الثاني: لكن يلازم القرآن بين الولد والشيب في قوله: (يجعل الولدان شيباً)، وقد يظهر الشيب في الولد، حدث السن، وهذا ما يعزي الظاهرة إلى عوامل وراثية، فيها يتأثر الشعر بالمادة المسئولة عن اتصاف الشعر بالأسود، أي أن التحول الذي يوجد في الكبر له حضوره في الصغر. الثالث: التجارب الصدمية: فتعرض الإنسان للهموم نتيجة مشاكل الحياة القاسية، يؤدي إلى نشوء الشيب: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) المزمل17، فالآية تشير إلى أهوال يوم القيامة، الذي لا تتعين في الآخرة فحسب، بل تشمل قيامة الموت، او الحرب، او كل مشهد يعظم على النفس، وتنؤ تحت وطأته وصدمته القاسية، كما يقول تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)مريم37 . وهذا يكشف صحة العبارة الشعبية التي تتردد على الألسن: (شيبتني قبل أوان المشيب)، التي تجري على الألسن . يعزز ذلك تراث الإسلامي، ففي الخبر عن ابن عباس (رض) في ذكر الحوار الذي جرى بين يوسف (ع) وأخيه بن يامين بعد أن أرسل يوسف (ع) في طلب بن يامين حيث قال له بن يامين (أرسلت إليّ تسألني عن حزن أبي وسرعة الشيب إليه قبل أوان مشيبه... [إلى أن قال] وإنما أسرع الشيب قبل أوان المشيب لذكر يوم القيامة)(المجلسي، بحار الأنوار 12/258). يذكر ان في بحث نشرته مجلة ASEB الأمريكية Federation of the American Societies for Experimental Biology صرح البروفيسور هاينز ديكر من معهد الفيزياء الحيوية التابع لجامعة يوهانس جوتنبيرغ أن البحث الذي شارك فيه باحثون من جامعة برادفورد في بريطانيا تعرَّف ولأول مرة على آلية شيب الشعر أو تحوله إلى اللون الأبيض. وكان سائل بيروكسيد الهيدروجين المعروف بوصفه مادة مبيّضة للشعر نقطة بداية البحث. حيث اكتشف فريق البحث أن هذه المادة تزداد وتتضاعف مع تقدم الإنسان في العمر، وتراجع كفاءة جسمه بشكل يؤدي إلى صعوبة تحويلها إلى ماء وأكسجين. وهو ما يؤدي بدوره إلى منع تكون مادة الميلانين التي تنتجها الخلايا الصبغية مصدر ألوان الشعر والعين والجلد. حيث مادة الميلانين (Melanin) مسئولة عن اللون الأشقر والبني والأسود للشعر ويعتمد ذلك على مدى تركيز الصبغة في الشعر. أما مادة الفيوميلانين (Pheomelanin) ، فهي مسئولة عن اللون الأحمر واللون الشبيه بالأحمر في الشعر الأشقر والبني والأسود. وعندما يتوقف الجسم ( وذلك مع تقدم السن ) عن إفراز هذه الصبغات، يتحول الشعر إلى اللون الرمادي الأبيض.
|