تصريف الوجوه

مبادئ وخطوات

 

المبادئ

 

أولا: مبدأ الإشارية:

ينظر الفكر إلى الخطاب باعتباره يتكون من الآيات والإشارات، ووجوهه: الكون، اللغة(:القرآن)، الذهن. وهو ما يوحّد مجال العلم والمعرفة ويلغي الحدود بينها.

ثانيا: مبدأ التماثل:

يسري التماثل في الخطاب وهو ما من شأنه أن يؤسس لمنطق الاستنباط القائم على الاستدلال بالتماثل: ((المثل دليل على شِبْهه)).

ثالثا: مبدأ الظاهر /الباطن:

للخطاب ظاهر وباطن، والظاهر يمثل الباطل والخداع إذا ما نظر إليه كحقيقة نهائية، لذلك يفترض أن ينظر إليه كمؤشر لامتداد خاف وباطن، كالنظر إلى رأس جبل الجليد باعتباره يدل على امتداده الأكبر المتواري أو المستبطن تحت الماء.

رابعا: مبدأ الاختلاف:

إلى جانب اتصاف الخطاب بالتماثل، يتصف بالاختلاف والتنافر، وهذا الاختلاف يسهم في تأسيس الحركة التأويلية، فإذا كان التماثل يؤدي إلى دمج الإشارات والآيات، فان الاختلاف يؤدي إلى إعطاء كل إشارة استقلالها وكل آية هويتها.

خامسا: مبدأ الناطقية:

تخول عملية رد الآيات إلى بعضها في نسق الخطاب- تخوله النطق نطقا إيحائيا تسمعه آذان العقول.

سادسا: مبدأ اللاتناهي:

يعد عطاء الخطاب في ظل الحركة التأويلية غير متناه، فعملية قراءة بعض القرآن في بعض تخلق إمكانية غير متناهية لبروز علاقات غير معهودة من قبل، وتشكلات جديدة للخطاب تتصف بالتنوع والحداثة.

سابعا: مبدأ التصديق:

يمتلك الخطاب نظامه الذاتي الذي يمكنه من الحكم قبولا أو رفضا للنتائج المعروضة عليه، فيميز ما ينتمي منها للحق الذي يمثله، مما يتباين معه.

 

خطوات الاستنباط

لقد عرفنا أن عملية التفكير هي عملية تأويلية تقوم على إجراءات منهجية تتفصل إليها الدائرة التأويلية الناسخة، التي تتألف من آية متشابهة (:المجهول) وآية محكمة (:المعلوم) وتقوم آلية تلك الدائرة على منطق الاستقراء والمقارنة في إطار المثل دليل على شبهه، فترجع الآية المتشابهة إلى الآية المُحْكمة الناسخة للتشابه. ويمكن أن نكتشف أن القرآن عندما أطلق على الناظر في خطابه بأنه يمارس القراءة، التلاوة، التدبر، الترتيل، والتأويل، إن هذه الممارسة ليست هي عناوين مترادفة فحسب، وإنما هي أيضا عناوين متكاملة فهي قادرة على رسم صورة منهجية تسرد خطوات المنهج. كما يشرح ذلك في هذا العرض:

 

1.      القراءة:

يستقرئ الباحث في القرآن الكلمة التي تمثل عنوان البحث في ظاهر الكتاب، فيجد تلك الكلمة فينطلق من الآية التي تشتمل عليها، أو انه يصرف عنوان البحث إلى ما يؤول إليه من أسماء وفق المبدأ اللغوي الذي فيه يسمى الشيء بلازمه أو نظيره أو نوعه أو سببه أو جزئه أو كله أو بأحد مكوناته أو بما كان أو بما يكون... الخ، لتحديد الآية الأقرب إلى تمثيل المطلع، ووضع حجر الأساس للموضوع المنشود المراد بحثه ودراسته في إطار خطاب القرآن. ثم يتابع بالباحث العملية الاستقرائية بعد ذلك من خلال إرجاع الآية المطلع إلى نظائرها والنظائر إلى نظائرها المرتبطة ببعضها بعلاقة تفسيرية قائمة على النسخ: إكمالا، أو تعويضا، أو تقديما وتأخيرا، أو حذفا، أو ترتيبا، أو بالتحول في المكونات الأولية، والتي كلها تسهم في تأسيس نمطا من أنماط حركة الخطاب القرآني، وتعمل على إثراء البحث بالكشف عن نظير يفسر فيجلي ما غمض وتشابه من معطيات الموضوع المبحوث، وأخر يفصل فيبني امتدادات يتطور فيها الموضوع نحو التكامل. يدل على ذلك قوله: (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه)17-19/75، فالقراءة هي عملية جمع لمفردات الآيات إلى بعضها، وهي ذاتها عميلة تتبع تقوم على مقارنة النظائر، يعقبها البيان، وهذا ما يجري عندما يحيل القرآن قارئة باستمرار من نظير إلى أخر، ليقوم بتتبع النظائر وجمعها ووضعها في صيغة مقارنة تكفل البيان من بعد تشابه، كما يقرر ذلك قوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2.

2.      التلاوة:

تجمع الآيات إلى بعضها بإلحاق المتشابه بالمحكم، وفي ذلك تحقيق لمفهوم التلاوة، الذي فيه تتلو الآية الآية الأخرى، ويعقب المتشابه المحكم، مما ينشأ عن ذلك أزواج تقوم بينها علاقة تفسيرية أو تكاملية منكشفة، تكون بمثابة قصاصات الرؤيا المبحوثة، يدل على ذلك قوله: (والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها)1-2/91. حيث الشمس هي آية النهار المضطرب بالحركة التي تضاهي الآية المتشابهة المضطرب معناها والقمر هي آية الليل الساكنة التي تضاهي الآية المحكمة المتصفة بالثبات، فان يتلو الشمس القمر فهذا معنى ان تتلو الآية المتشابهة الآية المحكمة الناسخة للتشابه، ولما كانت الشمس تمثل الآية القرآنية فان للشمس مطلع لذلك وصف ان في أي بحث قرآني ينبغي ان تحديد الآية المطلع، ولما كانت الشمس تنتهي إلى حد تغرب عنده، لذلك وصف البحث القرآني انه ينتهي إلى آية حدية يقف عندها البحث، ولما كان مطلع الشمس مشرقها، وللشمس أكثر من مشرق: (رب المشارق والمغارب)، دل ذلك على ان البحث القرآني يمكن أن تكون له أكثر من مطلع وأكثر من آية حدية ينتهي عندها البحث، ولما كانت حركة الشمس من مطلعها من المشرق إلى حدها في أقصى المغرب تتحرك في أطوار، (خلقناكم أطوارا)، كذلك فان الآية القرآنية التي تشكل مطلع البحث تتطور من خلال النظائر التي تقلبها على وجوه ظاهرة وباطنة حتى تستقر عند حدود مغربها المعبر عن اكتمال الرؤية، ولما كانت حركة الشمس هي حركة ظاهرية بينما الحركة الفعلية هي للأرض حول نفسها، فان حركة الأرض في كل ساعة من ساعاتها تؤدي إلى الكشف عن جزء منها بظهوره للشمس وتواري جزء أخر بذهابه في منطقة الظل، فهناك أطوار مترددة بين الظهور والبطون تضاهي أطوار الآية القرآنية بين الظهور والبطون حال العمل على تأويلها وتطويرها، لذلك ورد في الخبر: عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ((مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا ولَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَمَا فِيهَا حَرْفٌ إِلَّا ولَهُ حَدٌّ ومَطْلَعٌ)) مَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: (لَهَا ظَهْرٌ وبَطْنٌ) قَالَ: (ظَهْرٌ وَبَطْنٌ) هُوَ تَأْوِيلُهَا، مِنْهُ مَا قَدْ مَضَى، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَجِئْ، يَجْرِي كَمَا تَجْرِي الشَّمْسُ والْقَمَرُ، كُلَّمَا جَاءَ تَأْوِيلُ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ يَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ، كَمَا يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ونَحْنُ نَعْلَمُهُ))[5]. فكان المنهج يقوم على جمع تلك الأطوار التي تشكل أجزاء الموضوع وضمها إلى بعضها...

 

3.      التدبر:

إن رد الآية إلى الآية نسخا، هي العملية التي يصطلح عليها برد المتشابه إلى المحكم، أو الناسخ إلى المنسوخ، أو الفرع إلى الأصل، أيضا، يصطلح عليها بالعبور من الظاهر إلى الباطن الكامن، فالتدبر هو إلقاء الآية على وجهها ليتبدى الوجه المدبر منها، يدل على ذلك:  (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)29/38، ومفهوم التدبر يشرحه قوله: (نطمس وجوها فنردها على أدبارها)47/4، فالتدبر هي عملية طمس وجه وإظهار  الأخر المدبر، وهو ما يعنى أن نلقي الآية على وجهها: (ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)96/12، لنعلم بهذا التدبر علم الكتاب ما لم نكن نعلم: (ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)151/2 ..

4.      الترتيل:

هو التنسيق الذي فيه نرتب أزواج الآيات المتلوة بوضعها في صيغة مقارنة من أجل تصور العلاقات النسقية التي تربط بينها، فهي عملية جمع القصاصات إلى بعضها بغية ترتيلها للوقوف على الصورة الكاملة. (ورتلناه ترتيلا)32/25، ويحدد مفهوم (الترتيل) في (الاتساق): (والقمر إذا اتسق، لتركبن طبقا عن طبق)18-19/84، فالترتيل هو الاتساق الذي يشبه اتساق مراحل تطور نور القمر في منازله: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)39/36. فالترتيل هي عملية تنسيق الآيات بإنزالها في منازلها بصورة تطورية تشرح الموضوع المبحوث من بداية الموضوع وأوله (الاستهلال) إلى مآله ومستقره (المحاق).

5.      التأويل:

يعرف التأويل برجوع الشيء إلى أوله، أو عودته إلى مآله، مما يعني أن الرؤية التأويلية الكاملة هي التي تسرد الموضوع المبحوث وتفصله من البداية إلى النهاية، يدل على ذلك، تأويل يوسف الصديق حلم الساقي بإرجاع الأمر إلى أوله، وتأويل حلم سارق القمح بمآله الذي سينتهي إليه، حيث يؤول حمله للخبز إلى ما سيحمل من وزر السرقة من قتل وصلب..

6.      التصديق:

ينبغي أن تصادق آيات أخرى على الآيات القرآنية في علاقاتها الجديدة، أي لا ينبغي أن تتناقض النتائج مع جانب من جوانب الخطاب القرآني، باعتبار القرآن جاء ليصدق بعضه بعضاً، ويشهد بعضه على بعض، ولم ليختلف على نفسه فينقض أو يكذب بعضه بعضاً، يدل على ذلك قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4. كما يدل عليه قوله تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا)87/4، (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل)4/33.

إن هذه المبادئ والخطوات قابلة لان تسري في نظائر الخطاب، فهي مطردة في النسق؛ الكوني، والذهني، واللغوي، باعتبار تلك الأنساق وجوها للنسق القرآني.