إن بحث الواقع
الخارجي في القرآن، يهدف إلى إكمال معرفتنا بقدرة القرآن المؤول على إنزال الآيات
القرآنية في كل واقعة حادثة، حيث يستدعي ذلك التساؤل عن كيفية الانتقال بالآية
المتموضعة في دائرة الواقع الخارجي لبحثها في دائرة القرآن، وهذا التساؤل يؤدي جوابه
إلى نموذج تطبيقي يبرهن على وحدة الحقل المعرفي، رغم التنوع والفروق الظاهرية،
التي تتلاشى في الجانب الباطن، لتبدو في المنظار المعرفي ما هي إلا فروق وحدود
وهمية، باعتبار التماثل يوحّد بين تلك الحقول المعرفية في بنية مجردة ويثبت وحدة
السنة الحاكمة لها، بعد ان يرجعها إلى حركة تأويلية بسيطة تتصف بالثبات
والمحدودية، إلا ان التعقيد ينشأ عن تتابع الحركة التأويلية لآيات البنية المجردة
ما يمنح تلك الحركة سمة التطور.
إن الواقع
الخارجي المتصف بالشيئية يرتبط باللغة بعلاقة مرجعية، فأفراد التجمع البشري يتوسلون
باللغة في عملية الاتصال المتبادلة بينهم، ليفهم بعضهم بعضا. فإذا ما تعذرت عملية
التواصل اللغوي في بعض فواصلها، فان المتكلم لإفهام قصده للطرف المستمع يلجأ إلى
الواقع الخارجي، ليعبر من خلال أشكال عدة عن قصده، من تلك الأشكال اعتماده على
الرسوم الإيضاحية والمخططات ليتواصل عبرها، او بالأخرى ليسهل عملية التواصل مع
الطرف المستمع. هذه الطريقة في التواصل تعني ان المتكلم يلجأ لتصريف الإشارات او
الرموز اللغوية إلى ما تؤول إليه من رسوم إيضاحية، او إلى واقع أشيائي مستوى على
الأرض، فهذا نمط من التأويل يفسر به المتكلم رمزيته، بتمثلاتها في الواقع الخارجي،
الذي له صفة مرجعية إليها ينتهي الكلام، حيث ما الكلام لا تمثُل للواقع بصيغة
غايتها تسهيل التعاطي مع الواقع الخارجي، وحينما يكون النص اللغوي في رمزيته أوضح
من رمزية الواقع الخارجي، فان الإنسان يتخذ من النص اللغوي الشارح مرجعا يفسر من
خلاله الواقع الخارجي. فالكتب التي تشرح حقول العلوم على اختلافها، انما تنتصب
كمراجع نرجع اليها في فهم الواقع الخارجي المعني بالتناول في تلك الكتب، من ههنا
نستوعب ما تقدم من قولنا ان اللغة ترتبط بالواقع الخارجي بعلاقة مرجعية متبادلة.
ويتعرض الإمام
علي للعلاقة المرجعية المتبادلة بين النص والواقع الخارجي، والتي تارة يفسر فيها
النص الواقع الخارجي وتارة أخرى يفسر الواقع الخارجي النص، فيقول الإمام علي في
ذلك: «وأما ما في كتابه تعالى في معنى التنزيل والتأويل: فمنه ما تأويله في تنزيله*،
ومنه ما تأويله قبل تنزيله*، ومنه ما تأويله مع تنزيله** ومنه ما تنزيله بعد تأويله*** »، فيعبر عن الواقع الخارجي بالتأويل باعتباره
مفسرا للنص، وعن النص الزامو لذلك الواقع بالتنزيل، وبناء على ذلك يسبق وجود الواقعة
النص فيكون النص بذلك مفسرا حال نزوله، وهو المعبر عنه بان تأويله قبل تنزيله،
وتارة النص يسبق في وجوده الواقعة، فيكون تفسيره المرتبط بالواقع الخارجي مؤجلا
إلى ان تقع الواقعة، وهو المعبر عنه بان تأويله بعد تنزيله. والخبر الوارد عن ابن
عباس: «ان القرآن يفسره الزمان»، يوضح هذا الترابط القائم بين النص والواقع
الخارجي المعبر عنه بالزمان، او بحوادث الزمان، فهناك تطابق بين النص والواقع.
وهذا التطابق هو الذي يعطي النص إمكانية تعبيره عن الحقيقة.
ان ضرورة هذا
التطابق بين النص والواقع الخارجي، هو الذي ينطلق منه الإمام الصادق في مقولته
التي وجهها لأبي حنيفة في حواره معه: ويحك يا أبا حنيفة! ان الله لا يقول إلا حقا****، ورفض الإمام هذا
التفسير باعتبار ان قطّاع الطريق والسرّاق موجودون آنذاك بكثافة في هذا الطريق،
الذي تسلكه قوافل الحجيج المتجهة إلى مكة او الخارجة منها، فوجود أولئك السراق
والقتلة يبدد الأمان الذي يكفل حماية دماء الحجيج من السفك وأموالهم من السرقة، من
هنا ينطلق اعتراض الإمام ليتلخص في التساؤل: اين الاستقرار الأمني الذي تتحدث عنه
الآية في ذلك الطريق السالكة إلى مكة؟ فعدم التطابق بين النص والواقع الخارجي مرفوض
عند الصادق، لانه يتنافى مع المعيارية الحاكمة لعلاقة النص بالواقع، والقائمة على
أساس من التطابق المعبر عن الحق، وصدق الله فيما يقول، اذ قول الله أصدق من كل
قيل. وهو الذي يجعل الإمام يفسر الآية بمصداق مستقبلي في حقبة تاريخية متقدمة عن
زمانه فيها تسود الدولة المهدية فيستتب فيها الأمن والعدل في العالم، بهذا الوجه
يكون قد طابق بين النص والواقع الخارجي، ليحافظ بهذا التفسير على قيمة النص، التي
ينبغي ان تتجلى في صدق المطابقة بينه وبين الواقع الخارجي دائما وأبدا.
الى جانب ذلك،
فان مقولة ابن عباس «ان القرآن يفسره الزمان»، تأتي عكس الاتجاه الأبرز في الفهم
السائد، الذي يرى ان القرآن يفسر الزمان وحوادثه، حيث الروايات التي تصرح بهذه
الفكرة شائعة وتندر الروايات التي تماثل ما ورد عن ابن عباس، ان لم نقل معدومة
ظاهريا وليس باطنيا، حيث مقولة ابن عباس متضمنة في الكثير من الروايات، التي من
جملتها قول الرسول المتقدم: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن»، وقول
الباقر الأنف: «تفسير القرآن على سبعة أوجه منه ما كان ومنه ما لم يكن بعد ذلك
يعرفه الأئمة»[1]، فنلاحظ ان
تفسير الواقع الخارجي في أبعاده الزمنية المختلفة يلتمس من القرآن، فالسلطة
المرجعية في هذه المرويات تسند إلى الكتاب الذي إليه نُرجع الواقع من أجل حل
إشكالياته، بعد ان كانت مقولة ابن عباس تعطي السلطة المرجعية للواقع في علاقته
بالنص. ومقولة ابن عباس تتكامل مع هذا المعنى، حيث لما كان النص هو المرآة التي
ينعكس على صفحتها الواقع الخارجي فيما كان ويكون، فان ما غمض على الفكر المتدبر في
القرآن، يمكن إجلاؤه بالرجوع إلى الواقع الخارجي، لتستوضح الرؤية الغائمة بالنظر
في مرآة النص. وهكذا نجد ان العلاقة بين النص والواقع الخارجي ترتقي لتصل عبر
تبادل المرجعية إلى حد التماهي، المتمظهر في التطابق والتوحد القائم بينهما،
والمعبر في تبادله عن تحول أحدهما بالنسبة للأخر، إلى أصل مُحكم حينما يتموضع
الأخر في موقع الفرع، بما يطرأ عليه من تشابه.
لقد أوضحت
الأوراق المتقدمة من البحث ان القرآن يعتبر نصه نسقا من الآيات، وبنية إشارية تخضع
لحركة تأويلية، وان معالم الحقيقية النصوصية هذه يعممها القرآن على الواقع الكوني،
فهو نسق من الآيات وبنية إشارية، تترادف مع البنية الإشارية القرآنية، ولما كان
التأويل هو تفسير الآية بالآية، فان ذلك يجعل علاقة القرآن بالواقع الخارجي ليست
علاقة غريبة. لان كلا الجانبين هما وجهان لنظام نسقي واحد مؤلف من الآيات
والإشارات، وموقع النص من القرآن هو موقع المرآة من الشيء الواقع في قبالها، فكل
آية في النسق الكوني لها ممثلها في النسق القرآني، وكل آية في البنية القرآنية لها
حضورها في النسق الكوني، مما يجعل البحث عن الحقيقة المجهولة في النسق القرآني
كالبحث عن الحقيقة المجهولة في النسق الكوني، بل ان البحث عن الحقيقة في النسق
القرآني أسهل نسبيا من البحث عن الحقيقة في النسق الكوني، فالأمر بمثابة البحث عن
بعض التفاصيل في الوجه بالاستعانة بالمرآة، فما لا يمكن ان أدركه في وجهي بسهولة،
قابل لان أدركه في وجهي المنعكس على صفحة المرآة، كذلك هو حال القرآن بالمقارنة
مع النسق الكوني، اذا ما أردنا التبسيط.
ويمكن ان ندرك
هذه العلاقة الترادفية بين القرآن والواقع الكوني في قول الإمام الصادق في تفسيره:
(سيروا في الأرض ثم انظروا) قال: «الأرض في الباطن هي القرآن»[2]، فنلاحظ ان
عملية البحث في القرآن هي عملية بحث في الواقع الخارجي دون فرق باعتبار القرآن هو
الرديف والمرآة. الا ان القرآن أبدا لم يأتِ ليطرح البحث في نصه بديلا عن البحث في
الكون، بدليل ان تأويل الإمام الصادق لا ينسخ وجه الكلمة الظاهر، بل يضيف اليها
وجها باطنيا مكملا، ليكون البحث في القرآن يجري إلى جوار البحث في الواقع الخارجي.
لذلك نجد إتباع مدرسة الإمام الصادق كانوا فقهاء في القرآن، إلى جانب فقههم في
حقول العلوم الأخرى، فجابر بن حيان يقوم بتجاربه الكيميائية إلى جانب بحثه في
القرآن، مما يكشف ان العالم كان يجعل اكتشافاته العلمية هي نتاج بحثه في الواقع
الخارجي وفي القرآن في الآن معا.
والتساؤل: كيف يتم الانتقال بالآية من دائرة الواقع الخارجي ليتم
بحثها في دائرة القرآن؟!
لما كانت عملية
التفكير الخاضعة لقواعد التأويل، يستدل فيها بالآية على الآية الأخرى من خلال
التناظر القائم بينها، فإن الانتقال في البحث من الآية في الواقع الخارجي إلى
الآية في القرآن، قائم على المبدأ نفسه، أي اتباع التناظر. فبحث الواقع الخارجي
قرآنياً يتم بملاحظة التناظر بين الآية الطبيعية المراد بحثها، والانتقال منها إلى
الآية أو مجموعة الآيات النظيرة، للنظر فيها لتأليف الرؤية القرآنية في الموضوع
المبحوث. في هذا الإطار يقول تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل
مثل)58/30، (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)89/17، وان الطابع المثلي
للبنية القرآنية، يهدف إلى إعطاء القرآن الشمولية في البيان، وفي ذلك تعليل لقوله:
(ونزلنا عليك القرآن تبيانا لكل شيء)، فمقولة ان في القرآن تبيان كل شيء، مبنية
على ان في القرآن مثال لكل شيء، حيث بالاعتماد على منطق القياس التمثيلي يكون
للقرآن القدرة كي يعرض على نصه كل شيء، حيث نؤول الحاضر بما يؤول إليه من مثال،
وعن ذلك يقول الإمام علي: «وعليه تعرض الأمثال»، فنستطيع بذلك متابعة المثل
المعروض من خلال مثاله القرآني، ويزيد الإمام الباقر هذه الرؤية بيانا في قوله:
«ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم»[3]، لنجد مصداق ذلك
في الآيات المتناولة للدويلة اليهودية في النموذج المتقدم، حيث تابعنا واقع بني
إسرائيل المعاصر من خلال صرف الوجه التاريخي الظاهر للآية إلى وجه باطني يحوي
الرؤية المعاصرة، فاستطعنا ان نصل إلى حقائق يشهد بها التاريخ الحديث، والواقع
الحالي، وبعضها سيثبتها المستقبل الآتي.
ويمكن ان نجد
مثال ذلك من التراث في سؤال ابن الكواء للإمام علي (ع): «يا أمير المؤمنين اخبرني
عن المحو الذي يكون في القمر؟ قال (ع): ...أما سمعت الله تعالى يقول: (وجعلنا
الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)12/17»[4]، فالإمام ينتقل
من الآية الكونية المتمثلة في ظاهرة غياب قرص القمر في ليلة المحاق، إلى الكلمة
النظيرة «المحو» وما تؤول إليه من الليل والظلام فيرجعه إلى الآية المشار إليها.
فهو انتقال من الآية الطبيعية إلى الآية اللفظية القرآنية، أو هو انتقال من عبارة
ابن الكواء اللفظية، إلى عبارة القرآن اللفظية. فحدثت مراجعة لنظائر عبارة ابن
الكواء في القرآن، فهي تتناظر مع الآية في كلمتين «القمر» «المحو» وفيما لم يتلفظ
به مثل «الليل» «الظلام».
فالآية الكونية
أو الطبيعية إما أن نجد آية نظيره لها بين القرآن، فنعتمدها كمطلع لبحث تلك الآية
الطبيعية كموضوع، أو إننا نبحث عما تؤول إليه من وجوه وعناوين تمثلها أشباهها
وملازماتها. فمثلاً في نموذج «الطائرة» الذي
تقدم بحثه نجد لفظة «طائرة» في الآية: (وألزمناه طائره في عنقه)13/17، فهذه
الآية بالإمكان اعتمادها كمطلع لتدلنا على بقية نظائرها من الآيات القرآنية التي
تمثل امتداد الرؤية القرآنية في هذا الموضوع. او بالإمكان الرجوع إلى الآية التي
اشتملت على لفظة «طير» لنعتمدها، او نرجع إلى الآية التي اشتملت على عبارة «كهيئة
الطير» باعتبار ان الطائرة هي كهيئة الطير، أو يمكن الرجوع إلى وجوه أخرى تؤول لها
الطائرة، فهي نظائر وأشباه مثل: السفينة ومصاديقها الدواب المركوبة، أو الريح
باعتبار الطائرة تضاهي الرياح، او السماء باعتبار السماء مجالا للطائرة، فهو من
باب تأويل الشيء بظرفه المكاني، فكلها كلمات قرآنية وكلها وجوه لكلمة الطائرة.
كذلك يمكن بحث موضوع الدويلة الإسرائيلية بالكيفية نفسها بالرجوع إلى بني إسرائيل
كاسم صريح يشير إلى هذه الدويلة، أو الرجوع إلى وجوه أخرى يؤول إليها الاسم
الصريح، مثل يأجوج ومأجوج باعتبار ان بني إسرائيل يشتركون معهم في صفة الإفساد، او
الوجه الضد مثل فرعون لفرعونية الدولة اليهودية، أو الأرض المقدسة أو المسجد الأقصى
باعتبار أن هذين العنوانين يشيران إلى الأرض، التي يحتلها بنوا إسرائيل الجدد،
ويمكن الاسترسال في هذا الاتجاه في عملية تصريف لوجه الموضوع المبحوث إلى وجوهه
وأسمائه التأويلية الباطنية.
ان عملية تصريف وجوه الكلمة او العبارة المراد بحثها قرآنيا للوصول
إلى التسمية التي توجد في ظاهر النص القرآني، يمكن إحرازها بمبدأ (الإبدال
-التكامل)، التي على أساسه تقف الممارسة التي تأولت فيها العرب الشيء بأشباهه
وملازماته. وعلى ضوء ذلك، يمكن توضيح علاقة الآية الكونية بالآية القرآنية من خلال
الرسم الإيضاحي التالي:


فالدائرة الأولى
توضح كيف يمكن إرجاع الآية القرآنية إلى آية خارجية لتفسرها، وهو ما أشار إليه ابن
عباس في مقولته: «إن القرآن يفسره الزمان»، وفي الدائرة الثانية توضح كيف ان الآية
الخارجية عندما تتشابه يمكن الرجوع إلى القرآن ليفسرها، ما يعني في عبارة موازية
لعبارة ابن عباس: «إن القرآن يفسّر الزمان»، إن لآيات القرآن القدرة على تفسير
بعضها بعضاً، كذلك للآيات الكونية إن تفسر بعضها بعضاً، وتلتقي الآيات القرآنية
بالآيات الكونية من خلال هاتين الدائرتين، حيث تبين كلتاهما التفاعل القائم بين
القرآن والحياة، أو بين الحياة والقرآن، في عملية فيها أحد الطرفين فاعل تارة
ومفعول تارة أخرى. والدائرتين كلتاهما تعودان إلى الدائرة الأم التي فيها تفسر
الآية المحكمة الآية المتشابهة، بغض النظر عن صفات أخرى للآيات كالقول انها قرآنية
أو كونية.
نموذج:
لمزيد من الإضاءة
لهذا الرؤية، يمكن تناول موضوع لفائف التبغ «السيجارة» بالبحث، فعناوين هذا
الموضوع ليس لها وجود في ظاهر النص القرآني، ولكن يمكن العثور عليها من خلال بعض
الوجوه التي يؤول إليها الموضوع، والتي تتوفر في النص القرآني، فالهدف الأول من
عملية البحث تحديد التسمية القرآنية الصريحة او التأويلية لعنوان البحث، القائمة
على تسمية الشيء بأشباهه أو بملازماته. ويمكن تحقيق ذلك كالتالي: لفائف التبغ
باعتبارها تستحيل عند احتراقها إلى دخان، فإن «الدخان» يصبح اسماً من أسماء
«السيجارة»، وهو من باب تأويل
الشيء بما هو صائر إليه، و«التبغ» باعتباره نبتة، لذلك أمكن تأويل التبغ بـ
«الشجرة»، ولما كان التبغ عند احتراقه يصدر عنه الدخان، الذي يؤثر برائحته بشكل
خبيث على أجهزة الجسم المختلفة، ليس على المدخن فحسب، وانما على من حوله أيضا، ممن
يسمون بالمدخنين السلبيين، فإن بالإمكان تسمية «السيجارة» اسماً تأويلياً يعتمد
على صفتها فهي «الخبيث»، ويمكن إنشاء تسمية مركبه هي «الشجره الخبيثة»، وهذه
التسميات كلها يتبناها القرآن، ويمكن الانطلاق منها في عملية البحث ليكشف البحث عن
وجوه أخرى تؤول اليها هذه الأسماء.
فيمكن اعتماد
قوله تعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة)26/14، لتصبح هذه الآية مطلع البحث،
الذي يقرر ان من الأشجار والزروع ما هو خبيث، ولما عرفنا ان شجرة التبغ يمكن ان
تسمى بهذا العنوان، أمكن فهم الحكم من خلال إرجاع هذه الآية إلى نظيرها الدال
عليها: (ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث)157/7، فيتضح ان الحلال والحرام
يسري في النباتات والمزروعات، ومثل الخبيث من المزروعات «السيجارة»، لذلك هي واقعة
في دائرة التحريم. ولكي نصادق على هذه النتيجة، نحتاج إلى المزيد من البيان
القرآني في هذا الموضوع، رغم إننا بالإمكان دمج الآيات المتقدمة في بعضها لتقرأ:
”وكلمة خبيثة كشجرة خبيثة وحرّم عليكم الخبائث ”.
قوله: (ومثل كلمة
خبيثة كشجرة خبيثة) حين نرجعها كآية متشابهة إلى الآية المحكمة: (كبرت كلمة تخرج
من أفواههم ان يقولون إلا كذبا)5/18، مما ينشىء رابطاً تفسيرياً بين الآيتين
المتناظرتين، يتلخص في اعتبار الكذب كلمة خبيثة، وبتأويلها بالشجرة الخبيثة يجعل
صدورها عن الأفواه، لن يكون إلا بما ستصير إليه من دخان. ولكي لا نستعجل هذه
النتيجة نرد الآية الأخيرة: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا كذبا)، إلى
النظير: (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا)50/4، فهذه الآية
ترادف بين «الكذب» وبين «الإثم المبين» بعد ان تم الترادف بين «الكذب» و«الكلمة
الخبيثة» وبرد الآية الأخيرة في عجزها (وكفى به إثما مبينا) إلى قوله تعالى:
(بدخان مبين)10/44، نستطيع ان نكتشف الترادف فيما بين «الإثم» و«الدخان».
وتأسيسا على ذلك،
يمكن العودة إلى الآية: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا)، فـ
«الكلمة» تؤول إلى «الدخان»، و«الكذب» يؤول إلى «الإثم» وبالاستعانة بقوله: (كانت
تعمل الخبائث)74/21، نستطيع قراءة الآية: ”كبر دخان يخرج من أفواههم ان يعملون إلا
إثما”، حيث تأولنا «الكلمة» في الآية بـ« الكلمة الخبيثة»، التي تؤول إلى الكذب،
الذي بدوره يؤول إلى «الإثم المبين»، فـ« الدخان المبين»، ونعوض بدل «الكذب»
بالوجه المناسب، الذي يتحدد بـ «الإثم».
ويمكن رد هذه الآية إلى قوله تعالى: (قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر
منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)33/7، حيث «الإثم» نفهمه بوجه باطني يتحدد
في «الدخان: السيجارة»، كما يدخل تحت هذه التسمية الكذب باعتباره إثما، ويمكن
القراءة بالتعويض: ”إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والدخان والبغي بغير
حق”.
وقوله: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا كذبا)، اذا فهمنا
«الكلمة» بمعناها الباطن، أي «الكلمة الخبيثة» التي تؤول إلى «الكذب»، الذي يؤول
بدوره إلى «الإثم»، او قرأناها بالتعويض، الذي يحوّل الوجه الباطن إلى ظاهر،
فنقرأ: ”كبر دخان يخرج من أفواههم ان يعملون إلا إثما ”، فإن هذه الآية توضح ان
التدخين للسيجارة من كبائر الإثم كالكذب. حيث من كلمة «كبرت» يمكن الرجوع إلى قوله
تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم)32/53، والى قوله: (ان
تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)31/4، فهذه الآيات يندرج فيها
التدخين تحت عنوان الكبائر كالكذب، والزنى، واللواط، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (التي
كانت تعمل الخبائث)74/21، حيث الحديث عن قرية لوط، فسمى اللواط بالخبائث، كما اطلق
التسمية ذاتها على التدخين، ثم أصدر الحكم على الخبائث بالقول: (يحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث)157/7.
واذا ما أردنا التعويض في قوله تعالى: (انظروا كيف يفترون على الله
الكذب وكفى به اثماً كبيرا)، يمكن ان نكمل معنى الآية اولاً بالآية النظيره: (ولا
تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)116/16،
حيث نقرأ بالاكمال: ”انظروا كيف يفترون على الله حلّية الكذب وكفى به اثما كبيرا”،
وهذه الآية يمكن قراءتها قراءة باطنية في الموضوع المبحوث، أو بالاحرى تحويل الوجه
الباطن للاية إلى وجه ظاهر: ”انظروا كيف يفترون على الله حليّه التدخين وكفى به
اثماً كبيرا”. وإصرار المدخنين على التدخين، او إصرار البعض على حلّية التدخين
يجعله مصداقاً لقوله: (واذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس
المهاد)206/2، حيث نفهم «الإثم» بمعنى باطني هو «التدخين»، كما يمكن التعويض
بالوجه الذي تؤول اليه كلمة «الإثم» فنقرأ: ”اذا قيل له اتق الله أخذته العزة
بالتدخين فحسبه جهنم ولبئس المهاد”.
يهدف هذا البيان المسهب إلى المزيد من التفصيل، الذي يصادق على النتيجة المستنبطة، فاظهر القرآن الحُكم بحرمة التدخين في أكثر من موقع، وإنزال أكثر من آية. وفي المحصلة النهائية نجد أننا نعتمد التناظر في انتقالنا من الآية الخارجية إلى الآية القرآنية المناظرة. ويلعب مبدأ التبادل- التكامل اللغوي، المتمظهر في جواز تسمية الشيء بأشباهه وملازماته دوراً أساسياً في التأسيس لعملية التصريف، الهادفة لتحديد الوجوه التي يتبناها القرآن. بمنظار أخر، نجد اننا نعبر عن الآية الكونية بعبارة لغوية، لنجعل البحث التأويلي ينطلق من الآية اللفظية إلى الآية القرآنية المناظرة، وفي ظل هذا الفهم يصبح بحث الموضوع الخارجي، الذي يمثل ظاهرة كونية، خاضعا تحديد مطلعه للتصريف اللغوي.
الهوامش والمصادر:
* نظرية المعرفة في
هذا العنوان ليست هي نهائية لأننا سنقف في الكتاب الثاني من سلسلة القرآن المؤول
على النظرية في أبعادها التي تتخطى هذا الطرح الأولي، فنكتشف ما يترتب عليه من
بناءات تمنحه أبعاده الحقيقية.
*
يقول عليه السلام: «فأما الذي تأويله في تنزيله فهو كل آية محكمة نزلت في تحريم أو
تحليل شيء من الأمور المتعارفه التي كانت في أيام العرب، تأويلها في تنزيلها فليس
يحتاج فيها إلى تفسير أكثر من تأويلها وذلك قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم
وأخواتكم..)، وقوله: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)، وقوله: (اتقوا
الله وذروا ما بقي من الربا - إلى قوله - وأحل الله البيع وحرم الربا)، ومثل ذلك
في القرآن كثير مما حرّم الله سبحانه، لا يحتاج المستمع إلى مسألة عنه...، (وإذا
حللتم فاصطادوا)... (أحلت لكم بهيمة الأنعام)..، ومثل هذا كثير في كتاب الله.
*
«وأما الذي تأويله قبل تنزيله فمثل قوله تعالى في الأمور التي حدثت في عصر
النبي(ص)، مما لم يكن فيها حكم مشروح، ولم يكن عند النبي فيها شيء، ولا عرف ما وجب
فيها، (..) مثل ذلك الظهار (كحدث وقع قبل مجيء التنزيل).
** «وإما
ما تأويله مع تنزيله، فمثل قوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين)، فيحتاج من سمع هذا التنزيل عن رسول الله أن يدل عليهم، ويجب على الأمة
حينئذ امتثال الأمر، ومثله قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم)، فلم يستغن الناس في هذا المعنى بالتنزيل دون التفسير كما استغنوا بالآيات
المتقدمة التي ذكرت في آيات ما تأويله في تنزيله.. حين بين لهم رسول الله (ص)، ان
الولاة للأمر الذي فرض الله طاعتهم من عترته المنصوص عليهم.»
*** «وأما ما تنزيله بعد تأويله فهي الأمور التي
أخبر الله عزّ وجلّ رسوله (ص) إنها ستكون بعده، مثل ما أخبر به من أمور القاسطين
والمارقين والخوارج، وقتل عمار جرى ذلك المجرى، وأخبار الساعة والرجعة وصفات
القيامة، مثل قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله لا ينفع نفسا
إيمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في إيمانها خيرا،..(ولقد كتبنا في الزبور
من بعد الذكر إن الأرض يرثها عبادي الصالحون)،..(الم غلبت الروم في أدني الأرض وهم
من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)، فنزلت هذه ولم يكن غلبت، وغلبت بعد ذلك.»
(راجع: الشريف المرتضى، رسالة المحكم والمتشابه، ص 78-96 ).
**** كان سياق هذه المقولة، هو سؤال الإمام الصادق لأبي حنيفة عن تفسير
قوله: (.. وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) أي موضع هو؟ فأجاب
أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة» وقد تقدم ذكره.