تدافع الحق والباطل

ويبقى التساؤل: ما هو المهماز الذي يبعث الدائرة على الحركة التطورية التي من خلالها تُعقد إنتاجها، ولا تتوقف على اجترار ذاتها والثبات على بساطة إنتاجها؟ ان الوقوف على الحقيقة التي تعطي الدائرة وظيفتها النهائية المتلخصة في تطوير مكونات البنية الإشارية يتم بملاحظة العلاقة القائمة بين طرفي الدائرة التأويلية، فحين نلحظ علاقة الضعف (: المتشابه) بالقوة (: المحكم)، يمكن ان نكتشف ان هذه العلاقة المؤسسة للحركة التأويلية قائمة على مبدأ التزاوج المنبثق عن التماثل والتكامل، كما لاحظناهما في إطار النص. وهو المبدأ الذي يعلنه القرآن في قوله: (خلق لكم من كل شيء زوجين)، كما انها قائمة على مبدأ التضاد والتدافع المتجسد في هذين الركنين من خلال التقابل بينهما. فالمتشابه يعرف بانه المضطرب، الظاهر، الباطل، والضعف،.. بينما يعرف المحكم بانه الثابت، الباطن، الحق، والقوة،.. فبين هذه الصفات تقابل وتضاد، فكل آية في البنية تنشأ فيما بينها وبين الآيات التي حولها علاقة زوجية تتكامل من خلالها تلك الأزواج من جهة وتتضاد من جهة أخرى، ومن خلال التكامل والتدافع تنتج الحركة التأويلية.

فعن مبدأ التزاوج ينتج الاستقرار، وعن مبدأ التدافع بين الزوجين ينتج التطور، فهناك نزوع في كل طور من الأطوار التي تمر بها الآية إلى ان تبقى في وضع مستقر يكفله مبدأ التزاوج: (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها)21/30، فالسكينة والاستقرار لازم لمبدأ الزوجية. بينما نجد هناك نزوع أيضا في كل طور من الأطوار إلى الخروج من الحالة المستقرة إلى طور مستحدث أكثر تقدما، فينشأ عن النزوع للاستقرار من جهة، والنزوع إلى التغيير من جهة أخرى، حالة من التجاذب والتدافع بالشد في اتجاهين متضادين، تفضي إلى إحباط الانتقال إلى الطور الثاني او إنجاز الانتقال والتحول، إلا ان ميلاد الطور الثاني وحدوث التطور حتمية لابد منها، وان حدثت النكسات نتيجة النزوع نحو الاستقرار.

فالحركة التأويلية تتولد عن التدافع بين ركنيها، حيث ينتهي بانتصار الحق وإزهاق الباطل. وهذا التصور يبلور القرآن معالمه، عندما يوضح ان البنية الإشارية الكونية تتصف بان لها وجها ظاهرا وأخر باطنا، وهما ما قد يعبر عنهما بالغيب والشهادة، كما نقرأ في قوله: (عالَم الغيب والشهادة)59/22، وهو المعبر عنهما في مقولة الإمام علي بالظاهر والباطن في قوله: «ان أولياء الله نظروا إلى باطن الدنيا اذ نظر الناس إلى ظاهرها بهم علم الكتاب - ظاهره أنيق وباطنه عميق - وبه علموا»، فالبنية القرآنية تتصف بان لها وجها ظاهرا مشهودا وأخر باطنا مغيبا. وحين يقول سبحانه: (يقذفون بالغيب من مكان بعيد)53/34، فان المقذوف هو الجانب المشهود الذي لا تشير اليه الآية، الا انه يمكن تحديده باعتباره هو المقابل للغيب. و(الغيب) المعبر عنه بالحق الذي يقذف به الجانب (المشهود) المعبر عنه بالباطل، وهما اللذان يذكرهما قوله: (نقذف بالحق على الباطل)18/21، لينشأ عن هذا القذف قوله: (جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا)81/17، فالقذف والإزهاق تعبير عن التدافع القائم بين طرفي الدائرة التأويلية بلحاظ تضادهما.

وهو المبدأ الذي يمكن التحول به إلى الجانب الظاهر من البنية، لنجد تمثله في الحقل الإجتماعي يتجلى في صورة من صوره بما يرويه قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)251/2، فهناك المؤمنون وفي قبالهم الكافرين، يمثل الفريق الأول الحق بينما يمثل الفريق الثاني الباطل، وهو قوله: (ذلك بان الذين كفروا اتبعوا الباطل وان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم)3/47، فنجد النزوع إلى الاستقرار وإبقاء ما كان على ما كان، هو النزوع الذي يمثله الفريق الكافر، وهو ما يعبر عنه قوله: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا لى أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون)23-24/43، وتبرز نزعتهم المقاومة الآية: (وانطلق الملأ منهم ان امشوا واصبروا على ألهتكم ان هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ان هذا إلا اختلاق)7/38، فهي دعوة للصبر والتمسك بالواقع القائم بـمـُثُله وقيمه ورفض، أي تغيير برفض دعوة التحديث والإصلاح التي تمثلها حركة الأنبياء، التي تمثل النزعة المضادة الرامية إلى التحديث والتجديد ونقل الأمة إلى طور اخر. فهناك انشغال للعقول والقلوب بالفكرة التقليدية ( لاهية قلوبهم )، فبالتالي غير مستعدة لتقبل الفكرة المحدثة البديلة: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية
قلوبهم)2-3/21، وهي الفكرة المحدثة الداعية إلى الإصلاح: (إن أريد إلا الإصلاح)88/11، إلا ان حتمية انتصار دعوة الإصلاح كدعوة حق والانتقال إلى الخطوة التطورية التي تمثلها تلك الدعوة هو ما يؤكده قوله: (قل للذين كفروا ستغلبون) 12/3، وقوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)21/58، حيث مفهوم (كتب) يعبر عن السنة في ثباتها وعدم إمكانية تحولها او تخلفها، فالتطور والانتقال يحتم الله حدوثه، ولكن بعد جهد وتضحيات وانتكاسات، ولكنه يحدث مهما اتصف بكارثية التحول، ويقص القرآن ذلك في الكثير من الآيات، كما في قوله: (فلما استيأس الرسل وظنوا انهم كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين)110/12. وكتطبيق لفكرة هذه الآية يأتي قوله في فرعون: (فأراد ان يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا، وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض)103-104/17. فأزهق الباطل الذي يمثله فرعون والفريق الكافر الداعي على إبقاء الأوضاع السابقة على حالها، وانتصر الحق المتجسد في الفريق المؤمن، المعبر عن الدعوة التجديدية، وبهذا الانتصار أنجز التحول بحلول الفريق المحق بديلا أمثل عن الفريق المبطل.

بهذا نجد ان آلية عمل الدائرة التأويلية، التي تخضع لها البنية المتداكة بجميع تظاهراتها الكونية، اللغوية، الذهنية، القرآنية، تمثل النظام المتصف بالثبات من جهة، وبالتطور من جهة أخرى، وهو التطور الذي يولد التدافع بين أطراف العلاقة الزوجية وهي العلاقة التي تحكم كل آيات البنية المتداكة، فكل العلاقات القائمة بين آيات البنية المتداكة هي علاقة زوجية. بكلمة أخرى ان كل آية في البنية تنشأ فيما بينها وبين الآيات، التي حولها علاقة زوجية تتكامل من خلالها تلك الأزواج من جهة، وتتضاد من جهة أخرى، ومن خلال التكامل والتدافع تنتج حركة الحياة في تطورها.

هذه الحركة التأويلية التي تعبر عن حركة الآيات في إطار السنة، هي حركة ثابتة قسرية، قابلة لان تفسر الآيات على اختلافها، وبغض النظر عن البنية التي تنتسب إليها، بعد ان جعلت المرجعية للبنية المتداكة. فحينما نطبق الحركة التأويلية في مجال الفكر او النص او الكون، نجد ان كل هذه البنيات تبدأ بالتطور والتفصّل، وهو التفصيل الذي يعبر عنه في دائرة النص والفكر بالتفسير، فالآية المتشابهة بإدخالها في الدائرة التأويلية تبدأ تحكم وجوهها وتتفصل وتنحو نحو التعقيد والتدقيق، والنص يتمدد من خلالها، وكذلك هو النسق الكوني من خلال الحركة التأويلية لآياته يبدأ بالتعقّد، فالحياة انطلقت من بداية محفوظ آثارها حتى يومنا هذا، واستطاع الإنسان المعاصر من خلال تتبع تلك الآثار والآيات، استقراء واكتشاف العمليات التطورية الناتجة عن الحركة التأويلية، التي جعلت الكون يرتقي في مظاهره إلى هذا المستوى من التعقيد والتطور.