الحركة بين الثبات والتطور

نستنتج مما تقدم، مسئولية الحركة التأويلية، كحركة ارتجاعية، عن عودة الآية إلى النقطة التي ابتدأت منها انطلاقتها، فالشجرة التي تنطلق كبذرة تعود في نهايتها لإنتاج الثمرة، التي تنطوي على البذرة، ليعود الأمر كما بدأ. ثم تعيد البنية إيجاد الظاهرة على أساس حركتها منتهجة مسار الحركة السابقة: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة)، وهذا ما يجعل الحركة التأويلية متصفة بالثبات، فيها يعود الأمر كما بدأ. إلا ان الحديث عن اتجاه الحركة التأويلية لآيات البنيات، إلى نفي الفساد وتثبيت الصلاح في صيرورتها في عمق الزمن، هو الذي يدعو للحديث عن الصفة التطورية الكامنة وراء الصفة الثابتة للحركة التأويلية، التي أوهم الحديث المتقدم بانها حركة اجترارية، في الوقت الذي فيه تستبطن في أعماقها آلية تطورية، كما في قوله تعالى: (وقد خلقكم أطوارا)14/71، حيث آيات الخلق تمر في أطوار، وهذه الأطوار هي التي تعبر عن الحركة التطورية.

ولا يفقد الباحث النماذج القرآنية التي تشرح حقيقة الدائرة التأويلية في وجهها الثابت والاخر التطوري، فالقرآن تحدث عن الإنسان كاية من آيات النسق تمر بأطوار، وتعبر عن الحركة التطورية: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبا)54/30، فالإنسان يتحرك في نموه في إطار حركة ارتجاعية، تتردد بين الضعف والقوة، فيعيش الإنسان في طور الطفولة حالة الضعف، ثم يحيا في طور الشباب والرجولة طور القوة، ثم يعود إلى طور الضعف الذي منه انطلق حيث يعاني من الشيخوخة، وتنعكس حالة القوة والضعف على كيانه وقدراته. فإذا ما أخذنا قدرته العقلية، مثلا، وقارنا بين مرحلة الإنسان في طور الطفولة، الذي هو طور ضعف، بمرحلة الشيخوخة الذي هو الأخر طور ضعف، نلاحظ في جانب من الجوانب وحدة هذا الطور في خصائصه، فنلاحظ ذلك في قوله عن قوى الطفل العقلية: (هو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)، ثم حين يتحدث عن طور الشيب والشيخوخة يقول: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا)70/17، فنلاحظ ان مرحلة الشيخوخة التي تمثل النهاية يعود فيها الإنسان كما بدأ في مرحلة الطفولة لا يعلم شيئا، فنستنتج ان مرحلة الشيخوخة تساوي مرحلة الطفولة، وانهما فعلا مرحلة واحدة لها سماتها، وهي الوحدة المعبرة عن الوجه الثابت للحركة التأويلية.

 بناء على ذلك، نرى ان الدائرة مؤلفة من طور القوة وطور الضعف، إلا ان هذه الحركة التأويلية الارتجاعية المترددة بين طور الضعف والقوة لا تنفي طابع الحركة التطورية، فمرحلة الطفولة هي مرحلة ضعف، ولكن ليست هي مرحلة الشيخوخة، التي نظرنا إليها انها هي مرحلة الضعف الأولى ذاتها، فهذه الأخيرة طور متقدم، يتجاوز طور الطفولة الذي هو طور بدائي، وبالتالي ينبغي ان يقود إلى طور قوة. ولكن كل طور من الأطوار التي يتقدم فيها تعطيه خصائص تطورية. فيتضح ان دائرة السنة لها وجهها الظاهر الثابت الذي يمتاز بحركته الاجترارية المترددة بين الضعف والقوة، الا ان وراء هذا الوجه الظاهر المتصف بالثبات في تردده، وجه باطن فيه الحركة التأويلية لها وجهها التطوري، الذي يحيل ذلك التردد إلى سُلّم تطوري، فيها يغدو طور الضعف اللاحق غير طور الضعف السابق، لما يمثل الطور اللاحق من خطوة متقدمة عن الطور السابق، وهي الحقيقة ذاتها التي تنطبق على طور القوة اللاحق بعلاقته بطور القوة السابق.

ولكي نزيد الرؤية جلاء، نقدم نموذجا اخر، في الإطار الاقتصادي الذي يخضع للعملية التطور ذاتها، في حركة مترددة بين القوة والضعف، نجده في تفسير يوسف لرؤيا العزيز، وهو ما يحكيه قوله تعالى: (يوسف ايها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي ارجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله الا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)46-49/12، ففي هذا النص أوضح يوسف ان سبع سنوات ستمر على الاقتصاد المصري تتسم بالقوة والازدهار، ثم تتلوها سبع سنوات أخرى، تتصف بالضعف والانحسار، ثم تتلوها سبع سنوات يعود فيها الاقتصاد إلى القوة والازدهار مجددا، ثم تعود سبع سنوات من الضعف. الا ان يوسف لم يشر إلا إلى السنة الأولى من السبع الثالثة، إلا ان الذي يدل على سباعيتها وما يعقبها من سبع تمثل الضعف، هو تكرر السبع أربع مرات، سبع سمان، سبع عجاف، سبع خضر، سبع يابسات، وهو ما يمكن التطرق إلى معالجته في غير هذا المحل. فهذا يدل على ان الاقتصاد يخضع للدائرة التأويلية التي تتردد بين الضعف والقوة، فالاقتصاد يمر بمرحلة من الازدهار وأخرى تمثل مرحلة من الركود، وهذا لا يقتصر على الاقتصاد المصري في الحقبة التاريخية الفرعونية، كما يشير النص، وانما ذلك التردد حقيقة عامة، حيث الحركة التأويلية للاقتصاد على امتداد التاريخ، بما يستوعب التاريخ الاقتصادي الحديث، يدل على تعاقب مراحل الضعف والقوة على الاقتصاد بصفته؛ المحلية او الإقليمية او العالمية. فهذه حقيقة تتصف بالثبات.

نموذج اخر، نجده في المجتمعات الإنسانية فهي الأخرى تخضع للحركة التأويلية التي تجعل بنيات المجتمعات تتعاقب عليها مرحلتا الضعف والقوة، مثال ذلك قوله تعالى في بني إسرائيل: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلنّ علوّاً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، ثم رددنا لكم الكرّة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا، ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها، فاذا جاء وعد الآخرة، ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ويتبروا ما علو تتبيرا، عسى ربكم ان يرحمكم، وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا)4/17، فالآية تشير إلى ان المجتمع الإسرائيلي سيفسد مرتين، وتحديد هذا الإفساد في مرتين لابد ان يتخللهما الإصلاح مرتين، لتنتج ظاهرة الدائرة التأويلية، التي تتألف من الإفساد الإصلاح، كردائف للقوة والضعف. وعزز النص هذه الحقيقة بالبيان حين أظهر بان المجتمع الإسرائيلي في حالة الافساد تتجلى فيه مظاهر الضعف كتعرضه للغزو والاستلاب، بينما في حالة الإصلاح يسترد قوته ويهزم الغزاة، ثم تصرح الآية بان المجتمع ان أحسن أحسن لنفسه وان أساء فلها، ليتبين ان الإحسان هو صفة للمرحلة التي فيها تتصف بنية المجتمع بالقوة، وان الإساءة هي صفة للمرحلة التي فيها تتصف بالضعف، وتتعرض للغزو.

وهذا يثبت الاستنتاج المتقدم الذي قررنا فيه؛ ان إفساد المجتمع مرتين يعني ان هناك مرحلة تتصف بالإصلاح أعقبها إفساد، ثم أعقب الإفساد إصلاح ثم إفساد، وهذا يبين ان هناك حركة ارتجاعية تأويلية تدور رحاها، وتقلّب المجتمع بين مرحلتي الضعف والقوة. وهذا ما يؤكده قوله: (وان عدتم عدنا) حيث تعني ان عدتم للإفساد عدنا بتسليط الغزاة عليكم، كلازم من لوازم مرحلة الضعف، ويصادق على هذا الفهم قوله: (واذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ان ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم وقطّعناهم في الأرض أُمماً)16/7، فالآية تشير إلى الحركة الدائبة للمجتمع بين مرحلة الضعف، التي فيها يغزا، ومرحلة القوة، التي فيها ينفي عناصر الضعف عنه، فكان ذكر مرحلتين إشارة  إلى الحركة الدائبة المترددة بين طرفين. وهذه الرؤية لا تنطبق على المجتمع الإسرائيلي فحسب، بل تشمل المجتمعات الإنسانية بأسرها.

هذه النماذج الثلاث التي تنتمي إلى الأطر؛ البيولوجي، والاقتصادي، والاجتماعي، كلها تعبر عن الدائرة التأويلية في اطرادها، وحكمها لكل الظواهر التي تعيشها الآية، أي آية، وهي الدائرة التي تجعل المجتمع مترددا بين القوة والضعف، الا انها في ترددها ذاك هي تنحو منحى تصاعدي بتردد مراحل الضعف والقوة على محور التطور. وتطرد هذه الحركة التأويلية التي تمثل نظام البنية المتداكة في الأشكال الفعلية، التي تعبر عنها البنية المتداكة، التي تخضع لهذا المفهوم من القوة والضعف، الحياة والموت، الباطن والظاهر، الحق والباطل.

وهكذا يمكن عرض الدائرة التأويلية في وجهها الظاهر الممثل للحركة التأويلية المتصفة بالثبات والاجترار، ثم نفكك تلك الدائرة ونعدم وجهها الظاهر بطمسه، لنعبر إلى الوجه المستبطن الذي يكشف عن الحركة التأويلية في صفتها التطورية، هذا الوجه الظاهر وما يؤول إليه من باطن هو الذي نستعرضه في الرسم الإيضاحي التالي:

الدائرة التأويلية في الوجه الظاهر متكورة على بعضها يمثل جزؤها العلوي قمة وجزؤها السفلي قاعا، فالقاع يشكل طور الضعف (: المتشابه)، بينما القمة تشكل طور القوة (:المحكم). فحركة الدائرة التأويلية الثابتة بالإمكان ان تفكك بالفصل بين القاع والقمة، ثم الوصل بينهما ليصبح الشكل بمثابة الموجة، فتتجلى الحركة التطورية للدائرة، وهو الوجه الباطن، حيث هذا الشكل الأخير للدائرة يمكن من خلاله تصوّر الحركة التطورية، التي تستبطنها الدائرة التأويلية في وجهها الظاهر. اذ تعاقب هذه الأطوار في عمق الزمن ينتج عنها حركة تطورية؛ يضيف فيها الطور المتقدم ما لم يوجد في الطور السابق، في عملية متدرجة وتراكمية تتبلور بصورة واضحة مع مضي الزمن، بالصيغة التي يمثلها الشكل التالي:

والخط المحوري الذي تتمحور على جانبيه الحركة التطورية للدائرة التأويلية في انطلاقته في الاتجاهين، لا يعبر عن اللاتناهي من خلال امتداد مستقيم، إلا أن يكون ذلك الامتداد اللامتناهي امتدادا دائريا. بمعنى ان الحركة التطورية هي في الحقيقة حركة دائرية، كما تعبر عنها الدائرة في شكلها الأول الممثل للوجه الظاهري للدائرة، فهذا الشكل لا يخرج الحركة التطورية للدائرة التأويلية عن الحركة  الارتجاعية، فكل ما في الأمر انه يبرز الحركة التطورية الكامنة التي لا تبدو ظاهرة في الشكل الأول، إلا أن الحركة التطورية تأخذ صيغة دائرية الشكل، كما في الرسم الإيضاحي التالي

 

هنا نلاحظ أيضا، ان الدائرة التأويلية تعبر عن ركنيها بالضعف والقوة تارة، كما مر في قوله: (هو الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبا)، وقد تعبر عنهما بعناوين رديفة، كالحياة والموت في قوله: (كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم يميتكم ثم اليه ترجعون)28/2، فهي عملية تعاقب للموت والحياة، حيث الضعف يؤول بالموت والقوة تؤول بالحياة. ونفهم معنى الرجوع إلى الله، الواردة في خاتمة الآية، بانه رجوع إلى الحق، بناء لقوله: (ذلك بان الله هو الحق)، وصفة الحق انه يبدئ ويعيد، كما يقول تعالى: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) 49/34، وهذا يرجعنا إلى تمظهر الله وتجليه في هذه الآلية، التي فيها يكون الحق والباطل، الموت والحياة، الضعف والقوة، يتدافعان ويتكاملان، فنفهم ان الكون خاضع لظاهرات الموت والحياة، حيث تعبر ظاهرة الموت عن التفكك، بينما تعبر ظاهرة الحياة عن التراكب.