الدين: حركة مجردة

نستنتج مما تقدم، ان النظر إلى السنة في تجلياتها في كل إشارة من البنية وحكمها لكل ظاهرة كونية توقفنا على سنن غير قابلة للحصر، ولكن حين نتعمق في دراستنا لتلك السنن فإننا نكتشف صيغتها العامة، التي تمثل السنة كنظام عام ومسار موحد تخضع له البنية المتداكة. هذا النظام العام يتجلى في الحركة الارتجاعية للدائرة التأويلية التي تمتاز بالثبات، وهي التي يصطلح عليها القرآن باسم الدين، حيث ما الدين الا خط مستقيم: (قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما)616/6، تلتئم بدايته بنهايته فيشكل دائرة، تتصف حركتها بالثبات، ونجد تقرير حقيقة الدين كمسار عام متصف بالثبات في قوله: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)30/30، فالدين هو الفطرة التي تعرف بالخلقة: (فاطر السموات والأرض)14/6، فالكون مفطور على أساس من الدين كنظام، فوصف الدين بالقول: (لا تبديل لخلق الله)، يشير إلى الدين كمسار عام يتمظهر في شبكة من السنن المتصفة بالثبات، وهو ما يقرره قوله: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)43/35، لتصبح أي عملية تبديل في الكون خاضعة للمعرفة بالدين كبنية تحتية تقوم على قاعدتها البنية المتداكة بوجوهها الظاهرة. فالدين عنوان لنظام البنية المتداكة، ولافتة يشخص بها المسار العام، وطبيعة الحركة التي تجترحها كل آيات تلك البنية.

ولما تنتفي عن الدين، الذي هو خط السنة العام، إمكانية التحول والتبدل يُمنح الدين قسريته التي يمارسها على مكونات البنية، فيخضعها لتغدو في إطاره مستسلمة، ومن هذا الاستسلام اشتق للدين اسمه: (ان الدين عند الله الإسلام)19/3، لذلك يتحول الإسلام إلى دين لكل آية من آيات البنية الكونية، فكلها مسلمة، ويقرر هذه الحقيقة قوله: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها واليه يرجعون)83/3،  فيتضح من وصف (طوعا وكرها) قسرية الإسلام كنظام يحكم البنية المتداكة فتخضع كل مكوناتها له لتعيش حالة التسليم والاستسلام دون استثناء، ومن هذه الحالة المستسلمة تعبر البنية عن إسلامها، ويمنح الدين عنوانه الذي يعرف به.

وهذا الخضوع والتسليم لمكونات الوجود طوعا وكرها في انتظامها في مسار الدين، هو الذي تعبر عنه آية أخرى بالسجود، كما في قوله: (لله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها)15/13، فيرادف السجود في هذه الآية اسلم في الآية المتقدمة. ولكي يبين لنا القرآن، في مشهد تفصيلي، هذا الانقياد لنظام الدين كسنة قسرية، يلجأ لذكر بعض مكونات البنية الكونية، فيقول تعالى: (الم تر ان الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهين الله فما له من مكرم) 184/22، ففي هذه الصورة يبين الله سبحانه كيف يتجلى معنى طوعا وكرها. فالنظام العام لبنية الكون في قسريته المفروضة تخضع له آيات البنية وما يخرج عن النظام فان نظام العقوبة يفرض على الآيات المنحرفة الكبت المعبر عنه (بالإهانة )، او الاستئصال بحيث لا يبقى لها وجودا، وفي الحالتين (ليكون الدين كله لله)، وهذا ما توضحه الآية في حديثها عن كثير ممن حق عليه العذاب، والذي من صوره الحروب التي بها يستأصل الإسلام كنظام كوني كل من خرج عليه، فيكرهه على الدخول فيه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)251/2، فالهدف من هذا التدافع الذي له في كل عصر حضوره وتجلياته، ان يكون الدين كله لله، كما يقول تعالى: (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)193/2، فيكافح النظام الكوني الفتنة والإفساد مكافحة ذاتية تقوم على الاستئصال بواسطة كوارث طبيعية كالطوفان والزلازل، او كوراث حضارية بظهور الأنظمة الاستبدادية، والحروب الأهلية، او تسليط الغزاة، هذا فيما يتعلق بالبشر، ويطرد عند تجرده في آيات البنية المتداكة.

لقد وصفت البنية الكونية بانها بنية مسلمة او مستسلمة، وهو الاستسلام الذي عبر عنه بالسجود، وهذا السجود بدوره نجد آيات أخرى تعبر عنه بتعابير عدة منها الإيمان، حين تعرّف الساجد بالمؤمن في قوله: (إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خرّوا سجدا وسبحوا بحمد ربهم)15/32، فتعزز صفة الإيمان صفة الإسلام التي وصف بها الكون، فآيات الوجود هي مسلمة مؤمنة. وهذا الإيمان يحدد طبيعة حركة آيات الكون وما تتصف به، فالمؤمن هو الذي وصف بالقول: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)30/45، فتكشف هذه الآية ان الإيمان ينبثق منه العمل المتصف بالصلاح، وان البنية الكونية في اتصافها بالإيمان تعمل على تثبيت الصلاح، مما يعني ان الحركة التأويلية للكون الممتازة بالثبات طابعها إصلاحي.

وحركة الكون المسلمة التي تعمل على تثبيت الصلاح، تعمل في الوقت ذاته على نفي الفساد: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)85/7، فهذا الخطاب له حضوره العام الشامل في كل مكونات النسق، حتى لو كان الخطاب موجها في ظاهره للبشر، اذ ما البشر في بنية الكون المجردة الا آيات تسري عليها خصائص النسق العامة. فالآية تحدد طبيعة الحركة المسلمة لآيات الكون فهي حركة تنحو نحو إثبات الصلاح ونفي الفساد، ولا يعني الفساد إلا التخلف عن الشروط التي يفرضها الكون على آياته، ولا يعني الصلاح إلا كفاءة الآية في تأقلمها مع الظروف والشروط التي تخلقها الحركة، وهي تتقدم في أطوراها، والى كل ذلك يشير قوله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون)105/21، حيث مفهوم العباد يصدق على كل مكونات البنية المتصفة بانها مسلمة مؤمنة ساجدة لله، وان وراثة البقاء والاستمرار على قيد الحياة يكون من نصيب آيات البنية المتصفة بالصلاح والمحافظة على استمراره، ومن مظاهر ذلك الجسم الإنساني في محاولته إصلاح كل ما يطرأ عليه من أمراض، وترميم ما أصابه من جروح وحروق، تعبر عن بعض أشكال الفساد، ففي هذه الظاهرة تتجلى الحركة التأويلية في طابعها الإصلاحي النافي للفساد.

يضاف إلى ذلك ان البنية الكونية متصفة بانها مسبحة، فالآية الآنفة تزودنا بهذه الوصف: (إنما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خرّوا سجدا وسبحوا بحمد ربهم)15/32، وتسبيح آيات البنية الكونية هو الذي نقف عليه في قوله: (يسبح لله ما في السموات والأرض)1/62، (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وان من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)44/17، فالتسبيح يؤول بالسباحة في فلك، فكل آيات النسق تخضع للحركة السابحة في فلك السنة، حيث تقدم القول، بان السنة هي مسار دائري تمنح
للآية المحكومة بمدارها حركتها التأويلية او الارتجاعية، حيث هذه الحركة مقدرة في منازل وأطوار، كما في مثال القمر الذي يتحرك في منازل ثم يعود إلى النقطة التي انطلق منها، فهو في حركته التأويلية تلك يرمز لحركة كل آية، فمفهوم التسبيح هذا المتعين في السباحة يقرره قوله: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) 33/21، (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)39-40/36.

وتسبيح البنية الكونية الذي يؤول إلى السباحة في فلك السنة ينتهي إلى التجلي في مفهوم التسخير، باعتبار تسبيح ما في السموات والأرض هو تسخير ما فيها: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون)13/16، قوله: (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه)13/45، (الم تر ان الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء ان تقع على الأرض الا بإذنه ان الله بالناس لرءوف رحيم)65/22. فالتسخير إنما يتحقق من خلال الكشف عن السنة، فمثلا، الفلك تجري في البحر بأمر الله، حيث أمر لله هو مشيئته المعبرة عن السنة، والسماء في انتظام نجومها في أفلاكها، وعدم تساقطها على بعضها وتصادمها، ناتج عن سنة الجاذبية، وما يترتب عليها من قوتين متعاكستين، تحفظ أجرام السماء في أفلاكها.

ويكمل قوله: (وان من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) 44/17، قوله: (كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون)41/24، فهذه الآية تصف البنية الكونية بأنها بنية مُصلِّية، فكل آية من آيات تلك البنية تعيش في صلاة، وهذا الوصف يصادق على اتصاف حركة البنية بنفي الفساد، باعتبار الصلاة هي الموصوفة بالقول: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)45/29، فالبنية الكونية بذلك تتحرك في تسبيحها المعبر عن سننية حركتها بما فيه نفي مظاهر الباطل من فحشاء ومنكر، وفي ذلك تعزيز وتثبيت للحق والصلاح.