تحليل الدائرة التأويلية الناسخة
الحركة المجردة
نكتشف في المقارنة بين البنيات الثلاث، ان القرآن عميق في تصويره لهذا
التماثل القائم بين تلك البنيات، وهو أعمق مما قد يتصوره الخيال، فهو التماثل الذي
يجعل العقل والكون واللغة والقرآن وجوها لحقيقة واحدة، يتمظهر جوهرها في هذه
الظواهر المتعددة، وما المراحل التي يمر بها هذا الجوهر في تشكلاته ابتداء وانتهاء
الا واحدة في كل مظاهرها. وهذه الوحدة بين الأطر المختلفة هي التي تجعل حقل العلم
والمعرفة يتوحد، لتكون الفوارق والاختلافات الظاهرية القائمة بين الأطر والوجودات
على تنوعها، مجرد فوارق واختلافات تنشأ عن تنافر ظاهري ووهمي غير حقيقي، في
المنظار المعرفي، فالحقيقة تتجلى في وحدة الجوهر الذي يتمثل في وحدة النظام الشبكي
للسنن، الذي يمثل الجانب الثابت الغير قابل للتحول. والسنن التي تحكم كل نسق من
الأنساق عند تحليلها، نكتشف ان كل تلك السنن تؤول إلى سنة واحدة، او ترجع إلى صيغة
عامة، تلخص النظام السنني بأسره، وبذلك تمثل نواته، وما تعدد السنن باختلاف الأطر
والأنساق، إلا تجليات لتلك النواة وترجمة لتلك الصيغة العامة.
ان البنية الكونية حينما تجردت وبدت كنسق ونظام إشاري كشفت عن حركتها
المجردة، التي تمثل مسارا عاما قسريا، مفروضا على كل آيات البنية المتداكة او
المتماهية، انها حركة السنة التي تعبر عن الصيغة العامة لكل السنن، وتتعدد
تجلياتها ومظاهرها حينما نلمح البنية الكونية في ظاهرها المتعدد. هذه الحركة
المجردة التي يعيشها النسق كآيات هي التي يعبر عنها بالحركة التأويلية، ونفهم
طبيعة الحركة التأويلية من خلال فهم التأويل، فكلمة التأويل اشتقت من ( أوّل ) أي
عاد الأمر إلى أوله، او أُخذت من ( مآل ) اذ رجع الأمر إلى مآله؛ مما يعني ان الحركة
حينما توصف بالتأويلية، تفيد انها حركة ارتجاعية، وسواء رجعت الآية إلى أولها او
إلى مآلها فإنها ترجع إلى نقطة البداية التي انطلقت منها. وهذا ما يجعل حركة آيات
النسق تسير في خط مستقيم إلا ان عودة الشيء إلى أوله تجعل مساره كخط مستقيم تتصل
نهايتة ببدايته، وهو ما يحيل الخط المستقيم إلى دائرة، فالحركة التأويلية حركة
دائرية تنطلق من نقطة محددة لهذه الدائرة وتعتبر بداية، ثم لا تلبث ان تعود وتنتهي
عند تلك البداية، لتصبح البداية هي النهاية. وعن ذلك يقول تعالى: (قل سيروا في
الأرض ثم انظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة)20/29، حيث النشأة
الآخرة هي تَمثّل لخطوات مسار النشأة الأولى ذاتها، وعودة إلى البداية ذاتها: (كما
بدأنا أول خلق نعيده) 104/12، (الله يبدئ الخلق ثم يعيده)11/3، (أولم يروا كيف
يبدئ الله الخلق ثم يعيده)11/30.
فدعوة الإنسان
إلى السير في أحد أشكال البنية المتماهية للنظر كيف بدأ الخلق؟ والى ماذا انتهت
عاقبته؟ تستهدف اكتشاف حركة الخلق في دائرة السنة وخضوعه لنظامها: (قد خلت من
قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف..)137/3، تخوّل الإنسان فهم كيفية بدء نشوء
الآية: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)20/29؟ وما هي المراحل التي ستمر
بها والنهاية التي ستنتهي اليها: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كانت
[الـ]عاقبة)11/6؟ ثم كيفية نشوء الآية الأخرى مستأنفة مسار النشأة الأولى نفسه:
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة)20/29، وهو
مسار يتميز بالثبات وعدم القابلية للتبدل والتحول: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين
فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)43/35، فالسنة كحركة قسرية
ثابتة هي التي تنتظم فيها كل آيات البنية المتداكة، فهي النظام العام للنسق
والنظام الخاص لكل آية من آياته أولا وأخيرا.
والخلاصة، ان الحركة التأويلية حركة ارتجاعية مؤسسة على أساس من
العلاقة الزوجية، ففي إطار القرآن يصف المحكمات بانها أم الكتاب، ويضع في قبالها
المتشابهات، بذلك يجعل هذه الأخيرة فرعا في قبال الأصل، فتنشأ عن ذلك حركة رجوع
الفرع إلى أصله، وعودة الزوج إلى زوجه، وفي ذلك يتجلى مفهوم التأويل، الذي ينص على
رجوع الشيء إلى أوله، او عودته إلى مآله. وفي إطار البنية الكونية تبدو حركة
الظواهر في نطاق البنية الكونية خاضعة للدائرة التأويلية، فنلاحظ ان الآيات
الكونية تنطلق من بداية سرعان ما تعود إليها، لتستأنف عملية انبثاقها من جديد،
يقرر ذلك قوله: (الله يبدئ الخلق ثم يعيده). فالحركة التأويلية تشكّل العلاقات
الزوجية المختلفة، وفي إطار البنية الذهنية نجد الحركة التأويلية تحكم آياتها،
وتقوم على إرجاع الآية المتشابهة كفرع إلى زوجه المتمثل في الآية المحكمة كأصل. هذه
الحركة التأويلية الإرتجاعية في الأطر المختلفة، هي التي تمثلها الدائرة في الشكل
التالي:

حيث هذه دائرة
تعتمد على زوجين يتمثلان في آيتين من آيات البنية المتماهية، التي قد تتصور في
بنية من بنياتها الثلاث، فتنشأ عن العلاقة الزوجية بين الآيتين حركة ارتجاعية
تأويلية فيها تبدأ الآية من نقطة ثم سرعان ما تعود إليها، وهو ما يعبر عن ثبات
الحركة التأويلية، فآية المطر تنشأ عن تبخير الشمس للمسطحات المائية، ثم تتكثف
الأبخرة في طبقات الجو العليا متحولة إلى سحب، سرعان ما تلتقي بطبقات أكثر برودة
فيزداد تكثفها، فتستحيل إلى قطرات وتنتج آية المطر. فنجد أن آية المطر بدأت مع
المسطحات المائية ثم عادت إليها. ثم تستأنف البنية الكونية إنتاج هذه الآية
بالكيفية نفسها في عملية تكرارية، لتكون النشأة الآخرة على مثال النشأة الأولى.
وهذا ما يعطي الدائرة التأويلية طابعها الاجتراري الذي يجعلها متصفة بالثبات.