مقارنة بين البنيات
الثلاث:(العقل،
القرآن، الكون)
تمهيد:
لقد تبين من خلال
الاستعراض الآنف؛ ان التأويل هو الذي يفرض نفسه كنظام داخلي يحكم اللغة، وكآلية
تمنهج فاعلية العقل، وكمسار ينظم حركة الكون. فإذا عرفنا ان الكون نسق إشاري يحضر من
خلال نسق اللغة الرمزي، فان المسميات الخارجية في النسق الكوني لها مرادفاتها
الاسمية في النسق اللغوي، وهذه الأسماء في النظام اللغوي تعبر عن واقع التصورات في
النسق الذهني، وهو ما يجعل البنيات الثلاث تتداك في بعضها؛ فالكون يحضر من خلال
اللغة، واللغة تحضر من خلال النسق الذهني، الذي يمثل الكون واللغة والفكر. ولكن
هذا التمثل الثلاثي الوجوه يمكن ان يمنح لكل بنية من البنيات الثلاث، باعتبار
علاقة الترادف بينها هي علاقة تماثل، وعلاقة التماثل في جوهرها علاقة تساوي، فكما
مثلت بنية الذهن البنيتين الأخريين، كذلك بنية الكون بالإضافة إلى تمثيلها لذاتها
تمثل بنية العقل وبنية اللغة، كما ان لبنية اللغة، التي تمثل ذاتها، قابلية
تمثيلها لبنية العقل وبنية الكون. بهذا نجد أنفسنا مخولين ان نتفق على صيغة مجردة،
تعبر عن البنيات الثلاث، هذه البنية المجردة هي التي نصطلح عليها بالبنية المتداكة
او المتماهية، وتتصف النتائج الصادرة عن دراسة البنية المتداكة، بصفة تعميمية تشمل
البنيات الثلاث: الكون، العقل، اللغة او القرآن، كما يمكن النظر إلى أي بنية من
البنيات المشار إليها، باعتبارها ترمز إلى البنية المتداكة وتمثلها.
ويمكن البرهنة
على العلاقة القائمة بين البنيات الثلاث، والمؤسسة لعلاقتها المرجعية المتبادلة من
خلال استقصاء معالم التصور القرآني، الذي يعقد مقارنة بين تلك البنيات، ليبرز
صفاتها المشتركة التي تؤسس للبنية المتداكة او المتماهية، وهي الصفات التي يمكن
إيجازها في النقاط التالية:
في المقارنة الأولى: جرد القرآن
البنيات الثلاث بوصفها بالإشارية، فأضحت بنيات متجردة من جانبها المتنوع والمختلف،
وفقدت على الأثر تلك المكونات استقلالها عن بعضها، لتندمج وتتحد في صفة الإشارية
لتغدو كلها في مضمار هذه الرؤية بنيات منسجمة مندمجة. نجد هذا التجريد أول ما نجده
في تعريف القرآن لمكونات نسقه بانها آيات وإشارات: (كتاب أنزلناه إليك مبارك
ليدبروا آياته)29/38، ليعبر بذلك عن إشارية مكونات البنية القرآنية التي هي بنية
لغوية.
في الوقت نفسه شخص القرآن الصفة الإشارية ذاتها في البنية الكونية،
وبذلك جردها ليهبها بهذا التجريد وحدتها السيمائية، وقرر هذه الحقيقة في الكثير من
آياته منها: (ان في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض
لآيات)10/6، (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع آيات)7/133، (ان في
خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع
الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة
وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)2/164. فكل هذه
المظاهر والمكونات الكونية المذكورة تعرّف بانها إشارات وآيات.
إلى جانب ذلك يُظهر ختام الآية الأخيرة، ان تلك الإشارات الكونية إنما
تبدو كذلك في منظار الفكر، مما يكشف عن تجرد البنية الذهنية، التي تلحظ البنية
الكونية باعتبارها نسق إشاري، وهو قوله في ختام الآية: (.. لايات لقوم يعقلون)،
فالعقل يتعقل البنية الخارجية باعتبارها آيات. بهذه المقارنة يرسي القرآن صفة
الإشارية كأول الصفات المشتركة بين البنيات الثلاث، او بالأحرى أول الصفات المؤسسة
للبنية المتماهية او المتداكة التي تمثل البنيات الثلاث.
في المقارنة الثانية: يكشف القرآن عن
قيام البنيات الثلاث على نظام الزوجية، فالعلاقة الزوجية هي الرابطة بين المكونات
الإشارية، ونلحظ التقرير لهذه الحقيقة في قوله: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم
تذكرون)49/51، فهذه العبارة تشمل البنيات الثلاث دفعة واحدة. فالزوجية نزعة في
المكونات الإشارية لكل البنيات، تنزع نحوها بهدف تحقيق الاستقرار، كما يقرر ذلك قوله:
(ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها)21/30، فنلحظ العلاقة الزوجية في
مكونات البنية الكونية في أعم أشكالها تتجلى في نزوع ذرات العناصر إلى التزاوج،
فالذرة تعيش حالة اللا استقرار، فتوصف بانها نشطة ( مضطربة)، حتى يستقر مدارها
الأخير بالالتقاء مع ذرة أخرى.
والعلاقة الزوجية تتضح في أوضح أشكالها في العلاقة القائمة بين
الكائنات الحية من خلال علاقة الذكر بالأنثى: (وانه خلق الزوجين الذكر
والانثى)45/53. رغم ان النزوع نحو الزوجية في مكونات البنية الإشارية لايقتصر على
النزوع في صيغته الجنسية، بل يتعدها إلى حكم كل صور العلاقات، ففي المجتمع تتمثل
العلاقة الزوجية في علاقة الأب بالابن، والصديق بصديقه، والشريك بشريكه، والزميل
بزميله، والإنسان بالحيوان، والرئيس بالمرؤوس،.. إلى غير ذلك من صور الزوجية،
ويطرد هذا التصور في العلاقة بين مكونات البنية الكونية، فكل مكون في البنية
الكونية، سواء اتصف بالحياة او تجرد منها، يرتبط ببقية مكونات البنية من حوله
بعلاقة ما فيها يكون في موقع الفاعل او المنفعل، فيمكن إدراج كل تلك العلاقات
الثنائية المتعددة الأشكال تحت عنوان العلاقة الزوجية.
اما في إطار البنية القرآنية فان الزوجية تتجلى في انقسام الآيات إلى
ثنائية المحكم المتشابه وما تؤول اليه هذه الثنائية من وجوه، وهذه الزوجية هي التي
يصرح بها قوله: (الله الذي أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)23/39، فالثنائية
المشار إليها هي ثنائية المحكم المتشابه، الفرع والأصل، الناسخ والمنسوخ، الظاهر
والباطن،.. وهذه الزوجية في البنية القرآنية تعبر عن زوجية علاقات البنية اللغوية
بصورة خاصة، ولها دلالتها العامة.
فالعلاقة الزوجية المتصورة في القرآن ذاتها تحكم البنية الذهنية في
إدراكها، باعتبار ان ما المحكم والمتشابه إلا صفات تتعلق بالفكر في علاقاته بآيات
البنية الكونية والأخرى اللغوية، فالمحكم يعبر عن وضوح الرؤيا بينما يعبر المتشابه
عن غموضها، فالإحكام والتشابه يعتريان الذهن بشكل متعاقب، فهو خاضع لهذا الثنائي.
في المقارنة الثالثة: يبين القرآن ان
البنية الإشارية الكونية تتصف بان لها جانبا مشهود واخر غائبا، كما نقرأ في قوله:
(عالم الغيب والشهادة)59/22، وقد تقدم قول الإمام علي(ع): «ان أولياء الله نظروا
إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها بهم علم الكتاب [ ظاهره أنيق وباطنه عميق
] وبه علموا».
كذلك البنية القرآنية تتصف بان لها وجها ظاهرا وأخر باطنا، يقول تعالى:
(فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون انه لقول رسول كريم تنزيل من رب
العالمين)39/69، فالوجه الظاهر هو الجانب المبصر من بنية القرآن، بينما الوجه
الباطن هو الجانب غير المبصر، ليتضح ان كلتا البنيتين لهما الخاصية نفسها، المشار
إليها، فهي تبدأ في البنية الكونية وتنعكس على البنية القرآنية او اللغوية كبنية
نظيرة، ترتبط بالبنية الكونية بعلاقة تعبيرية.
كذلك للبنية العقلية ذات الوجهين الظاهر والباطن كما يبرزها تحليل
الرؤى المنامية، باعتبارها افرازا للعقل، معبرة عن بنيته، ففي تأويل يوسف الصديق لرؤيا
العزيز صرف مكونات الرؤية إلى وجوه باطنه، فمثلا لـلـ(بقرة) في رؤية العزيز ظاهر
يوؤل إلى باطن هو (السنة)، فيتبين ان للرؤية وجها ظاهرا واخر باطنا.
في المقارنة الرابعة: يشير القرآن إلى
تميز البنية الكونية بتماثل مكوناتها، كما نجد ذلك في دلالة قوله: (فهل ينظرون إلا
مثل أيام الذين خلوا من قبلهم)10/102، فالنظام الكوني يعمل على إعادة إنتاج آيات
بنيته، وهو ما يجعل آيات البنية يتماثل ما أتى منها بما مضى، يضاف إلى ذلك ان
السنن التي تعمل في الأطر على اختلافها هي متماثلة، مما يجعل آيات الأنساق رغم
اختلافها تتماثل، وهو التماثل الذي يستثمر على المستوى المعرفي في عقد المقارنة
بين مكونات البنية الكونية على اختلاف حقولها لتشخيص الحقيقة تارة، وللبرهنة عليها
تارة أخرى، كقوله سبحانه مشبها أعمال الكافرين: (كرماد اشتدت به الريح في يوم
عاصف)18/14، او قوله: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل في كل سنبلة مئة حبة)261/2، وغيرها من أمثال.
وعن التماثل في الإطار القرآني يقول تعالى: (الله انزل أحسن الحديث
كتابا متشابها)23/39، حيث نفهم التشابه بمعنى التماثل، الذي يترجمه القرآن
باعتماده على الأمثال، التي هي قوام النص القرآني، كما يقرر ذلك قوله: (ولقد ضربنا
للناس في هذا القران من كل مثل)58/30، فالآية تؤكد على تلخص البنية القرآنية في
الأمثال.
ولما كانت البنية العقلية تعتمد على التأويل فإنها هي الأخرى تلحظ
التماثل وتعتمده، وتشكل الأمثال الأثقال المعيارية التي من خلالها يمارس العقل
عملية التقدير وإطلاق الأحكام على الأشياء، ويقرر هذه الحقيقة الإمام علي بالقول:
«اعقل ذلك فان المثل دليل على شبهه».
في المقارنة الخامسة: كما يبين القرآن
تماثل مكونات البنية الكونية فيما بينها بلحاظ وجه التماثل والاتفاق، في هذه
المقارنة يكشف القرآن عن وجه التنافر والافتراق بين تلك الآيات، أي انه يلحظ
مكونات البنية الكونية من زاوية الاختلافات القائمة بينها، وهذا نلحظه بالالتفات إلى ان العلاقات الثنائية
والزوجية القائمة بين تلك المكونات في الوقت نفسه الذي تتماثل فيه من جهة، تفترق
من جهة أخرى، وهذا الافتراق والاختلاف قد يصل إلى درجة التنافر، واللا تساوي،
فقوله: (وانه خلق الزوجين الذكر والانثى) 45/53، يتبعها في موقع اخر بالقول: (وليس
الذكر كالأنثى)36/3، ليشير إلى ان العلاقة الثنائية بين الزوجين هي علاقة بين
مختلفين، وان التماثل يشكل وجه من وجوه العلاقة، بينما الافتراق يشكل الوجه الأخر،
وهذا ما نلحظه، على سبيل المثال، في ثنائية عملية الشهيق والزفير أثناء عملية
التنفس، او القبض والبسط ابان عملية ضخ القلب للدم. ففي الوقت الذي فيه طرفا
العملية منسجمان متماثلان، نجدهما في الوقت ذاته متنافرين متضادين، فالقبض عكس
البسط، والزفير عكس الشهيق.
وفي إطار البنية القرآنية التي فيها توزعت الآيات بين المحكمات
والمتشابهات، يتبين ان المحكم والمتشابه اذا كان يجمع بينهما التماثل، يفرق بينهما
الاختلاف، فالمحكم هو عكس المتشابه، اذ
الأول يعرف بالواضح بينما يعرف الثاني بالغامض، وما يؤول له الركنان من ظاهر
وباطن، فرع وأصل، ناسخ ومنسوخ، إلى غير ذلك من عناوين، تنطوي على الفكرة نفسها
التي تكشف عن اختلاف الطرفين.
وتحري الفكرة ذاتها في إطار البنية الذهنية يكشف ان معطيات البنية
القرآنية المحكم والمتشابه هي معطيات ذهنية صرف، وبالتالي ما يقال في إطار البنية
القرآنية يتكرر قوله في إطار البنية الذهنية.
في المقارنة السادسة: يحدد القرآن حركة
البنيات الثلاث بأنها حركة تأويلية ارتجاعية مؤسسة على أساس العلاقة الزوجية، حيث
مفهوم التأويل يتلخص في رجوع الشيء إلى أوله او عودته إلى مآله، فحين يصف القرآن
الآيات المحكمات بأنهن أم الكتاب، ويضع في قبالها الآيات المتشابهات، فانه بذلك
يجعل هذا الأخيرة فرع في قبال الأصل، فتنشأ عن ذلك حركة رجوع الفرع إلى أصله،
وعودة الزوج إلى زوجه.
وفي إطار البنية الكونية تبدو حركة الظواهر في نطاق البنية الكونية خاضعة
للدائرة التأويلية، فنلاحظ ان الآيات الكونية تنطلق من بداية سرعان ما تعود إليها،
لتستأنف عملية انبثاقها من جديد، يقرر ذلك قوله: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق
ثم يعيده)19/29. فنجد في ذلك نزوع الآيات الكونية إلى العودة إلى منطلقها او
الرجوع إلى مآلها.
وفي إطار البينة العقلية فان منطق الفكر محكوم في تحريكه الآيات وفق
حركة تأويلية فيها تعود الآية المتشابهة كفرع إلى الآية المحكمة كأصل.
في المقارنة السابعة: يكشف القرآن ان
البنية الإشارية للكون قابلة للنطق، يقول تعالى: (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل
شيء)21/41.
وفي البنية القرآنية تتجلى الإمكانية نفسها فلآياتها قابلية النطق،
وفي ذلك يقول تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45.
كذلك البنية الذهنية هي الأخرى بنية ناطقة، من جملة الأشياء الناطقة
بدليل قوله: (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء)، فظاهرة الالهام او الوسوسة تعبير عن
نطق البنية الذهنية نطقا ذاتيا، وقد تعرفنا على عملية نطق النسق الإشاري المستندة
لعملية رد الآية إلى الأخرى، كما في عبارة الإمام علي في القران: «ينطق بعضه
ببعض»، فالإلهام او الوسوسة تنشأ عن الرد التلقائي للآيات، برد الآيات المتشابهات
إلى المحكمات منها، ردا خارج إطار الوعي.
في المقارنة الثامنة: يكشف القرآن عن
حالة الاتساع والانبساط التي تعيشها البنية الكونية: ( والسماء بنينها بأييد وانا
لموسعون)47/51، الا ان مسار الكون لن يستمر في التمدد اللامتناهي، فسيؤول يوما إلى
الانقباض، كما يقول تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)104/، ليعود الامر
كما بدأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين)104/21، حيث كانت
بداية الكون كتلة منقبضة تعرضت إلى الانفجار، الذي فتقها، كما يقرر ذلك قوله: (إن
السماء والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)30/21. فيعود الكون إلى نقطة البداية ثم
يسـتأنف انطلاقته بانفجار جديد.
من جهة أخرى، فان بنية الكتاب هي الأخرى في حالة تمدّد وتنامي، كما
يجلي ذلك قوله: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي
ولو جئنا بمثله مددا)، وهو التمثيل المعبر عن تفصل الكتاب: (ولقد جئناهم بكتاب
فصّلناه على علم)52/7. الا إن نص الكتاب ينتهي به المطاف لان ينكمش ويتقلّص في
مرحلة انحسار العلم بالتأويل، كما هو راهن القران المستمر منذ قرون، وكما عبر عن
ذلك الرسول بلفظة القبض في قوله عن علم الكتاب: «الا اني أمرؤ مقبوض وان هذا العلم
سيقبض»، بعد ان كان يعيش ظاهرة الانبساط في ظل الرسول وعلم التأويل، فهو القبض في
قبال البسط: (والله يقبض ويبسط)245/2، وستعود انطلاقة القران وانبساط بنيته بعد ان
يظهر الإسلام على الدين كله. كما وجدنا في الحديث عن المهدي في اخر الزمان الذي
يضرب فساطيط ليعلم الناس القران كما انزل ويخالف التأليف.
كذلك البنية العقلية آخذة بالنمو والتفتح، كما في الحديث: «كثرة النظر
في العلم تفتح العقل»، قبل ان تدخل طور
الانكماش في مرحلة الهرم لتعود إلى مرحلة الطفولة، التي منها انطلقت، والتي كانت
فيها بنية العقل في حالة رتق وانقباض، يقول تعالى في إطار مقارن بين المرحلتين:
(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)78/16، (ومنكم من يرد إلى ارذل
العمر لكي لايعلم من بعد علمه شيئا)70/16.
في المقارنة التاسعة: تمتاز البنية
الكونية بالانسجام والسوية وبالتعالي عن الاختلاف والتضارب والعبثية، وفي ذلك يقول
تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر
كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير)3-4/67، وهذه النتيجة يتوصل اليها المفكرون
في البنية الكونية، كما يعبر عن ذلك القران: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض
سبحانك ربنا ما خلقت هذا باطلا)191/3.
ويكشف التدبر في البنية القرآنية عن تناسقها وانسجام مكوناتها، وخلوها
من التناقض والعبثية ومتنزهة عن التكاذب، الذي اذا ما وقع دلّ على بطلان صفتها
القرآنية، وفي ذلك يقول تعالى: (أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، ويضيف في قول أخر: (لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)42/41.
والعقل اذا ما اكتملت قواه، فان بنيته تكون قرآنية منسجمة مع بعضها،
غير قابلة للتناقض والاختلاف، وذلك يدل على ان الكتاب في الوقت الذي يصف ذاته بأنه
ناطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، يصف منطق الرسول الدال على عقله
بالقول: (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)3/53، ليتبين ان العقل الكامل غير
متناقض فيما ينتجه من أفكار ورؤى، وهو العقل الذي انتفى عنه الهوى المسئول عن
الاختلاف، وهذا العقل ذو بنية قرآنية تنطق بحركتها التأويلية وحيا إلهاميا.
لقد تحول القرآن في ظل هذه الرؤية إلى مجسم يعبر عن الكون في وجه، وعن
اللغة في وجه ثان، وعن العقل في وجه ثالث. وبذلك صار التفقه في القرآن يهب الإنسان
الحكمة التي من خلالها يتعرف على نظام اللغة، ومنطق الفكر، ومنهج البحث في الكون،
وهذا ما يكشف عن الوظيفة المناطة بالقرآن. فالكون هو نظام ضخم والإنسان الذي
استخلف على هذا النظام، وأوكل إليه أمر إدارته كخليفة لله، كان لابد ان يزود ببيان
مفصل لهذا الكون، فكان القرآن هو البيان المصور للكون: (هذا بيان للناس)138/3،
يعتمد في صوره على الأمثال: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)89/17،
ليجيب على كل التساؤلات التي تمكن الإنسان من التعرف على الكون، وتخوله التعامل
المباشر مع مكوناته بهدف اعماره: (واستعمركم فيها)61/11، في إطار من الإصلاح وتجنب
الإفساد: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)56/7، فصار العقل الإنساني يتأهل
ويستعد من خلال الممارسة الفقهية في القرآن، كمجسم مصغر للكون، للتعاطي المباشر مع
الكون الكبير في صيغته الحقيقية: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف..؟)36/16، (افلا
ينظرون إلى الابل كيف خلقت؟ والى السماء كيف رفعت؟ والى الجبال كيف نصبت؟ والى
الأرض كيف سطحت؟)17-20/88، (قل: انظروا! ماذا في السموات والارض؟)101/10،
(ويتفكرون في خلق السموات والارض)191/3. ليصبح سير الانسان في القرآن فكرا، مقدمة
لسيره في رحاب الأرض والطبيعة متأملا هادفا للتعرف على نظامها السنني الحاكم لها:
(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا)137/3، فالهدف تأهيل فكر الانسان
لاكتشاف السنن: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)26/4، التي من
خلالها يتمكن من تسخير الطبيعة واستثمارها: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض
جميعا منه)13/45.
الهوامش والمصادر:
* نظرية المعرفة في هذا العنوان ليست هي نهائية لأننا سنقف في الكتاب الثاني من سلسلة القرآن المؤول على النظرية في أبعادها التي تتخطى هذا الطرح الأولي، فنكتشف ما يترتب عليه من بناءات تمنحه أبعاده الحقيقية.