7/ الاختراع:

الخالق صفة من صفات الله، مشتقة من الخلق، الذي هو عملية إيجاد، وإنشاء، وابتداع، واختراع: «ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها»[39]، كما يقول الإمام علي (ع)، فهذه المقولة تكشف عن ان البنية الكونية بنية مخلوقة أي مخترعة، واختراعها عملية مستمرة، نتيجة خضوع الحياة لمسار تطوري، يهيمن على حركة البنية الكونية، فيؤدي إلى انقراض الكثير من آياتها، في الوقت الذي يؤدي أيضا إلى خلق واختراع الكثير من الآيات الأخرى المستجدة. والبنية الفكرية للإنسان المتماثلة مع البنية الكونية، والخاضعة للنظام والمنهجية ذاتها الفاعلة فيها، نجدها هي الأخرى يمثل الاختراع أحد مقوماتها، من خلال ملكة الخيال. فمنهج الاعتبار الذي ينطلق من مبدأ التماثل، يفرض الابتكار والاختراع كبُعد من أبعاد المنهج، بلحاظ أن الاختراع قائم على المحاكاة لمثال سابق، والبنية الكونية بآياتها ووجوداتها هي المثال السابق، ومصدر الإبداع، الذي يلهم خيال الإنسان كل ما اخترع وسيخترع.وفي نطاق سعي الإنسان المؤمن للتحلي بصفات الله، وإحراز التماثل، ينحو به مساره إلى ضرورة تنمية بُعد الاختراع في بنية فكره، باعتبار أن الله خالق، والخلق اختراع، فالتماثل مع الله يتحقق باتصاف الإنسان بالقدرة على الإبداع والاختراع، فيكون مخترعا، بعد ان وصل إلى صفة التجريب، كما في التصوير المتقدم. ونجد مصدر الإلهام للإبداع والاختراع يعزوه الإمام علي إلى إيحاءات المثال السابق، فيقول (ع): «الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله»[40]، «خلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير ولا معونة معين فتم خلقه بأمره»[41]، «خلق الخلائق من غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه»[42]، «مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئهم بحكمه بلا إقتداء، ولا تعليم ولا احتذاء لمثال صانع حكيم»[43]، فهذه النصوص في إيحاءاتها توضح ان فكرة الابتداع مشتقة من مماثلة الخالق فيما صنع وابتدع، ولكن بتقليد، باعتبار ان طبيعة الإبداع والصناعة قائمة على احتذاء مثال سابق، سواء كان هذا المثال مظهراً من مظاهر البنية الكونية، أو عمل مخترع متقدم. وعملية الاختراع قد تستند إلى جهد جماعي، يقوم على التشاور والتعاون في صنع الاختراعات، حيث الاختراعات العالية التقنية والعظيمة في مواصفاتها، والمهام المناطة بها، هي نتيجة جهود مراكز بحوث شركات التصنيع، القائمة على الجهد الجماعي للمخترعين والمبدعين، والاف الأيدي الفنية.وفي نطاق معرفتنا للتعدد الدلالي، وامكانية التصريف على وجوه، يمكن الرجوع إلى مقولات متقدمة للإمام علي (ع)، لنقرأها من جديد بوجه مستحدث فقوله:((المثل دليل لى شبهه))، تعني في إطار المقولات المتقدمة، التي تتحدث عن المثل كأساس للاختراع، ان الانسان فيما اخترعه استدل على إمكان اختراعه بالمثال الذي احتذاه، والذي أوحى له بالفكرة المبدعة، التي بتطبيقها أوجد اختراعه، وقوله (ع): ((استدل على ما لم يكن بما قد كان))، تأتي في هذا السياق، فإمكانية الاختراع لما لم يوجد بعد، تكمن فيما وُجد من آيات البنية الكونية، وفيما أنجزه المتقدمون من بني البشر، مما يعني أن إيحاءات هذه النماذج الحاضرة بين أيدينا، غير نافدة في دلالاتها، وهي ينبوع لا ينضب للمستحدثات.

والاختراع هو خطوة نظرية تنطوي عليها خطوة التجريب، ففي التجربة يُقلب الفكر الآيات اتصالا وانفصالا، في عملية مقارنات موسعة بين تلك الآيات كنظائر، من خلال هذه المقارنات تتكشف علاقات جديدة معقولة، ولكن ليس لها تمثّل مستقل على ارض الواقع، فهذه العلاقات المبتكرة بين الآيات هي التي تمثل الاختراع، كخطوة نظرية تتم في حيز الفكر. وانبثاق خطوة الاختراع عن خطوة التجربة، يبينه الحديث: ((في التجارب علم مستحدث [مستأنف])) [44]، حيث تمثل التجارب مصدر الكشف عن الأفكار المستحدثة، بما تكشف عنه من علم بجواهر الأشياء، أي بالعلاقات الشرطية، وبالنظم السننية الحاكمة للبنيات الإشارية، وعلى أساس تلك العلاقات الثابتة ابتكر الإنسان المخترع علاقات متغيرة، فأوجد تصوراته حول اختراعاته، وإبداعاته. ثم تأتي مرحلة التنفيذ، ووضع الاختراع في حيز التطبيق، وهي تقوم على أساس استثمار الطبيعة بما تحويه من مواد أولية، وبما تخضع له من سنن، فيوظف كلا الجانبين المواد والسنن في عملية الاختراع، فتُكيّف المواد الأولية مع حاجات الإنسان من خلال علاقات التكامل، والإبدال، والحذف، والتقديم والتأخير فيما بينها، على ضوء إملاءات السنن، وتكيّف تلك السنن من خلال تحريكها على محاور الحركة المذكورة ذاتها، من أجل أن يصاغ منها المخترع، ليمثل هذه الواقع من التحكم بالسنن والتكييف للمواد، مصدر الاختراع غير الناضب، وذلك بالوقوف على علاقات قائمة بين المواد غير قابلة للحصر، وتوظيف للسنن كعلاقات ضرورية حاكمة غير قابلة للاستنفاد.


والمصادر:


[37]  الإمام علي، نهج البلاغة، خطبة  38 .

[38]  نهج البلاغة، كتاب  31 .

[39]  نهج البلاغة، خطبة  186 .

[40]  نهج البلاغة، خطبة  91 .

[41]  نهج البلاغة، خطبة  155 .

[42]  نهج البلاغة، خطبة  186 .

[43]  نهج البلاغة، خطبة  191 .

[44]  الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مادة الحديث.