6/ الاعتبار واليقين

كيف يكون منهج الاعتبار في تأسسه على قياس المماثلة قادرا على إنتاج المعرفة اليقينية المتصفة بالضرورية؟.

نجد حقيقة المنطق الذي يحكم عملية تحصيل المعرفة واكتسابها في الصيغة القائمة على القياس التمثيلي، فالتماثل يطرد في إشارات البنية الكونية التي تؤلف سلسلة غير محصورة، تستوعب البنية الإشارية بأسرها. والمعرفة تنطلق من نقطة الصفر، من المجهول، وترتقي في مراحل لاكتشاف الحقيقة، والوصول إلى المعلوم. ولان الواقع الخارجي مكون من جزئيات ليس إلا، فتعاطينا مع تلك الجزئيات قائم على الانتقال من المثل إلى شبهه، لعقد المقارنات بين تلك الآيات كنظائر وتأويل بعضها ببعض، ولن يكون العلم المستنبط يقينيا مع أول مقارنة بالضرورة، بل يحتاج الأمر إلى تعدد أوجه المقارنات والتأويلات بين تلك النظائر، لتكشف المقارنات في نهاية الأمر، عن العلم اليقيني بالسنة، نتيجة مصادقة آيات النسق بعضها على بعضها الآخر، فهناك تراكم للمعرفة تقوم به عمليات المقارنة المتتابعة، فيها بعض المقارنات تكشف عن أبعاض المعرفة تباعا، بينما يؤكد بعضها الأخر ما تم الكشف عنه، بوجود الشاهد وانتفاء المناقض.

فتصبح عملية تعقب التناظر بين الآيات السبيل إلى تحقيق المعرفة بالأسباب والقوانين بصورة يقينية قاطعة. بهذا ينكشف الجواب على التساؤل عن يقينية نتائج المنطق التمثيلي،فاستلاب اليقين، ناجم عن تصور القياس التمثيلي يقوم بين طرفين، كما في التصور الفقهي في إطار مدرسة الرأي، فكان اليقين مفقودا بتلك المقارنة الأولية. بينما الحلقة المفقودة في حقيقة منطق القياس التمثيلي تتمثل في قيامه على تعدد المقارنات والمقاربات، التي تقوم بين مكونات سلسلة طويلة من النظائر، المتعلقة بموضوع البحث، التي تقوم بينها علاقة تتبادل فيها التفسير والمصادقة، قبل أن يحرز اليقين.

لقد تعرفنا على طبيعة البنية الكونية، التي يدل تماثلها على الثوابت السننية المسئولة عن التكرار والتماثل في الجانب الظاهر منها، مما يجعل الاعتبار في استناده إلى مبدأ التماثل يستهدف الوصول إلى الهيكل الثابت من السنن، الذي يمثل عمق البنية الكونية، والجانب المغيب منها، وذلك بقياس الأمثال بعضها ببعض تأويل. ثم بينّا الضوابط التي تكفل مراعاتها، يقينية العملية الاعتبارية، وقدمنا النماذج الدالة على كيفية تنفيذ المنهج النظري، ووضع فكرته في إطار تطبيقي وافي. يبقى أن نتحدث عن مستويات يقينية ثلاث، تمر بها الرؤية، وتمثل مراحل تطورها، وتنتهي بولادتها، وهي:

الرؤية النظرية: وهي الرؤية التي يبنيها الفكر الاعتباري بالتأمل المجرد، الذي تثيره ملاحظات الواقع الخارجي، ويستعين في بنائه النظري بمخزون الذاكرة.

الرؤية العيانية: وهي الرؤية النظرية عندما تدعم بمشاهدات من الواقع الخارجي، فتخرجها تلك المشاهدات من حيز التصور والإمكان، إلى حيز الحقيقة والواقع.

الرؤية التجريبية: وهي الرؤية العيانية المستمدة من الإطار التجريبي، ويمكّن من خلاله التعرف على العلاقات الضرورية المسئولة عن حضور الآية وغيابها، فيتم بناء على ذلك تأكيد الحضور والغياب، ليبلغ اليقين، بتعدد إشكال التجربة، أقصى مراحله، مع هذه الخطوة.

ويمكن ان نلحظ هذه المستويات الثلاث في تجربة كلود برنارد المتقدمة، فاليقين المكتسب عن عملية التفكير النظري، حققها برنارد حين تأول بول الأرانب بمواصفاتها الطارئة، بناء على معرفته السابقة، فتوصل إلى تصور فحواه ان الأرانب تعرضت للتجويع، مما جعلها تتغذى على أنسجتها الداخلية، فاستحالت إلى آكلة لحم مما أحال مواصفات بولها إلى مواصفات بول آكلة اللحوم.  ثم رفع مستوى يقينه إلى مستوى المعاينة والمشاهدة، وفي ذلك يقول: «قدمت اللحم للأرانب عينها، فلاحظت بعد مضي أربع وعشرين ساعة أو ست وثلاثين ساعة على أكثر تقدير، ان البول قد أصبح من جديد صافيا وشديد الحموضة»[35]. ثم صعد مستوى اليقين إلى درجته النهائية، بتكرار التجربة وتنويعها، «ثم عاد البول قلويا بعد إن أطعمت الأرانب عشبا وهكذا دواليك، فأعدت هذه التجربة البسيطة عدة مرات على الأرانب، وكانت هذه النتيجة دائما هي هي، ثم جربتها على الفرس وهو من آكلة الأعشاب وبوله أيضا عكر قلوي، فوجدت إن الصيام يحدث فيه، ما يحدث في الأرانب، حموضة سريعة في البول وزيادة كبيرة في نسبة البولينا في البول إلى حد يحدث عنه تلقائيا تبلور في البول المبرد (..) ولكي أبرهن على ان الأرانب الصائمة فعلا آكلة اللحوم، كان من الضروري القيام بتجربة عكسية، وهي اصطناع التجربة لتحويل أرانب إلى حيوان يأكل اللحم، وذلك بإطعامه لحما، لكي نرى هل يصبح بوله صافيا حامضيا ومحتويا على نسبة اكبر من البولينا، كما يحدث في حالة الصيام؟ وتحقيقا لهذا الفرض أطعمت الأرانب لحم بقر مسلوقا باردا، وكانت تقبل على أكله إذا قدم لها أي شيء آخر، وتحقق فرضي هذه المرة أيضا، فكان بول الأرنب طوال مدة التغذية الحيوانية صافيا حامضيا (...) وتكملة لهذه التجربة قمت بتشريح هذه الحيوانات لا عرف هل يحدث هضم اللحم في الأرانب كما يحدث في آكلة اللحوم؟، فوجدت فعلا إن جميع الظواهر الدالة على حدوث هضم جيد جدا. كانت ماثلة في التفاعلات المعوية. وان جميع الأوعية اللبنية كانت ممتلئة كيلوسا غزيرا جدا ابيض. شبيها باللبن كما عند أكلة اللحوم...»[36] .

بهذا يتبين إن عملية التفكير العبوري لا تقتصر على المستوى النظري، بل يستدعي الأمر تطويرها إلى مستويات أعلى، يبحث فيها المفكر عن الواقع الذي يجسم الفكرة النظرية فيصادق على فكرته أو يعدلها، ويحتاج الأمر إلى المزيد من التطوير، كي يستدرك أبعادها وينفي عنها كل ريب بتعدد التجربة وتنويعها، بل هذا التحقق يقود الباحث في أغلب الأحيان إلى اكتشاف آفاق معرفية جديدة، تكون بداية لفتوحات علمية كما يطالعنا كلود برنارد بذلك في خاتمة كلامه المتقدم حين قال: «غير اني بمناسبة هذه التشريحات (..) وقفت على حادث لم أكن أفكر فيه من قبل وقد أتاح لي هذا الحادث فرصة الشروع في بحث جديد!».

يتجلى الكشف عن السنة كهدف للفكر العبوري في حالة شعورية تصل فيها النفس إلى الطمأنينة، وفي ذلك تجاوز لحالة الجهل وما يصاحبها من شك وظن، إلى العلم وما يلازمه من يقين وقد تحدث الإمام على (ع) عن الحالة النفسية، التي ترافق كلا النظرتين النظرة العمياء، التي لا ترى إلا ظاهر الأشياء، والنظرة النافذة التي تتجاوز الظاهر وتنفذ إلى ما وراءه من باطن، فقال: «إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال، ودليلهم سمت العمى»[37]، لقد عرفنا احتواء الوجه الظاهر من كل آية على الغموض، فيلتبس فيها الحق بالباطل، مما يصنع خداع الظواهر، وبناء على ذلك فكل آيات النسق هي آيات متشابهات، أي من الشبهة، فالنص يتحدث عن كل آية باعتبارها شبهة، وحين يوضح أن التسمية بالشبهة مشتقة من تشابهها مع الحق، يكشف ان الظاهر، الذي هو لازم الباطل، يشبه الحق، الذي هو لازم الباطن، فأصبح التماثل بين الباطل والحق، أي بين ظاهر البنية وباطنها: «لكل ظاهر باطن على مثاله»، هو الذي يخول إرجاع الظاهر بما ينطوي عليه من باطل، إلى الباطن بما يمثله من الحق، ليبطل تشابه الظاهر: (جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا)، وتوقفنا بذلك عملية الرّد على حقيقة الوجه الظاهر، بعد ان كان الحق ملتبسا بالباطل ومحتجبا به.

والمفكرون أولياء الله نظروا إلى باطن البنية الكونية، إذ نظر الناس إلى ظاهرها، وبنظرتهم هذه سبروا أعماقها، وتوصلوا إلى نظامها السنني، فترتب على ذلك إن حالتهم الفكرية والنفسية ارتقت إلى مستوى اليقين، الذي يعتبر لازم لحالة انكشاف العلم. أما أكثر الناس، وقد أبى أكثرهم إلا كفورا بالحق، لذلك نعتتهم المقولة الآنفة، بأنهم أعداء الله، نظرتهم التي تنتهي عند الظواهر تجعلهم يضلون عن الحقيقة، ويخطئون الصواب، مما يوقعهم ذلك في الشك والجهل كصفات لازمة للضلال.

وتحدث الإمام علي (ع) عن اليقين، كلازم لعملية الاعتبار، التي تنتهي بالكشف عن السنة، حين قال (ع ) شارحاً حقيقة اليقين: «واليقين على أربعة شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنّة الأولين، فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين»، وقد تطرقنا إلى شرح هذا النص، فيما تقدم بعيدا عن ذكر اليقين. فاليقين يتوصل إليه عبر أربعة مراحل هي التي يسميها الإمام أركان اليقين، والمراحل الأساسية الموصلة إليه،  فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، وتبصرته تمت بتأويل الظاهر بالباطن، بالعبور من الأول إلى الثاني، للوصول إلى الحكمة الكامنة وراء الظاهر، وهي السنة التي تحكم الآية قيد البحث، وهي ما عبر عنها بسنة الأولين، وبمعرفته للسنّة كأنه قد عاصر الأولين والآخرين، فامتد عمره عبر ذلك الزمن المديد، باعتبار أن الدنيا «أخرها لاحق بأولها»، فمن أدرك كيف مضى أخرها وفق السنة، فكأنه عاش تاريخ  البنية الكونية من أوله إلى أخره، وهذا ما يمثل حق اليقين.

يمكن تسليط المزيد من الأضواء على هذه الدرجة من اليقين من خلال وصية الإمام علي (ع) لابنه الحسن، حيث اظهر في وصيته بعض تجربته العبورية في طار التاريخ، التي ظفر فيه بالوعي التاريخي، ثم دعا ابنه للتجربة نفسها، فكتب يقول: واعرض على قلبك (عقلك) أخبار: الماصين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم، فانظر فيما فعلوا؟ وعما انتقلوا؟ وأين حلوا ونزلوا؟ فانك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة إلى ديار الغربة، وكأنك عن قليل صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا بع أخرتك بدنياك ليل صرت كأحدهم فأصلح مثواك، ولا تبع أخرتك بدنياك (...)، أي بني، إني وان لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى اليّ من أمورهم، قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله (صفوه)، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله»[38]، فالإمام علي (ع) يبين ابنه المنهج الاعتباري في ظل القاعدة: ((اعتبروا بما مضى من الدنيا لما بقي منها))، وهي القاعدة التي تلخص الغاية من المنهج الاعتباري، وأبعاده التي تستهدف الكشف عن نظام السنن الحاكم للحياة، في جميع سوحها. فيطالبه بعرض أخبار الماضيين على فكره، وتذكر ما جرى على الأولين، والسير في ديارهم، والنظر إلى ما آل إليه أمر قراهم وحضاراتهم، وما انتهت إليه من مصير، ثم الرجوع إلى الحاضر بالوعي التاريخي، الذي اكتسبه من خلال منظار الماضي، ليعي حاضره بوعي السنن الحاكمة له والمهيمنة على أحداثه: «وكأنك عن قليل صرت كأحدهم». فهو سيؤول مآل الماضين، إذ كل طريق محتمل أن يسلكه، له مثال وتجربة قد مضت، تكفل دراستها الكشف عن السنة الحاكمة لها، ثم يضرب له مثالاً بنفسه، ويطلعه على النتائج التي قاده إليها الفكر الاعتباري، فيوضح بأنه وأن لم يعمر عمر من كان قبله، إلا انه نتيجة اعتباره في أمر الماضيين كحضارات لها تاريخ وآثار سار فيها، ونظر في دلالاتها، جعله يعود إلى حاضره بوعي خلق شخصيته، وأحدث انقلاباً في نفسيته وشعوره، بحيث كأنه أصبح أحد أولئك الماضين، بل كأنه بما انتهي إليه من كشف السنن الحاكمة للحضارات في نهوضها وانهيارها، كأنه عاصر تلك الحضارات، وعمّر مع أصحابها من أولهم إلى أخرهم، وعبارته: «بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى أخرهم»، هذه العبارة توضح شرحه لقوله في حديثه عن أركان اليقين «.. وسنة الأولين» حيث قال فيها: «ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين»، حيث الوصول إلى الباطن بالنفاذ إليه من الظاهر يعني انه أدرك السنة، التي تجعله بمثابة من عاش في الأولين، بل ومع الآخرين الآتين باعتبار: «على أثر الماضي ما يمضي الباقي».وهكذا نجد النتائج التي ينتهي إليها الفكر العبوري، تجعل صاحبها يعيش اليقين، والوعي الذي يرتقي به فوق الزمن، بحيث يكون باحاطته بالسنن، يعيش أحداث التاريخ التي جرت وستجري منذ البداية إلى النهاية.

والمصادر:


[32]  نهج البلاغة، قصار الحكم  54 .

[33]  المجلسي، بحار الانوار، 2/90. الكليني، الكافي، 1/183.

[34]  الامام علي، نهج البلاغة، قصار الحكم  31 .

[35]  كلود برنارد، الطب التجريبي، ترجمة: يوسف مراد، عبدالله سلطان، 160.

[36]  نهج البلاغة.

[37]  الإمام علي، نهج البلاغة، خطبة  38 .

[38]  نهج البلاغة، كتاب  31 .

[39]  نهج البلاغة، خطبة  186 .

[40]  نهج البلاغة، خطبة  91 .

[41]  نهج البلاغة، خطبة  155 .

[42]  نهج البلاغة، خطبة  186 .

[43]  نهج البلاغة، خطبة  191 .

[44]  الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مادة الحديث.