تترتب آيات البنية الكونية وفق نظام، وتجري في
حركتها وفق سنن قسرية، تعبر عن منطق وحكمة تجعلها تتصف
بالإتقان، وصفة الإتقان في الصنع تدعو الإنسان بالفطرة، للتساؤل عن الحكمة في وضع
آيات البنية الكونية في مواضعها، التي هي عليها. وفي هذا
التساؤل استفسار عن الأسباب الكامنة، التي تعقلن الآيات في أوضاعها المختلفة، وهذه
الأسباب حين الكشف عنها توصلنا إلى السنن الحاكمة لآيات البنية الكونية. حيث آيات
النسق بمثابة اللحم، الذي يغلّف الهيكل العظمي، الذي يمثله نظام السنن الحاكم
لحركة آيات النسق تلك، وذلك الهيكل السنني الكامن في باطن النسق مستهدف من وراء
رحلة العبور الفكرية، فعملية التسلل من الآية الظاهرة إلى الآية النظيرة الباطنة،
يستهدف الكشف عن الأسباب، ومن ثم الوصول إلى السنة، التي تتحدد معالمها بمعرفة تلك
الأسباب.
لقد تحدث الإمام علي عن تناهي عقول أكثر الناس
عند ظاهر البنية الكونية، وشخص ان ذلك تعبير عن افتقاد العقول للفاعلية، المعبر
عنه بإصابتها بالعمى لاحتجابها عن إدراك ما وراء الظاهر، وتبقى الأقلية هي التي
تملك القدرة على النفاذ من الظاهر إلى الباطن، باعتبار ان بصائرهم النافذة تقودهم
إلى العلم، الذي يقودهم بالتالي إلى الله، حيث العلم يدعو إلى الإيمان. ولكن السؤال: ما هي طبيعة العلم الذي لم تدركه نظرة الغالبية
المتصفة بالعمى لاقتصار نظرتها على الظاهر الخارجي للبنية الكونية، وأدركته
الأقلية العاقلة في نظرتها البصيرة المخترقة لظاهر البنية الكونية المتوغلة في
أعماقها؟ يتناول الإمام علي (ع) الإجابة في نص يتابع فيه الحديث في الاتجاه الذي
ابتدأه، فيقول: «إنما ذلك بمنزلة الحكمة التي هي حياة للقلب الميت وبصر للعين
العمياء، وسمع للأذن الصماء، وري لضمآن وفيها الغني كله
»[31]، فالنص يتابع الحديث عن ظاهرة التعاطي مع النسق
الكوني في موقف الأغلبية في قبال الأقلية، فيبين ان العين العمياء والأذن الصماء،
لغالبية الناس، هي التي وقفت عند ظاهر ما ترى وتسمع في هذه الدنيا. وان شفاءها في
ان تنفذ الظاهر إلى الباطن لتصل إلى (الحكمة)، الواقعة فيما وراء ما ترى وتسمع وما
تحسه بالحواس، حيث تكون الوظيفة للعقل، الذي حياته في التفكير العبوري، وما يقود
إليه من كشف عما ينطوي عليه الباطن من الحكمة. وفي ذلك ري لعطش النفس التي تتعطش
بفطرتها إلى حكمة المعرفة، فلا تروى إلا بها، وفي بلوغ الحكمة اغناء للفكر من بعد
افتقاره بالجهل، كما يقول (ع): ((لافقر كالجهل))
[32]. وهكذا ننتهي إلى المحصلة التي يتبين فيها ان
العقل في عملية العبور يجتاز الظاهر إلى الباطن، بوضع الآية قيد البحث في وضع
مقارن بالنسبة للآيات النظيرة، فتتكشف الحكمة التي هي الحقيقة المعقولة الكامنة
بين المحسوسات، فالنظرة العبورية
في استدلالها القياسي بالأمثال تستهدف البحث والتفتيش عن الحكمة، التي تؤول بالاسباب. مما يبين ان المنطق الاعتباري مؤسس على اطراد قانون
السببيّة، وهو الذي نجده في كلمة حفيد الإمام على الإمام الصادق (ع): ((ابى الله
إلا ان تجري الأشياء باسبابها))[33]، يقود الكشف عن الاسباب إلى التعرف على السنة،
حيث السنة علاقات اشتراطية، فيها يرتبط السبب بالمسبب،
لان القانون هو العلاقة الرابطة بين الآيات. ويمكن ان نتبين
طبيعة عملية التفكير العبوري الباحثة عن العلاقات البينيّة والشرطية، من خلال
المقارنة بين الآيات المتناظرة، فيما قاله الإمام علي (ع) في حديثه عما تؤدي اليه
الحكمة من الكشف عن
السنة:
«...تبصرة
الفطنة وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، فمن تبصّر في الفطنة تبينت له
الحكمة» ومن تبينت
له الحكمة عرف
العبرة، من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين»
ومن تبينت له الحكمة عرف
العبرة، من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين»[34]،
فالوصول إلى السنة يمر عبر مراحل أربع:
تبصرة الفطنة
¬ تأول الحكمة
¬ موعظة العبرة
¬ سنة الأولين
ثم
يشرح الإمام علي هذه العبارات المتقاطعة، ف: «تبصرة
الفطنة وتأول الحكمة»، يشرحها بقوله: «فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة» ان
البصيرة النافذة التي تجتاز الظاهر إلى الباطن تحتاج إلى فطنة القلب الزكي، الذي يخوّل صاحبه من تجاوز المحسوسات
إلى الحقائق المعقولة الكامنة وراءها، وتلك المعقولات
التي تمثلها الحكمة، هي التي يتم اكتشافها بتأويل الظاهر بالباطن. بعبارة أخرى، إن تأويل المثل بشبهه، يتم عندما يطل المثل من
خلال شبهه، ويأخذ بعض أحكامه، التي تكشف حقيقته، ولو في بعض جوانبها. ثم يتقدم الإمام علي خطوة أخرى حين يشرح قوله: «وتأول الحكمة،
وموعظة العبرة» بالقول: «من تبينت له الحكمة عرف العبرة»، حيث الكشف عن الحكمة (
السبب ) تجعله يتعظ ويعتبر عندما يستثمر هذه المعرفة سلباً أو إيجاباً، بما يتناسب
مع طبيعة السبب المكتشف. ويشرح قوله:
«وموعظة العبرة وسنة الأولين» بقوله: «ومن عرف العبرة فكأنما كان من الأولين»،
فأوضح ان الحكمة تسمى بالعبرة، لتوقف إدراكها إلى عملية العبور، وبادراك الفكر
للحكمة يكون قد وصل إلى السنة، التي عبر عنها بسنة الأولين، حيث بمعرفتها، كأنه
كان في الأولين، لان البنية الكونية أخرها لاحق بأولها، فمن أدرك كيف مضى
أخرها وفق السنة، فكأنه عاش تاريخ البنية من أوله إلى أخره. وهكذا نجد أن الكشف عن
الحكمة والنفاذ إليها، يعني اكتشاف السنة الحاكمة للآية.
إن خطوات التفكير الاعتباري، وما تفضي إليه من
نتائج، يمكن إيجازها وتوضيحها من خلال الرسم الإيضاحي التالي:

الشكل رقم (1)
إن هذا الرسم يوضح العملية العبورية التي يرد فيها المثل المتشابه إلى نظيره المحكم، فتؤدي العملية المقارنة بين النظائر إلى الكشف عن الحكمة، وما تؤول إليه من السنة، إلا إن الأمر قد يستلزم تتابع عملية ردّ الوجوه إلى بعضها، قبل أن تنتهي بالكشف عن الحكمة وما وراءها من سنة.
[31]
نهج البلاغة،
خطبة 133 .
[32]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 54 .
[33]
المجلسي، بحار الانوار، 2/90.
الكليني، الكافي، 1/183.
[34]
الامام علي، نهج البلاغة، قصار
الحكم 31 .