ان
عملية تقليب آيات البنية الكونية وتأوّلها بنظائرها ووجوهها، سواء تلك التي تتطور
إليها أو تلك التي تناظرها فحسب، هي خاصية من خواص مكونات البنية في علاقتها
بالزمن، الذي تنتج وتتجدد في ظرفه، وتنتقل عبره في أطوار: «تصرف حالاتها»[23]، «فحالها انتقال»[24]،
فأصبحت الآيات في «أحوال مختلفة وتارات متصرفة»[25]،
وهذا التصرف لأحوال الآيات تارة سلبي وتارة إيجابي: «فتذكروا في الخير والشر
أحوالهم»[26]،
بهذه القبسات من كلام الإمام علي (ع)، الذي ندرس منطق
فكره، نلمح طبيعة الحياة وأثر الزمن على الأشياء والآيات، التي تنتقل عبر الزمن
متصرفة في أطوار متعاقبة، ولكن التساؤل: ما هي القيمة المعرفية في تقليب الدهر
للأشياء والآيات؟.
تكمن
القيمة المعرفية للتقليب في الكشف عن الحقيقة الخافية لتلك الآيات، كما يقول (ع):
«في تقليب الأحوال علم جواهر الرجال»[27]، و ( الرجال ) هنا هم آيات من
جملة آيات البنية الكونية. فيمكن إعادة قراءة المقولة بِبُعد أشمل كالتالي: «في
تقليب الأحوال علم جواهر الآيات»،
فكل آيات البنية متقلبة من حال إلى آخر، ومنتقلة من طور إلى طور، والإمام علي(ع)
من خلال هذا النص يبين ان الوضع المقارن لأحوال الآيات يكشف عن السنن التي تخضع
لها تلك الآيات والحاكمة لتحولاتها وتقلباتها. وهذا
يتطلب بصورة مستمرةً ملاحظة الآيات في أوضاعها المختلفة، والمقارنة بينها لنتمكن
من تعليلها قبل كشف السنن والقوانين الحاكمة لها. وهذه المقارنات وما تؤدي إليه من
اكتشافات لا تخرج عن إطار العبور من الظاهر إلى الباطن، وفي هذا الإطار يخاطب
الإمام علي(ع) أتباعه مطالباً لهم بالاعتبار في إطار التاريخ، فيقول: «فاعتبروا
بحال ولد إسماعيل، وبني اسحق، وبني إسرائيل (ع) فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب
اشتباه الأمثال» ان الحضارات البشرية المتقدمة، من خلال ما يذكره التاريخ عنها،
ومقارنة أحوالهم كيف بدأت؟ والى ما آلت إليه؟ تكشف عن السنن والقوانين الحاكمة
لتلك التحولات التي خضعت لها تلك القرى الحضرية وانتهت بالحكم عليها بالانتصار او
بالاندثار. فيمكن عقد مقارنة بين أحوال تلك القرى التي
في ذمة التاريخ والمعاصرة التي نعيشها، لنفهم مجرى السنة الحاكمة والمقننة لعلمية
نهوض القرى وانهيارها.وهذا ما حدا بالإمام علي ان يرشد أبنه إليه، باعتبار ان حال
القرى بلحاظ تقارب الأحوال التي تمر بها الأمم، وتشابه أوضاعها، يخوله إقامة
المقارنة وتصور وحدة الأسباب واطراد السنن. ولكن ما هو العنوان الذي يمكن ان يعنون
ظاهرة تقلّب آيات البنية الكونية، ويكشف بهذا التقليب عن علم جوهر آيات البنية؟ ان
تقليب الدهر للآيات من حال إلى آخر، هو ما قد يصطلح عليه بالتجريب، حيث حوادث
الدهر وصروفه هي تجارب، كما
يرى ذلك الإمام علي (ع) وهو يتحدث عن الله جل جلاله: «ولا تجربة أفادها من حوادث
الدهور»، حيث حوادث الدهور تعبير عن تصرف البنية الكونية وحالاتها: «أحوال مختلفة وتارت متصرفة / وفي تقليب الأحوال علم جواهر الأشياء»، ولما
كان الدهر هو الله، كما يقول الرسول: «لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر»[28]،
يتبين ان الله لم ينشئ الكون استفادة من تجربة أفادها من حوادث الدهور، لانه هو الدهر وما التجارب الناجمة عن حوادث الدهر إلا صنع
يديه، فأصبح الله سبحانه يتصف بهذه الصفة فهو مجرّب. وهكذا نجد ان تصريف البنية
الكونية لآياتها في أطوار متلاحقة، يكشف عن خطوة التجريب، التي ينبغي إضافتها إلى
المنهج العبوري.
والرسول في سعيه لصياغة الشخصية المؤمنة، دعا إلى التحلي بأخلاق الله، جل جلاله، من علم، وحكمه، وحلم، وكرم، ومغفرة، ..، بما فيها الصفات السلبية كالتكبر( ولما كان الله هو الدهر الموصوف بالمجرب، الذي يصرف الآيات على حالات، ويكشف من خلال عملية التصريف علما مستبطنا يوصف بعلم جواهرها، يتبين من هذا الطرح، ان الاعتبار منهج تجريبي، وان الإنسان المؤمن الذي ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار، يتصف فكره العبوري بالتجريب العقلي. وعن طبيعة العملية الفكرية في إطار الاعتبار، يطالعنا الإمام علي(ع) بالنص التالي: «قد قلبت هذا الأمر بطنه وظهره حتى منعني النوم، فما وجدتني يسعني إلا قتالهم، او الجحود بما جاء به محمد»[29]، ويقصد من (الأمر) حرب أهل الشام. فالتفكير العبوري هو عملية تجريب، فيها يُقلّب الآية (: الأمر) المتفكّر فيها على وجوهها، وذلك بمقارنتها بأحوالها وأطوارها المختلفة تارة، وبإرجاعها إلى أمثالها ونظائرها تارة أخرى، في عملية تعتمد القياس التمثيلي للعبور من ظاهرها إلى بطونها، بهدف الكشف عن العلاقات الشرطية، والسنن الحاكمة لآلية عملها.بذلك، أصبحت عملية التفكير في إطار الاعتبار تطبع بطابع التجريب والتقليب، وأصبح الإنسان المعتبر يوسم بانه قُلّب حُوّل، كما يقول الإمام علي (ع): (( قد يجد الحُوّل القُلّب وجه الحيلة))[30]، الحوّلُ هو الذي يجري التحولات على الآية بتصورها في شتى أحوالها، والقلّبُ هو الذي يقلّبها على مختلف وجوهها الظاهرة والباطنة، كما في عبارته: «قلبت هذا الامر ظهره وبطنه»، فهذا البُعد التجريبي المشترك حضوره في البنية الفكرية، والأخرى الكونية وهي تقلّب مكوناتها الإشارية، يكشف عن علم جوهرها المترجم في السنن والقوانين الثابتة. فهذه الوحدة في خصائص البنية العقلية والبنية الكونية، تثبت ان تصميم البنية الفكرية يضاهي البنية الكونية. وان المنهج المعرفي الذي يمارسه العقل، هو المنهج ذاته الذي تخضع له مكونات البنية الكونية. وهذا النمط من التجريب كما قد يتم إجراؤه فكريا، كذلك يمكن إجراؤه مخبرياً، حيث المفكّر في المختبر يحاول القيام بدور البنية الكونية في تصريفه للايات من حال إلى حال، عبر التجارب المختلفة باصطناعه لشروط حضورها وغيابها، كما نجد ذلك عند علماء الإسلام، كعالم الكيمياء جابر بن حيان تلميذ الإمام الصادق، وخريج مدرسته التأويلية، وكما نشهد ذلك في العصر الحديث بشكل ضخم، لم يسبق له مثيل، حيث تقف المختبرات والمعامل وراء الثورة التقنية الحديثة.
[25]
نهج البلاغة، خطبة
226 .
[26]
نهج البلاغة،
خطبة 192 .
[27]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 217 .
[28]
الهندي، كنز العمال، ح
8141 .
[29]
الإمام علي، نهج البلاغة،
خطبة 54، 43 .
[30]
نهج البلاغة،
خطبة 41 .