الظاهر
والباطن ثنائي يقسم البنية الإشارية إلى مشهدين، يظهر أحدهما ليحتل الواجهة، بينما
يستبطن الأخر ليشكل الجانب المغمور فيما وراء الواجهة. والظاهر/ الباطن تقسيم يترادف مع تقسيمات أخرى مثل الإشارة/ الدلالة، الأصل/
الفرع، المثل/ شبهه، والشهادة/ الغيب. وكل
ترادف من هذه الثنائيات المشار إليها، يسهم في كشف بُعد من الأبعاد المنهجية لهذا التقسيم
الثنائي، فالباطن يترادف مع الغيب، والظاهر يترادف مع الشهادة، مما يعني أن في
الاستبطان تغييب وإخفاء وفي الإظهار اشهاد وإعلان. ولما كان الظاهر هو المثل،
والباطن شبهه، ولما كان الشبيه يكشف ما غاب في الظاهر، يتبين ان الباطن أو الغيب
إنما يعبران عن النظير الذي به يكشف ما غاب في الباطن. ولما كان الباطن بتحديده يتحول
إلى ظاهر، فان بهذا التحديد يتحول إلى إظهار الحقيقة الخافية والشهادة عليها، وبرد
الإشارة إلى الإشارة النظيرة، يتم تعيين الدلالة المرادة
من الإشارة، بالمعنى نفسه الذي فيه يظهر الغائب، وتعلن الحقيقة المخفية، وفي ثنائي
الأصل والفرع يرد الثاني للأول، فيتم تأصيل الفرع بنفي ما يطرأ عليه من غموض، أو
التباس في حقيقة دلالته.
ان
تجرّد البنية الكونية في دائرة الفكر بوصفها بالإشارية،
وملاحظة التماثل المطرد فيها، وتحول الآيات إلى نظائر لبعضها، هذا التناظر يفيد ان
لكل آية آياتها التي تنتهي إليها تماثلا، هذه النظائر في الإطار المعرفي تسمى
وجوها، تفسّر بها عند تشابهها أو اشتباهها. مما يجعل هذه
العلاقة التفسيرية بين النظائر، التي فيها يعرف النظير بنظيره، تقف وراء انبثاق
ظاهرة الوجوه، ونقرب مفهوم الوجوه بما يجري في الواقع الإنساني القائم على التعرف
على هوية الإنسان من خلال وجهه. فأصبحت النظائر في دورها
المُعرِّف بعضها لهوية بعضها الأخر، بمثابة الوجه الإنساني في وظيفته الكاشفة عن
هويته والمعرِّفة عنه. وتنقسم الوجوه إلى وجوه ظاهرة وأخرى باطنة، وعندما نصف وجه
الآية بانه ظاهر للحواس، لا يعني انه كذلك في منظار
الفكر، فما يبدو للحواس ظاهرا، يبدو للفكر وجها مشتبها ينطوي على الغموض ونسبة من
الخداع في ظهوره الحسي. لذلك يحتاج في إجلائه إلى نفي
الخداع الحسي عنه برده إلى نظائره، التي تمثل وجوهه الأخرى الناسخة لتشابهه. وحين نعرّفه بوجوهه التي يتقمصها، ويتحيز في قوالبها، نكتشف
الحقيقة الخافية بتلك المقارنة، ولهذا ينسب بيان الحقيقة الخافية إلى الوجه الآخر
النظير، مما دعا إلى تسمية ذلك الوجه النظير بالوجه الباطن لاستبطانه للحقيقة
واختفائها فيه. وهكذا ننتهي إلى اعتبار آيات البنية الكونية وجوهاً، ثم نقسم تلك
الوجوه إلى ظاهرة، هي ما بدا منها للحواس، وباطنة وهي الآيات الأخر من البنية التي
لا نشعر بقيمتها المعرفية، إلا إذا وضعت في إطار مقارن مع نظائرها، وفيها تكمن
الحقيقة المغيبة لتلك المحسوسات، الحقيقة المتصفة
بالمجردة والعقلية، التي تدرك بالمقارنات كحقيقة بينية يشعر بها الفكر، ويحسها
الإدراك.
ونجد
هذا التقسيم للنسق الكوني في إشاريته إلى ظاهر وباطن،
عند الإمام علي في قوله: «إن أولياء الله نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها»[17]، فللنسق الكوني وجه ظاهر
اشتغل به أكثر الناس، واشتغل القليلون الذين عرّفهم
النص بأولياء الله بالجانب الباطن، الكامن فيما وراء ظواهر البنية. ويلقي الإمام
علي المزيد من الأضواء على نصه المتقدم بقوله: «إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا
يبصر مما ورائها شيئا، والبصير ينفذها ببصره ويعلم أن الدار وراءها»[18]، فالنص المتقدم عندما يصف
أكثر الناس بأنهم ممن اشتغلوا بظاهر النسق، في النص الأخير يوصف إصابة الفكر
الظاهري للأكثرية بالعمى، لانحسار قدرتها على فقه ما وراء الظاهر. بينما أولياء
الله هم العلماء الذين نفذوا الظواهر بثاقب أبصارهم، إلى بطونها حيث يكمن العلم
المرتبط بالأسباب والسنن، فوراء الظاهر ما تستقر إليه مطامح
فكرهم، وهو ما عبر عنه بقوله: «يعلم إن الدار وراءها».
وعن
حقيقة ظاهر الحياة وباطنها وما يمثله كل منهما يقول الإمام علي (ع): «ليس هناك
أظهر من الباطل ولا أخفى من الحق»[19]، فالظاهر يلازمه الباطل،
والحقائق خافيه وراء الظاهر، أي في بطون ذلك الظاهر، وتحتاج إلى عملية عبور من
الأول إلى الآخر، بنوافذ أبصار العقول. مع الحذر من الوقوع في خداع ظاهر النسق،
الذي حذر منه الإمام علي، ووصف العقول التي لا تنفذ الظاهر بأنها عمياء، إذ تقع
ضحية خداع الحواس في إدراكها للظاهر، يقول (ع) محذراً: «احذروا الدنيا فإنها غدارة
غرارة خدوع»[20]، إننا نفهم هذا الخطاب على
ضوء قوله الآنف: «إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى» حيث عبر عن «ظاهر الدنيا» بـ«الدنيا» واكتفى به، في الوقت الذي أراد فيه القول: «إنما
(ظاهر) الدنيا منتهى بصر الأعمى» وفي مقولته الأخرى: «احذروا الدنيا» إنما أراد ان
يقول: ” احذروا (ظاهر) الدنيا فإنه غدّار، غرّار، خدوع ”.
يمكن
إدراك خداع الظواهر الذي يحذر منه الإمام من خلال حقائق الواقع في ظل العلم
الحديث، حيث يثبت بقاطع الأدلة وبما لا يحصى من الأمثلة ملازمة الجهل للظواهر،
واختفاء الحقائق فيما وراء الظاهر. ونسرد هنا جملة من تلك الظواهر والبطون الكامنة
وراءها لنتعرف على حقيقة كل من الظاهر والباطن، فمثلا: الأرض يظهر سطحها مستوياً،
ولكن هذا باطل، والحقيقة الخافية والكامنة وراء هذا الظاهر إنها كروية (أو بيضاوية
)، والنجوم في صفحة السماء تظهر متناهية في الصغر، ولكن الحقيقة الخافية إنها ليست
كذلك، لانها قد تكبر حجم كوكبنا آلاف المرات. والشمس
تظهر متحركة من المشرق إلى المغرب دائرةً حول الأرض، بينما الحقيقة الباطنة، ان
الأرض هي التي تتحرك حول الشمس. وضوء الشمس يبدو أبيض ناصعاً، ولكن الحقيقة
الباطنة ان الضوء مؤلف من ألوان الطيف. والقمر يبدو مصدرا ذاتيا للإضاءة، ولكن
الباطن الخافي ان نوره مستمد من الشمس. والأشياء تبدو في
ظاهرها ساكنة لا حراك فيها، بينما الحقيقة إنها تتألف من ذرات تعيش حركة دائبة لا
فتور فيها. والمرض يظهر على الجلد في أشكال متعددة، ولكن هذا الظاهر الذي يمثل
أعراض المرض، بينما الباطن ان المرض يكمن وراء الأعراض بوجود إصابة جرثومية، أو ما
أشبه. بهذا نلاحظ إننا أصبحنا نعيش في نظرتنا إلى الآيات الكونية بين وجهين وجه
ظاهر وآخر باطن، كامن وراء الظاهر، وأصبح الأخذ بالظواهر كحقائق نهائية هو الجهل،
لذلك فتحري ما وراء الظاهر، في محاولة للوصول إلى الحقيقة الخافية والكامنة، هو
الصواب.
ولكن
كيف للعقل العبوري ان ينتقل من الظاهر إلى الباطن؟ ان الظاهر والباطن تسمية رديفة للشيء ونظيره، ويتم الانتقال من الأول إلى الثاني، كما
قال الإمام علي آنفاً: «ان
المثل دليل على شبهه»، ويتحدث عن المثل وشبهه بصيغة الباطن والظاهر، في قوله:
«اعلم ان لكل ظاهر باطنا على مثاله فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث
باطنه»[21]،
فأصبح الظاهر يدل على نظيره بدلالة التشابه كما يقول (ع): «هم الذين يخبركم ظاهرهم
عن باطنهم»[22]،
فالظاهر يدل على الباطن المماثل، الذي إذا ما اقترن بالظاهر قيد البحث نفى شبهاته وخداع
ظهوره، وأوصل الفكر إلى حقيقته الكامنة، ففي مثال الأرض المسطحة
بمقارنتها بكروية الأرض، يتبين ان شعورنا باستواء سطح الأرض، ناجم عن ضخامة حجم
الأرض وصغر حجمنا، فلا نلاحظ تحدب الأرض، إلا إذا لحظنا بعض الآيات الدالة،
كاختفاء الجزء الأسفل من السفينة الشراعية في أفق البحر، واختفاء شِراعها بالتدرج
لاحقا، أو بخروج الإنسان إلى الفضاء فيكون بمثابة من تعملق،
فيكتشف حينها كروية الأرض، أو بتأويلنا الأرض بالقمر، فيكون نظرنا إلى القمر كما
ننظر إلى الأرض، فنلاحظ كرويتها، فالأمر بمثابة من نظر إلى الأرض بعد ان انتقل إلى
سطح القمر.
[18]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 132 .
[19]
نهج البلاغة،
خطبة 147 .
[20]
نهج البلاغة،
خطبة 230 .
[21]
نهج البلاغة،
خطبة 153 .
[22]
نهج البلاغة، خطبة
65 .