إن
الآية التي تُطرح أمام الفكر، كموضوع خاضع للتحليل، يتعامل معها الفكر باعتبارها
بنية إشارية تحتاج إلى الاستكشاف، فهي معطى مجهول، سواء أكانت المجهولية
كلية أم جزئية،
وحينها يطلق على تلك الآية وصف مشتبهة أو متشابهة، وتعني أن العقل وقع إزاءها في
الجهل، وأصبحت وظيفته تتلخص في محاولة الخروج من حالة الجهل إلى حالة العلم. وهنا يكون الفكر بحاجة إلى عملية عبور ينتقل فيها من حالة
الغموض، الناتجة عن الاشتباه والالتباس، إلى حالة الوضوح في رؤية حقيقتها
الموضوعية. وهذا ما يكفله الاعتبار، يقول الإمام علي (ع): «إن الأمور إذا اشتبهت
اعتبر أخرها بأولها»[9]،
فيتضح أن الفكر يتوسل للتخلص من المجهول بالاعتبار، الذي يؤسس على التمثيل، الذي
يعرف بأنه انتقال من جزئي إلى جزئي، فيحكم على أحدهما بحكم الآخر لشبه يلوح. إذ
ليس في الواقع الخارجي إلا الجزئيات، لذلك حينما يجهل
الفكر بالجزئية يتوسل بالاعتبار للوصول إلى العلم بها، يقول الإمام علي مقررا هذه
الحقيقة: «ومعتبراً لمن جهل»[10]،
ثم يضيف في هذا السياق: «من اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم»[11]،
فيوضح أن الاعتبار آلية تنقل العقل من حالة الاشتباه إلى حالة الإيضاح والبيان،
مما يجعل حصيلة النصين تتحدث عن رحلة الفكر من المجهول إلى المعلوم، ولنقرأ هذه
الحصيلة في النص الاندماجي المؤلف من النصين المتقدمين: «من جهل اعتبر، ومن اعتبر
أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم».
ويمكن
التعمق في فهم التماثل في البنية الكونية، بالقول لما كان الكون في تجرده الإشاري
بنية شجرية، لها أصولها وفروعها، فإن في هذا التجريد ارتقاء فوق الخصوصيات، والنظر
إلى الحياة على تنوعها من جانبها المشترك، المتجلي في الإشارية أو الشيئية، مما
يفرض أن التجرد يبرز الخصائص المشتركة، المستوعبة لكافة مكونات النسق. ان أبرز
خاصية للنسق الإشاري تتجلى في خاصية التماثل والتشابه، حيث تبرز مكونات النسق
الإشارية، وقد بدا بعضها يشبه بعضاً. والتماثل الساري في البنية الكونية لا يقتصر
مفهومه في صيغته المحددة القائمة على التشابه، بل يتعدى المفهوم ليشمل المتلازمات،
التي هي صيغة رديفة للمتماثلات، فآيات البنية الكونية
متلازمة من جهة، ومتماثلة من جهة أخرى، ومفهوم التلازم يتداخل مع التشابه، مما
يجعلنا نعتبر التلازم رديف التماثل، وحقيقة واحدة، نعبر عنها بعنوان جامع هو
التشابه (أو التماثل )، وكما يسمى الشيء بشبهه يسمى بملازماته، مما يجعل
المتلازمات تقوم مقام الأشباه.
ان
التماثل المطرد في البنية الكونية، يستند إلى آلية النظام الذي يحكم البنية
الكونية، القائمة على إلحاق ما تقدم بما تأخر، وفي هذا الإطار يقول الإمام علي
(ع): «اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها فإن بعضها يشبه بعضاً وأخرها لاحق
بأولها»، وهذا يترادف مع قوله: «عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين
آخر فعاله كأوله متشابهة أموره»[12]،
وهو ما يشير إلى مسار قسري، يفرض نفسه على مكونات الوجود، بحيث يجري ما بقي على
أثر ما مضى، وهذا الانتظام يعبر عنه بالسنة كما يقول الإمام علي (ع): «فان الدنيا
ماضية بكم على سنن»[13]، فالسنن تؤطر لتجري
الظواهر المستقبلية على أثر الظواهر الماضية، وتتوحد فعال الزمن لتصبح البداية
كالنهاية، ما يجعل السُّنة خط يلتحم طرفاه، ليمثل دائرة، تعيد في ظلها الحياة إنتاج نفسها، ليصبح ما مضى كالآتي، من
حيث تماثل الآيات مع بعضها، ومن حيث شدة تقارب الظروف والشروط، التي تنتج فيها:
«فاعتبروا فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه الأمثال»[14].
وبذلك يعيد تاريخ الحياة نفسه..
ولهذا
التشابه بين آيات نسق الحياة قيمته المعرفية، بلحاظ ان الظاهر من البنية في جانبه
الوصفي والوظيفي، يعبر وينبئ عن الجانب الأخر، الذي تمثله السنة الكامنة. فأصبحت
المعرفة تبدأ بالانطلاق من ملاحظة الجانب الوصفي والوظيفي لبنية الآية الخاضعة
للدرس، انطلاقا من قول الإمام علي(ع) فيما تقدم: «.. وبصرا لاحظا ليفهم معتبرا»،
ثم توصيف البنيات الإشارية الأخر المتصلة بالبنية قيد الدرس، وطبيعة العلاقات
الوظيفية القائمة بينها، ثم ملاحظة البنيات الأخر المماثلة، التي تكون قد سبقت
دراستها، وبعد التدوين لهذه الملاحظات والمشاهدات، التي هي آيات، يكون الباحث قد
تأول تلك الآيات ببعضها، على ضوء علاقة التماثل، التي تشمل في مفهومها التلازم:
«اعقل ذلك فإن المِثل دليل على شِبْهِه»، ليكتشف ما غاب في الآية قيد الدرس، بما
ظهر في الآيات والبنيات الأخرى المناظرة، وهذا هو التنبؤ، كما يقول الإمام علي
(ع): «استدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه»[15]،
فما وقع في الجانب المشهود من البنية، يدل على ما خفي في الجانب الغائب منها، كما
يدل على ان ما وقع في الماضي، يشير إلى ما سيقع في الآتي، وبالتالي بالإمكان
التنبؤ بما غاب من ظاهر الآية قيد الدرس، وبما خفي من مستقبلها، بما يشاهد في
نظائرها من الآيات الحاضرة والماضية. بذلك يصبح منطق
الاعتبار، قد فرضته البنية الكونية على العقل البشري، فقيام العقل بقياس المثل على
شبهه، يتوافق مع عمل البنية الكونية، حيث العملية الفكرية تكتشف السنة بتتبع
التماثل كأثر لها.ويمكن تقديم عدة نماذج كالتالي:
النموذج
الأول: تلقى كلود برنارد يوما في معمله أرانب واردة من
السوق، فوضعها على منضدة حيث بالت، ولاحظ ان البول كان صافيا حامضيا، فاندهش
للأمر، لمعرفته السابقة بان بول الأرانب يكون في العادة عكرا قلويا، إذ الأرانب من
أكلة الأعشاب. ولمعرفته السابقة أيضا بان بول آكلة اللحوم من الحيوانات صافي
حامضي، فتؤول الأرانب بآكلة اللحوم، فرأى الأرانب في صورة النمور، ليكشف التأويل
ان عملية أكل اللحم، التي تتم في الأرانب بصورة غير مشهودة، والدالة عليها مواصفات
بولها الطارئة، هي التي تحضر في النمور بصورة مشهودة، باقتيات هذه الأخيرة على
اللحوم بصورة ظاهرة، فعبر عن هذا التأويل بعبارته التي جاء فيها: «فأدى بي ما
لاحظته من حموضة البول لدى الأرانب إلى الاعتقاد بان هذه الحيوانات لابد أن تكون
في نفس الحالة الغذائية التي تكون عليها آكلة اللحوم، فظننت إنها ربما لا تأكل منذ
زمن طويل، وان الصيام قد حولها إلى آكلة لحوم تتغذى من دمها هي»[16]،
وكانت نتيجة تأويله ذاك التعرف على العلاقة الضرورية، التي لم تكن تعرف من قبل،
وهي: «إن جميع الحيوانات الصائمة تتغذى باللحم، بحيث يكون بول آكلة الأعشاب شبيها
ببول آكلة اللحوم».
وبتقريره
بان بول آكلة اللحوم صافي حامضي، وبول آكلة الأعشاب عكر قلوي، إنما يقدم نموذجين
لتأويل اللازم بملزومه. ويمكن التعبير عن ذلك بلفظ التشابه بالقول، إن مواصفات
البول أشبه بالأكل الذي يقتات به الحيوان، ويسهم في تحديد هذا الرابط استقراء
مواصفات البول عند آكلة العشب من جهة، وآكلة اللحوم من جهة أخرى، ليتبين اطراد
المواصفات المشار إليها، ويمكن تأكيد ذلك بإجراء تغيير على البرنامج الغذائي عند
أحد الطرفين كالأرانب، فتتحول مواصفات البول إلى مواصفات بول آكلة اللحم، ليتكشف
عن مسؤولية نوع الغذاء
(أعشاب / أو لحوم )، عن المواصفات التي يكتسبها بول الحيوان.
النموذج
الثاني: يمكن ملاحظة ان الإنسان حينما اكتشف النظام الذري، القائم على تمركز النواة
في وسط بنية الذرة، تدور حولها الالكترونات في مسارات محددة، تحكم علاقة تلك
الالكترونات بالنواة قوتان مركزيتان؛ أحداهما جاذبة
والأخرى طاردة، وهذا ما يشبه بنية المجموعة الشمسية، التي فيها تدور الكواكب في
مسارات منتظمة حول الشمس، وتحكمها في انتظامها القوتان
المركزيتان ذاتهما، فيكشف هذا التماثل بين النظامين عن
الحقيقة الخافية، المتمثلة في الطاقة النووية الكامنة، فبتأويل نظام الذرة بنظام
المجموعة الشمسية، يجعلنا ننظر إلى نظام المجموعة الشمسية بمثابة نظرنا إلى النظام
الذري؛ بتأويل كواكب المجموعة بالالكترونات وتأويل النواة بالشمس، فنحكم على
النواة بحكم الشمس، أي ان النواة تختزن طاقة هائلة وقدرة إشعاعية عالية، يحتاج
إطلاقها وتحريرها إلى تفجير، فالشمس تمثل النواة في وضعها المتفجر، فما بطن في
ظاهر النظام الذري، نجده ظاهرا في النظير الممثل في نظام المجموعة الشمسية.
النموذج
الثالث: ما يحدث أثناء عملية التزاوج بين الذكر والانثى في إطار الجنس البشري،
يمكن أن يفسر بالنظير الذي يتحدد بالأسماك، فعملية التزاوج في نطاق الأسماك تحدث
عندما تضع بعض الأسماك في موسم التزاوج بيوضها على صخور
القاع، ثم تأتي الذكور لتفرز حيواناتها المنوية على تلك البيوض،
فتحدث ظاهرة التلقيح، وهي العملية ذاتها التي تحدث في نطاق الجنس البشري، فما غاب
في الأخير وجهلناه نستطيع أن نلمحه في النظير الثاني ظاهرا، فكما إن هناك بويضة
وحيوان منوي ملقح، كذلك ما يتم في صورة داخلية يقوم على الأساس ذاته، لنلاحظ معنى
أن ترتبط النظائر بعلاقة تفسيرية، بل إن فكرة أطفال الأنابيب توحي بها عملية
التلقيح في إطار الأسماك، حيث تثير التساؤل حول إمكانية إجراء التلقيح خارج الرحم،
كما تفعل الأسماك، بهدف تجاوز بعض المشاكل المعيقة، ثم يعاد زراعة البويضة الملقحة
في الرحم.
ونلاحظ،
في هذين النموذجين المتقدمين، ان التماثل بين النظيرين يدل على ان الجانبين
المختلفين من النظيرين يرتبطان بعلاقة تفسيرية، وان القدرة على فهم الآية من خلال
الأخرى المناظرة كبير حدا، وهذا ما يشكل ضابط ومحدد لعملية العبور من المثل إلى
شبهه. حيث في البداية ينبغي تلمس الحقيقة المغيبة في الأشباه الأقرب في تناظرها
للآية قيد الدرس، والتي يسرع الذهن في التبادر إليها،
قبل الانطلاق مع النظائر والأشباه الأخرى الأبعد، التي سوف تقود النظائر القريبة
إليها بصورة تسلسلية، تكون فيها قريبة من النظائر الواقعة في قربها في الصف الثاني
والثالث والرابع ..، وان كانت بعيدة عن الآية قيد البحث،
اذا ما تصورناها بدون النظائر الوسيطة، وقريبة منها اذا تصورناها مع النظائر
الوسيطة، باعتبار ان قرب الواحد (الذي يمثل الآية قيد البحث) بالنسبة للاثنين
المتمثل في الآيات الأقرب شبها، كقرب الاثنين للثلاثة، وكقرب الثلاثة للأربعة...
بينما بُعد الأربعة عن الواحد واضح، فالنظائر في عملية العبور يمكن أن ينتقل إليها
من الأقرب فالأقرب، ليكون من الممكن السيطرة على تعقيد العملية ودقتها، إذا ما
أردنا استقصاء امتداداتها بصورة موسعة، تضبط جميع خيوطها بدقة، وقد يتم الانتقال
إلى النظائر الأكثر حسما في معرفة حقيقة الآية المدروسة بصورة طفرة، يقوم بها
الفكر بصورة حدسية، ومن المفيد للفكر استثمار الحركة على كلا المحورين، في بحثه عن
الحقيقة الغائية بين نظائر البنية، ويرجع هذا البحث بذاكرتنا إلى البحث المتقدم
حول الكلمة في تسلسلها، وفي شجريتها، وما يعبر ذلك عن
عملية التحليل والتركيب الفكري. كما يمكن أن نلاحظ في
النماذج المتقدمة، إن التناظر يمكن أن يقود إلى الكشف عن السبب المفسر للآية، بشرط
تواصل عملية الاستقراء للنظائر، وان لا يتم في نطاق ضيق، فعملية الاستقراء إذا ما
تواصلت فإنها ليست قادرة على الكشف عن السبب الخاص، بل قادرة على الكشف عن السبب
العام، ثم ترتقي للكشف عن السبب الأعم، ثم الأكثر عموما.
وبناء
على ما تقدم يمكن القول بان آيات البنية الكونية متناظرة، فتنظر كل آية إلى الآية
الأخرى، هذا التناظر يصنف آيات البنية في قوائم، يجعل كل آية في البنية الكونية
عندما نرجع بها إلى نظائرها في القائمة المفترضة ونستقرئها،
تخولنا تحديد النظائر الأكثر حسما في القائمة، والأكثر قدرة على تفسير الآية قيد
البحث، مما يعني إننا في استقرائنا للنظائر، إنما نبحث عن الآيات النظيرة المفسرة
بحسم، رغم ان لكل نظير قدرة على الإيضاح، وإلقاء الضوء على الجانب المغيب من
الظاهرة. فالبحث غير قائم على رد النظير إلى النظير
فحسب، ولكن رد النظير إلى الأخر، ومحاولة تصوره من خلاله تأويلا، هادفين التوصل
إلى النظائر الأكثر حسما في تحديد الحقيقة الغائبة في الآية المدروسة. ما يعني
إننا نبحث عن علاقة الفرع بأصوله القادرة على تفسيره وإظهار ما غاب منه، وإغفال
هذه العلاقة بين النظير والأخر، توقع الفكر في التلبيس والاشتباه، فإذا أصبحت
القضية جمع للمتشابهات والنظائر فحسب دون القدرة على تأويل النظير بالأخر، والاستنباط
تأويلا، فان الأمر يتحول إلى جمع للفروع إلى بعضها، دون وضوح العلاقة بينها، فما
تزيد العملية حينها الفكر إلا حيرة وضلالة عن المعرفة المتوخاة. لتكون القضية
واقعة خارج إطار الاعتبار. الذي هو آلية هدفها نقل الفكر
مما تشابه وغمض عليه، إلى ما يحكم الآية في وجوهها المتكاملة فيما بينها، لينتج
رؤية يقينية واضحة كعين الشمس.
ان
التناظر هو المسئول عن تصنيف آيات البنية الكونية تصنيفا معجميا، فعلاقات التماثل
القائمة بين مكوناتها الإشارية، تدل على قدرة آيات البنية الكونية على تفسير بعضها
بعضا، وشهادة بعضها على بعض، ما يجعل من هذه القدرة ضابطا ومعيارية صارمة، يمكن
التحاكم إليها في إثبات النتائج المتوصل إليها او نفيها، من خلال قدرتنا على
اختبارها بإعادة إيجاد المقدمات، التي عزيت إليها تلك النتائج، باعتبار ان الباطل
ما يبدئ وما يعيد. بينما النتائج الحقة هي النتائج
القادرة على ان تتجلى، كلما توفرت مقدماتها الضرورية المتحكمة في غيابها وحضورها،
والدالة على توصلنا إلى السنن والعلاقات الضرورية الحاكمة لها. في ظل هذه النظرة
للبنية الكونية، نستطيع أن نلمس قدرتها على تأكيد النتائج او نفيها.
يضاف إلى ذلك ان التفسير قائم على تلاقح الآيات والمقارنة بينها، وتصور بعضها في قوالب بعضها الأخر، مما يعني ان رأي الباحث وميوله ومسبقاته الفكرية الغير محققة، لا يمكن ان تدخل في عملية التأويل والتفسير، وإلا أدت بها إلى الانحراف، مما يعني ان المطلوب أن يخضع الباحث للتناظر، الذي يملي عليه اتجاه البحث ويقوده إلى الآيات المراد اقترانها ببعضها وتأويل بعضها ببعض، وليس الباحث هو الذي يملي مسار البحث، وهذا ما يجعل العملية العبورية بعيدة عن الشطط، بالإضافة إلى إنها تؤدي إلى مفاجاءات وفتوحات علمية غير متوقعة. والخلاصة، ان القيمة المعرفية لخاصية تماثل النسق والبنية الكونية، تتجلى فيما بنبني عليها من منطق استدلالي، فالتماثل يتحول في الدائرة المعرفية إلى منطق قائم على الاستدلال بالمثل على شبهه الأقرب فالأقرب، في تسلسل لا يكاد يتناهي، وهو ما يشجّر البنية الكونية لتتحول إلى شجرة لها أصولها وفروعها. وعملية رد الفرع إلى أصوله والمثل إلى أشباهه، تكفل في افقها المستهدف إلى نقل الباحث إلى الأسباب، والارتقاء معها إلى ان يكتشف منظومة الأسباب، التي تحكم الظاهرة ونظائرها. وقدرة البنية الإشارية على تفسير بعضها بعضا، وشهادة بعضها على بعض، تحيلها إلى معيارية تحاكم ما ينسب اليها من نتائج، فتثبت ما ينسجم معها، وتبطل الدخيل المنسوب إليها. وفي ذلك تحقيق لمفهوم الإشارية، حيث الاستدلال بالمثل على مثله يؤول إلى مفهوم إشارة الشيء إلى الشيء، فما وقع في الجانب المشهود من النسق، يدل على ما استبطن في الجانب الغائب منه. كما يدل على ان ما وقع في الماضي، يشير لما يقع في الحاضر وعلى ما سيقع في المستقبل. وفي ظل المعرفة القائمة على ملاحظة التماثل ومكررات آيات البنية الكونية، التي فيها يحضر الغائب في الجانب الشاهد، ويحتذي الأتي مثال الماضي، يفرض المنهج العبوري ضرورة تدوين تاريخ الآيات، ليصبح مرجعية في معرفة الحاضر والتنبوء بالمستقبل، وهذه المرجعية بحاجة إلى المراجعة الدائمة على ضوء حركة البنية التطورية*.
[9]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 76 .
[10]
نهج البلاغة،
خطبة 190 .
[11]
نهج البلاغة،
الكتاب 69 .
[12]
نهج البلاغة،
خطبة 157 .
[13]
نهج البلاغة،
خطبة 190 .
[14]
نهج البلاغة، خطبة
192 .
[15]
نهج البلاغة،
الكتاب 31 .