يكشف
الإمام على(ع) عن توحد المحتويات المكوّنة لموضوع الفكر: «إنما ينظر المؤمن إلى
الدنيا بعين الاعتبار»، فهو لم يقسم البنية الكونية (: الدنيا ) إلى ميادين وأُطر
لكل منها منهج معرفي محدد، وإنما نظر إلى النسق الكوني، باعتباره بنية معرفية
منسجمة في مكوناتها، متوحدة للنظر، ذات موضوع واحد، لا مواضيع متعددة، تخضع لمنهج
شامل في عملية التفكير متحدد في الاعتبار. وعن هذا
التوحّد للمجال الكوني المجرد في منظار العقل البشري، يقول الإمام علي: «إن في كل
شيء موعظة وعبرة لذوي اللب والاعتبار»[1]، فهذه المقولة تصف مكونات
البنية الكونية بالشيئية، فمفردات الوجود سواء أكانت ماديات أم غيبيات، ظواهر
طبيعية أم ظاهرات إنسانية، تبدو في منظار هذه المقولة أشياء، وفي الشيئية ما يكفي
من التعميم الذي من خلاله تتجرد المكونات الكونية، ليصبح كل وجود بالإمكان ان يطلق
عليه انه (شيء)، دون ان يكون في تشييء الأشياء نظرة
مادية، بعد ان أطلق الله على ذاته القدسية بأنها شيء، كما نستفيد من مفهوم قوله:
(ليس كمثله شيء)، فهو شيء ليس كمثله شيء، وعلى هذا الأساس ينطلق الفكر العبوري في
تعامله مع مكونات الحياة باعتبارها أشياء.
ان
موضوع الفكر، الذي جُرد ووحدّ بوصفه بالشيئية، بالإمكان ان نجد تجريداً وتوحيدا
آخر له، في عبارة الإمام علي (ع): «فاعتبروا بالآي السواطع»[2]، فالبنية الكونية بمحتوياتها
الشيئية نسق من الآيات والإشارات، وفي الإشارية تجريد أخر للبنية الكونية، وتوحيد
لمجال الفكر، الذي يبدأ النظر إلى الأشياء باعتبارها آيات وإشارات. ان تحويل
الوجود من صفة الشيئية إلى الصفة الإشارية، فيه دلالة عميقة، لما تفرضه الشارة من
مشار إليه، مما يحيل البنية بمكوناتها الشيئية إلى نسق من الرموز، التي لها ظاهرها
المستبطن لدلالات، فكل رمز في النسق شفرة بحاجة إلى تفكيك، مما يجعلنا أمام
مفهومين؛ مفهوم الإشارة، ومفهوم المشار إليه (الدلالة).
وفي
ذلك إيجاد بُعد آخر للحياة في منظار الفكر الاعتباري، يكشف المعنى الذي يُشتق منه
المنهج، حيث عملية الاعتبار تعبير عن العبور والاجتياز، الذي يقوم به الفكر
بانتقاله من الإشارة إلى الدلالة، التي تختزنها تلك الإشارة، التي هي إشارة أخرى.
ولما كان الانتقال من الإشارة إلى الدلالة انتقالا متتابعا متسلسلا غير قابل
للتناهي، بذلك صار الانتقال الإشاري من إشارة إلى أخرى قادرا على ربط المجال
الكوني بعضه ببعض بمثابة ترابط فروع الشجرة بأصولها، حيث الإشارة تفيد دائما إن
هناك ما يشار إليه، فتتبدا من خلال عملية الانتقال
المتعاقبة حقيقة التفكير العبوري، فالتسلسل يصنع للفكر عملية التراكب بين الإشارات
بإلحاق فروعها بأصولها؛ إذا ما نظرنا إلى البناء الإشاري من منظار تصاعدي. أو يفكك البنية المتراكبة بفصل فروعها عن أصولها؛ إذا ما نظرنا
إلى البناء الفكري من منظار تنازلي. وفي ذلك يحقق الفكر عملية ذات وجهين هما
التحليل والتركيب، تمثل أحداهما الأصل والأخرى العكس،
ويتلخص في هذه العملية المزدوجة النشاط الفكري.
وهكذا نستخلص إن التفكير العبوري، يجرد موضوعه بوصفه بالإشارية، لتصبح المواضيع المطروحة أمام الفكر، مهما كانت طبيعتها، هي في منظاره إشارات لها مضامينها ودلالتها، التي ينبغي العبور إليها، من خلال عملية التحليل والتركيب. وفي ظل هذا الفهم التجريدي لموضوع الفكر، نستغني عن تقسيمات ظلت تأسر الفكر، عندما تحصره في مواقع معينة، وتسلبه القدرة على الارتقاء إلى مواقع أخرى، فتقسيم العالم إلى مادي وما ورائي، أو تقسيم مجال العلم إلى طبيعي وإنساني، هذه التقسيمات أصر وأغلال ينبغي التخلص منها. حيث لا فرق بين موضوع ينتمي لعالم المادة عن آخر ينتمي إلى عالم ما وراء الطبيعة، ولا تمايز بين ظاهرة طبيعية عن أخرى تمثل ظاهرة إنسانية، فكلها مواضيع يتعاطى معها العقل باعتبارها ذات صفة إشارية، وكلها في هذه الصفة سواء.
[1]
الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم،
مادة الحديث.
[2]
الإمام علي، نهج البلاغة،
خطبة 85 .