يجدر
بنا في الخاتمة، أن نعقد مقارنة بين الفصل الماضي المتعلق باللغة وهذا الفصل
المتعلق بالفكر، لنخلص إلى فكرة جوهرية فحواها ؛ إن نظام
اللغة في إطار مبحث الوجوه هو النظام الذي يتبناه الفكر. مما
يعني أن ممارسة الإنسان للغة هي ممارسته للفكر. فتحليل اللغة المتقدم هجم بنا، في
الواقع، على حقيقة النظام الفكري عند الإنسان. بهذا نكتشف الآثار الفكرية الناجمة
عن سقط مبحث الوجوه، وان عملية تحريف
اللغة عن فقهها الذي تناوله القرآن تحت عنوان التأويل هو تحريف وتزييف لفكر
الإنسان المسلم، باعتبار أن التأويل يمثل الآلية المنطقية للعقلية المسلمة،
والنظام المعياري للفكر الإنساني. والبعد الفكري هو اخطر
الأبعاد التي يمكن الكشف عنها في الحرب الدائرة بين القوى المتصارعة في مراحل ما
بعد الرسول، وهي الحرب التي اعتبرها القرآن حربا بين قوى الخير والشر، بين النفاق
والإيمان، بين الكفر والإسلام. وان اعتبرها المؤرخون تحفظا حربا أهلية بين قوى
إسلامية وطوائف مؤمنة، ولم يبرز منها أولئك المؤرخون بشكل واضح سوى البعد السياسي
والعسكري، بينما غُيب البعد الفكري، وطمست معالمه بعد أن أرسيت القواعد الفكرية
المزورة، ليتحول البعد الفكري المزور إلى بنية تحتية
لبنية فوقية تمثلها الأمة بكل نظمها ومؤسساتها، التي تشكل مظاهر التخلف والبؤس
الحضاري الشامل، ابتداء من عقم العقلية العربية المسلمة، مرورا بالتمزق الديني في
صيغته المذهبية، والهيمنة للأنظمة القبلية المستبدة، انتهاء بسيطرة القوى الإستكبارية على مقدرات الأمة الإسلامية وعلى تقرير مصيرها.
لقد
سطحت الأنظمة الاستبدادية التي عرفها التاريخ الإسلامي فكر الإنسان المسلم حين
أخرجته من دائرة الفكر التأويلي الباطني، الذي يجرد البنية الفكرية واللغوية
والكونية في صيغ إشارية، ويستهدف النفاذ وراء التشكلات
السطحية، والوجه الظاهر من الأنساق الإشارية، للوصول إلى الأنساق الباطنية
والعلاقات الإشتراطية، التي تمثل الجوانب السننية
الكامنة فيما وراء الظواهر الحسية المشهوده، والتي تشكل
البنيات الشبكية المغيبة المتصفة بالثبات وعدم التحول، التي تهيمن على الجانب
الظاهر من الأنساق الإشارية، وتمنحها نظامها ومنطق حركتها، لتلقي - أي تلك الأنظمة - بفكر الأمة وتحصره بحصر
القراءات في الجانب الظاهر من الأنساق اللغوية والكونية والفكرية، وتعطل بذلك
الفكر عن القدرة على تصريف آيات البنى الإشارية، بعد إن ألغت اشاريتها
وإحالتها إلى تشخصات ظاهرية حسية، ليست لها هوية سيميائية، وليست لها جوانب أخرى مغيبة ورائها، لتنحسر قدرة
العقل المسلم على التعاطي الصائب مع تلك الأنساق، بعد أن اغفل الطبقات التي تمثل
أعماق تلك الأنساق، والتي تكمن فيها شبكة العلاقات السننية
المتصفة بالثبات وعدم التحول. فصار فكره متحيزا في إطار الظواهر، فهو فكر ظاهري
مشلول في ظاهريته، نتيجة تحول مكونات الأنساق في صيغتها
الظاهرية، إلى متفرقات لكل منها وجوده الذاتي المستقل، الذي لا يلتقي مع الوجودات الأخرى المجاورة له في ذات النسق، مما جعل الفكر
الظاهري يعيش حالة من الحيرة، والشك، والاختلاف، المتأبد
فيما ينتجه من تصورات، تقوم على أساس ظاهري.
وما
ظاهرات المذاهب فيما أنتجته من أفكار تختلف وتتناقض في كل عنوان من عناوين الدين
الإسلامي، إلا نتيجة ابتنائها على الدلالات السطحية،
والوجوه الظاهرية للنصوص. حتى تلك المذاهب التي صنفت على إنها مذاهب باطنية، هي في
الحقيقة مذاهب ظاهرية، لان المذهب التأويلي الباطني هو المذهب الذي ينطلق بصورة
واضحة الخطوات والمبادئ من الظواهر إلى ما تؤول إليه من بطون، عبر أداة منهجية
مشتقة من الأنساق الإشارية، تمنح النسق الإشاري قيد الدرس حق النطق، والقدرة على
المصادقة على النتائج المتوصل إليها، بينما المذاهب في منحاها الظاهري أو الباطني،
كانت لا تعتمد على هذه المنهجية، وإنما تعتمد على الظاهر أو الباطن، الذي فيه
يتقول كل منهما في النص حسب ما يرتأيه، فيتبرع كل منهم
بالنطق عن النص والافتراء عليه. فهو ليس مترجما للنص، يتحدث بما أوحى به إليه، كما
يفرض ذلك المنهج التأويلي، وإنما هو يصادر قدرة النص على النطق الإيحائي، حين لا
يعترف او لا يعرف أن له هذه القدرة، فينظر إلى النص باعتباره أبكما، لذلك يتقدم
بالنطق عنه، بعد أن يسقط عليه أفكاره وثقافته، فيحمله ما لا يحتمل، ويقوّله ما لا
يقول، في عملية إلباس الحق بالباطل.
لم
يكن هذا التعاطي في إطار هذا الفكر المذاهبي المفلس، ليزيد الأمة إلا تخلفا
وتراجعا، كما تشير إلى ذلك كل المؤشرات، التي يتظاهر بها واقع الأمة على امتداد
قرون من الزمن. لقد غَيب الفكر المذاهبي المفلس الجانب العقلاني، وأضاع الحكمة
التي تحدث القرآن عن مجئ الرسول بها: (ويعلمهم الكتاب
والحكمة)، والتمس الحكمة في كتب ألفها فمزج فيها بين أنصاف من الأفكار الإسلامية،
كقوله بالقياس المعبر عن الرأي الساذج، مع الأفكار التي جاءت بها الثقافات الأخرى
كمنطق أرسطو والفلسفات الإغريقية، فأوجد ما عرف بالعلوم الإسلامية كعلوم لها
طابعها المنهجي، بما يشمل علوم اللغة، التي رأينا كيف عبرت عن المنطق، وكيف انحسرت
الصفة المنطقية عن علوم اللغة في صيغتها المزورة، فاعتمد الفكر المذهبي هذه العلوم
المنهجية المبتدعة، فأخذ يتدارس كتبها كمقدمات لدراسة النص، فضاع في اختلافاتها وتناقضاتها وهجر القرآن، محققا النبوءة القرآنية: (يا رب ان
قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، ليكون بذلك مصداقا لقوله تعالى: (نبذ فريق
من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين)101/2،
فالفريق النابذ يشمل كل المذاهب الظاهرية والأخرى الباطنية التي تشعبت إليها مدرسة
الرأي، التي تزعمها شياطين الفكر والسلطة والجهل، والتي تقابل مدرسة التأويل التي
تزعمها الأئمة من أهل البيت النبوي والراسخون في العلم، وكان جزاء ذلك ظهور كل
ألوان الشقاء، الذي يحفل به ويضج واقع الأمة: (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته
فان الله شديد العقاب)211/2.