يمكن
أن يوصف منهج الاعتبار بالمنهج الاستنطاقي، ويشتق هذا الوصف من قيام العملية
الاعتبارية على استنطاق آيات النسق برد بعضها إلى بعض استنادا إلى التماثل. مما
يترتب على ذلك، ان ما من آية في النسق يرد عليها التساؤل، إلا وهناك آية تجيب عن
الاستفهام المطروح، إجابة إيحائية. فأصبحت عملية البحث والتفكير، قائمة على طرح
الاستفهامات، ثم الإنصات إلى النسق الإشاري، وهو ينطق بالإجابة وحياً. ان قابلية
البنية الكونية للنطق في ظل المنهج العبوري، نلحظ فكرتها في وعي الإمام علي
بمقولته: «وظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته، وأعلام حكمته فصار كل ما خلق
حجة له، دليلاً عليه، وان كان خلقاً صامتاً، فحجته بالتدبير ناطقه، ودلالته على
المبدع قائمة»[45]،
فالبنية الكونية وان كانت آياتها وأشياؤها تبدو صامتة بكماء، إلا إن ذلك يأتي في
سياق خداع الظاهر والتباسه على الفكر، وبالرجوع إلى الحقيقة الباطنية المدركة
عقليا، فان قابلية النسق الكوني على النطق من غير جهة النطق متحققة،
بلا ريب، بالإيحاء الإشاري، الذي يكشف عن الجانب المضمر من النسق، الذي يختزن في غيابته نظام من السنن.
ونلمس
المزيد من معالم فكرة ناطقية النسق في تفسير الامام علي
لسورة «التكاثر» حيث تطرق إلى المتفاخرين بالأموات، فقال: «ولو استنطقوا (اي
المتفاخرين) عنهم (اي عن اهل القبور)، عرصات تلك الديار
الخاوية الخالية، لقالت (تلك العرصات): ذهبوا في الأرض
ضلالاً، وذهبتم في أعقابهم جهالاً، تطؤون
في هامهم، وتستنبتون في أجسادهم، وترتعون فيما لفظوا وتسكنون فيما خرّبوا وإنما
الأيام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم»[46]، إذن، هناك
عملية استنطاق، والتي تنطق في النص هي العرصات! ولكن
بتساؤل تأسيسي: هل للجمادات ان
تنطق؟ يجيب الإمام علي بالقول: «ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم
أبصار العبر، وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا: كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجسام النواعم، ولبست أخدام البلى، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة، وتهكمت علينا الربوع
الصموت فانمحت أجسادنا، وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة أقامتنا، ولم
نجد في كرب فرجاً ولا من ضيق متسعاً، فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغضاء لك، وقد ارتسمت أسماعهم بالهوام، فاستكت
واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الألسنة في
أفواههم بعد ذلاقتها»[47]، فيرى ان الصوامت تتميز بمنطق
ابلغ من القول البليغ: «وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً، وستعقبون مني جثة
خلاءً، ساكنة بعد حراك وصامتة بعد فطن، ليعظكم هُدُوي،
وخفوت إطراقي، وسكون أطرافي، فانه أوعظ للمعتبرين من النطق البليغ، والقول
المسموع»[48]، ان نطق الأشياء يعتمد على
الإيحاء، وان كل التصورات التي ينشئها ذلك المنطق ويرسم مشاهدها أمام عيون العقل،
تفوق في مصداقيتها ما تعاينه الحواس، فلا يساويها واقع الكشف والمعاينة الحسية،
فهي أبلغ منه لانه: «قد تكذب العيون أهلها ولا يغش
العقل من استنصحه»[49]، وفي هذا السياق يضيف: «لو كشف
لي الغطاء ما ازددت يقيناً»، ذلك بعد ان وصل بالفاعلية الفكرية إلى اليقين المحض،
الذي لا ترتقي إليه الشكوك، فما كشفه له العقل من دلائل فأجلاها لبصيرته، أوضح لما
انجلى لحواسه من معطيات ملتبسة غير خلو من الخداع، لذلك تحتاج إلى تفكيك تشابك
خيوط الحق مع خيوط الباطل فيها.
إن
هذه الحقيقة للمنهج الاعتباري تجعل الإسلام يرفض دخول الرأي في منهج البحث
والتفكير العبوري، لما له من دور في إفساد المنهج، وتحريفه عن طريق الصواب،
بتضليله عن الحقائق التي لا يمكن إدراكها، إلا بالإنصات إلى الآيات قيد الدرس. فإذا ما دخل هوى الباحث ورأيه في توجيه نتائج البحث بالتبرع
بتفسير الآيات عوضاً عن تفسير الآيات نفسها بنفسها، فان البحث سوف يفقد موضوعيته،
ويحرّف عن مساره السليم، الذي يقوم على الاستنطاق لا التبرع بالنطق عنه. ولذلك
كفّر الإسلام العامل بالرأي، وتكفيره ينطلق من منطلق كفران العامل بالرأي
بالحقائق، وانسياقه وراء الأهواء التي هي لازمه للجهل، مما يعني غرق المتمسك برأيه
في تصوراته الخاطئة عن الأشياء، واستمراره على هذا
الخطأ، مما يورثه تخلّف واقعة ووقوعه في العذاب والعنت في حياته.
يمكن الوقوف على معالم التفكير
الاعتباري بتحليل نموذجين من حياة الإمام علي(ع)، لنرى من خلالهما،
كيف اعتمد على الاعتبار في فهم الوقائع والأحداث من حوله؟ وكيف سبر ظاهرها لينفذ إلى الغور، حيث الباطن الذي ترقد فيه الحقائق؟ لنصادق
بهذين النموذجين على الاعتبار، كمنهجً للتفكير عند رجل الإسلام الثاني.
النموذج الأول: نجده في تحليل الإمام علي للخلاف الواقع حول
التحكيم، الناشئ عن رفع المعسكر المناوئ المصاحف يدعو إلى تحكيم كتاب الله، فهذا
الحدث يعتبر آية يمكن اعتبارها بالنفوذ من ظاهرها إلى باطنها، لأن أولياء الله هم
الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، فإن أكثر الناس رأوا في
حروب علي مع معاوية إنها حرب إسلامية تدور رحاها بين فريقين ينتميان إلى الأمة
الإسلامية، فأخذوا بذلك الظاهر، بينما الإمام علي (ع ) وخواصه، لم يروا في الحرب
بينهم وبين معاوية، إلا حربا بين الإسلام والكفر، الذي يتبنى شعارات الإسلام، او
الإسلام المنافق، إن صح التعبير. لكن الإمام علي من منطلق أمر الرسول: «كلموا
الناس على قدر عقولهم»، حين كتب كتابه المتعلق بحربه مع معاوية، يشرح فيه لأهل
الأمصار ما جرى، كلّم الناس على قدر عقولهم، التي لا تبصر من الأشياء إلا ظاهرها،
فقال في كتابه: «وكان بدء أمرنا أنّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر ان
ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله
والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن
منه براءٌ!»[50]،
نص كتابه هذا ضلت فيه الكثير من عقول المعاصرين، وشرّاح
النهج، بينما الكلمة الفصل تتجلى في كلمة: «والظاهر ان ربنا واحد..»، فالإمام علي
الذي يتبنى التفكير العبوري، لا ينبغي ان يؤاخذه أحد بهذا الظاهر، إلا من جهل منطق
التفكير عنده، مما يدعو إلى البحث عن نص آخر يتحدث الإمام فيه عن «الباطن»، وهذا
النص نجده في نهج البلاغة، أيضا، فيما قاله للخوارج لما خرج إلى معسكرهم، وهم
مقيمون على إنكار الحكومة فقال (ع): «ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة
ومكراً وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا
واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم! فقلت لكم: هذا
أمر ظاهره إيمان و باطنه عدوان، وأوله رحمة، وآخرة ندامة، فاقبلوا على شأنكم،
وألزموا طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق: ان أجيب
أضل، وإن ترك ذلّ وقد رأيتكم أعطيتموها.. ولئن أبيتها ما وجبت عليّ فريضتها، ولا
حملني الله ذنبها والله ان جئتها إني للمحق الذي يتبع، وإن الكتاب لمعي ما فارقته
مذ صحبته»[51]
.
تحدث
الإمام علي في هذا النص، عن حدث رفع المصاحف، كحدث له «ظاهر» فيه الإيمان والرحمة
المنبثقة من اعتبار معاوية وأصحابه فئة مسلمة، بغت على فئة مسلمة أخرى، وقاتلتها
فوجب قتالها، فلما فاءت إلى الأمر، وأرادت الإصلاح نزولاً لحكم الله، ينبغي
الإصلاح بينها وبين الفئة الأخرى بالعدل والقسط، فواضح ان هذا المفهوم الظاهري،
قائم على النظر إلى معاوية وجماعته باعتبارها فئة مسلمة، ينطبق عليها قوله تعالى: (وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا
التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا، ان
الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون أخوة
فأصلحوا بين
أخويكم)9-10/49، فمنطق الخوارج استند إلى هذا التحليل في نظرته إلى حدث رفع
المصاحف، بينما رأي الإمام علي ان هذا التحليل ينخدع بالظاهر، لأن لهذا الظاهر
باطنا يكشف ان معاوية وقومه لا ينطلقون من منطلق الدين والكتاب، وان غايتهم من رفع
المصاحف هي تمكينهم من كسب الوقت لتعزيز قوتهم لمواصلة العدوان وانتزاع الخلافة،
فهي مكيدة تهدف إلى التضليل، ولكي نتعرف على هذا التحليل الباطني للإمام علي نقف
مع نص عمر بن سعد الذي يروي وقائع هذا الحدث الذي يستعرض تحليل الإمام علي له،
يقول عمر بن سعد: «لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن،
قال علي (ع) الله اني أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص،
وابن أبي المعيط وحبيب بن مسلمة، وابن أبى سرح، ليسوا
بأصحاب دين ولا قرآن، وإني بهم أعرف منكم، صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، وكانوا
شرّ أطفال وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها باطل، إنهم والله ما رفعوها، انهم
يعرفونها ويعلمون بها، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيرونني
سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا ان يقطع دابر الذين
ظلموا، فجاءه زهاء عشرين ألفاً مقنعين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم
وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكي،
وزيد حصين، وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بامره:
يا عليا أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه! وإلا قتلناك كما
قتلنا ابن عفان!! والله لنفعلنها إن لم تجبهم، فقال
لهم: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله، وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا
يسعني في ديني ان أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، أني أقاتلهم ليدينوا بحكم
القرآن، فإنهم قد كادوكم وإنهم ليسوا
العمل بالقرآن يريدون، قالوا: ابعث إلى الأشتر ليأتيك،
وقد كان الأشتر صبيحة ليله قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله»[52]
.
يحكي
هذا النص التاريخي تحليل الإمام علي لحدث رفع المصاحف، الذي رأى فيه ظاهراً
وباطناً، فالناس زهاء عشرين ألفاً كان متبنّاهم ظاهر
الحدث، لا يتجاوزونه إلى الباطن الكامن وراءه، ان حدث رفع المصاحف جعل الأمر
مشتبهاً على أهله، فرفع المصاحف يعني في الظاهر ان أصحاب معاوية يطالبون أصحاب علي
(ع) ان يقيلونهم عثرتهم، ويحاكمونهم إلى القرآن، فإن كان عليهم قبلوا، وان كان لهم
انصفوا. هذا هو ما فهمه الخوارج في بادئ الأمر: إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول
منهم والتنفيس عنهم. والإمام علي لكي يكشف المتشابه ويجلي الحقيقة الخافية، أعاد
الواقع المشتبه إلى الواقع التاريخي المحكم، انطلاقا من القاعدة العبورية: إذا
تشابهت الأمور اعتبر أخرها بأولها، فنظر في تاريخ قادة معسكر الشام: معاوية، عمرو
بن العاص، ابن أبي المعيط، حبيب بن سلمة،
ابن أبى السرح، رد الظاهر الذي يرى أن معاوية وحزبه
أرادوا الحق بدعوتهم لتحكيم الكتاب، إلى الباطن الذي رآه بإرجاع مقاصد معاوية
وحزبه إلى حقيقتهم، كما يحكيها التاريخ، ليعقد مقارنة بين الحاضر المشكوك والماضي
المتيقن، ليكتشف من خلال المقارنة، إن معاوية وحزبه ليسوا أهل دين ولا قرآن، فهم
على امتداد سيرتهم من طفولتهم، حتى أصبحوا رجالاً كانوا أشراراً، فلا يمكن أن
يصلحوا في هذه اللحظة، وبناء على ذلك ما الذي هدفوا إليه برفع
القرآن والدعوة إلى التحاكم إليه؟بالتفكير بمعطيات المعركة وما انتهت إليه من
نتائج اكتشف ان الهزيمة لا محالة واقعة في صفوف أهل الشام، وإنهم بالدعوة إلى
التحكيم إنما يريدون كسب الوقت لتلافي الهزيمة على أقل تقدير، هذا، إذا لم نضف إلى
ذلك إدراكهم أن دعوة التحكيم سينتج عنها من مضاعفات تشق الصفوف وتؤدي إلى الانهيار
بالاقتتال، وهو ما حدث. فوصل بهذه الحسابات التي تعتمد المنطق العبوري إلى النتيجة
التي مفادها: «إنها كلمة حق يراد بها باطل»، وإنها «الخديعة والوهن والمكيدة»،
«رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخديعة»، هذه العبارات توجز حكم الإمام علي في
المسألة، بناء على مقدمات نظرية مبنية على أساس المنطق العبوري، ومقارنات فيها
ينفذ من الظاهر إلى الباطن، ويرد المتشابه إلى أصله المحكم.
لقد
أشار الإمام علي إلى ما سيؤول إليه الأخذ بالظاهر بقوله: أمر ظاهره إيمان وباطنه
عدوان: أوله رحمه وأخره ندامة، مبيناً العاقبة التي سيؤول إليها الأخذ بهذا
الظاهر، فكان
ما تنبأ به من باطن فيه العدوان والندامة. لقد أدى القبول بالتحكيم، إلى انقسام
الجيش وافتراقه، وهم في طريق رجعتهم إلى الكوفة، وبروز فرقة الخوارج وأسفرت خدعة
التحكيم عن، تقاتل الفريقين أصحاب علي والخارجين عليه، وانهارت المعنويات، وانتهى
الأمر بقتل الخوارج للإمام علي غيلة في محرابه، فانكسر جيشه، الذي أعده في النخيلة، وتفرق ولم تقم له قائمة بعد هذه الفتنة، وأدى ذاك
إلى انتصار جيش الشام بهذه المكيدة الجهنمية، التي أعان على إنجاحها جهالة
الأتباع، فأدت إلى ندامة ما بعدها ندامة، تحول فيها القائد البصير مقوداً للعميان، الذين لا تتجاوز أبصارهم ظواهر الأمور، فتلجأ لتأييد
جهلها بالتهديد، والتلويح بالسلاح والحِراب، ليؤجلوا تاريخ انتصار الإسلام إلى
إشعار آخر، وآل أمر الأمة إلى ما ينظر من حولنا.
النموذج الثاني: لقد تنبأ الإمام علي (ع) بمستقبل حربه مع
معاوية قائلاً: «ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، أما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب
البلعوم»[53]،
«غداً.. تعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي»[54]،
والسؤال: كيف استطاع الإمام علي التنبؤ بهذا الواقع الذي يدل على هزيمته وانتصار
معاوية عليه؟ لنلتمس من هذه الإجابة الجانب التنبئي من المنطق العبوري.
يمكن
أن نجد الإجابة في بعض خطبه وما يروى عنه، ففي عملية مقارنة بين أصحاب الرسول (ص)
وأصحابه من أهل الكوفة، الذين هم مادة جيشه الذي يحارب به أهل الشام، يقول (ع):
«لقد رأيت أصحاب محمد (ص) فما أرى أحداً يشبههم منكم»[55] ، فالرسول تنبأ
بأن حروب الإمام علي امتداد لحرب التنزيل، وسماها بحروب التأويل. والرسول انتصر في حروبه على الكافرين، وعلي في حربه مع
المنافقين سيهزم، كما تشير المقارنة، لأن الجيل المحارب معه لا يملك مواصفات الجيل
المنتصر الذي عاضد الرسول (ص)، في وقت كانت الحرب في الأهداف والمنطلقات هي الحرب
ذاتها.
ولكن
لماذا؟ ألم يصنع الرسول رجاله الذين حارب بهم؟ لماذا لم
يصنع الإمام علي (ع) رجاله كما صنعهم الرسول؟،
يجيب الإمام علي متحدثاً عن الرسول في عملية صنعه
للرجال من حوله فيقول: «طبيب دوّار بطبه.. يضع ذلك حيث الحاجة إليه في قلوب عمي
وآذان صم والسنة بكم»[56]،
ويبين عملية صناعته للرجال، فيقول مخاطباً أهل الكوفة: «والله ما أسمعكم الرسول
شيئاً إلا وها أنا مسمعكموه، وما أسماعكم اليوم دون
أسماعكم بالأمس، ولا شقت لهم الأبصار، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الزمان إلا وقد
أُعطيتم مثلها في هذا الزمان ولا بصرتم شيء جهلوه، ولا أصفيتم به وحرموه»[57] ، فهذه المقولة تدل على ان
الإمام علي (ع) سعى لصناعة وتربية أصحابه كما سعى الرسول (ص)، فكما كان الرسول
طبيبا يضع دواءه في قلوب عمي وآذان صم وألسنة بكم
فيشفيها، كذلك فعل الإمام علي، فتمثّل دور الرسول بحذافيره، ولكن لم يصبح رجال علي
(ع)، كالرجال الذين كانوا حول الرسول (ص)، فنجده يصف أتباعه: «أُقومكم غدوة
وترجعون إلى عشية كظهر الحنية، عجز المقُوّم، وأعضل المُقوِم»[58] .
وفي
الوقت الذي ينفي وجود الشبه والتناظر بين رجاله ورجال الرسول، يصف أتباعه في
الخطبة ذاتها قائلاً: «يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو
كلام، وعمي ذوو أبصار»، مما يعني أن طبّه عجز عن شفائهم، ويخاطبهم (ع) في موقع آخر
بالقول: «مالي أراكم أشباحا بلا أرواح، وأرواحا بلا أشباح.. وناظرة عمياء وسامعة
صماء وناطقة بكماء»[59] ،
ومن جهة أخرى، يصف أهل الشام أصحاب معاوية، قائلا: العمي الأسماع، الكمه الأبصار،
الذين يلبسون الحق بالباطل»[60] ،
فنجد أنفسنا أمام عملية مقارنة، أصبح فيها أهل الكوفة نظائر لأهل الشام، وهذا يؤدي
إلى النتيجة: «قل من تشبه بقوم إلا وأوشك ان يكون منهم»[61]،
كما يقول (ع).
ولما
كان الإمام علي مبدئياً في قيادته وإدارته، لم يستطع إدارة أتباعه بطريقة معاوية،
وفي ذلك قال: «إني أعرف ما يصلحكم لكن لا افسد نفسي بإصلاحكم»[62]،
ولهذا استطاع معاوية إدارة وقيادة أهل الكوفة سراً بالطريقة نفسها التي أدار بها
أتباعه في الشام بالترهيب تارة، وبالترغيب بالعطايا والهبات تارة أخرى، فكاتب
معاوية أهل الكوفة وبعث لهم بالرسل بالتهديد أو الترغيب وحمل لهم صرر الهبات
والأموال، وهي الأساليب ذاتها التي رفض الإمام علي اعتمادها، وهكذا نجد رؤساء أهل
الكوفة ورجالها ينضوون بأتباعهم وقبائلهم تحت قيادة معاوية سرّاً، وينافقون الإمام
علي في ولائهم، ولأن السنة الإلهية كما يكشف عنها الإمام علي (ع) تقول: «كما
تكونوا يولىّ عليكم»[63]،
هذه السنة تُحتم أن معاوية هو الذي ينبغي أن يرتفع إلى سدة الحكم، لان مواصفات
القاعدة الجماهيرية الممتدة من الشام إلى الكوفة، تتناسب مع معاوية كمثل أعلى، بعد
التحولات التي أحدثتها الحروب، لهذا نجد التباين واضحاً بين الإمام علي والقاعدة
التي انتهى بالوقوف على رأسها، هذا التباين واللا
انسجام نجده في قوله: «اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم
خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني»[64]،
وهذه الدعوة بالإبدال تُعبر عن السنة الإلهية المشار إليها، والتي تملك صفة
الحتمية، وقد حدثت باغتيال الإمام علي (ع) من قبل أهل الكوفة، والذين سئموا منه*، ومجيء معاوية ليحكم البلاد
الإسلامية من الشام إلى الكوفة، بعد ان كانت كل منهما قطب يتناقض مع الآخر.
الخلاصة:
ان هذا التحليل يكشف عن المنطق العبوري الكامن في خلفية نبوءة الإمام علي برحيله
وهزيمته، وانتهاء الأمر إلى معاوية، وهذا التحليل يقوم على أساس توظيف ذات منهج
الاعتبار، ليمكننا من قراءة النصوص في بعضها تأويلا، ليكشف عن طريقة تفكير الإمام
علي في استشرافه للمستقبل بالمنطق ذاته المتبني للإمام. فالإمام يقارن بين أصحابه
وأصحاب الرسول باعتبار ان أصحاب الرسول جيل الرسالة الأول، وأصحاب علي جيل الرسالة
الثاني، ولأن من مواصفات الجيل الأول انه منتصر، فتشابه أمر الجيل الثاني بين
الهزيمة والانتصار حين يقرن بالجيل الأول يجد الإمام مباينة
بين الجيلين، فيستدل من خلال هذه المقارنة، بأن الجيل الذي سيقوده جيل هزيمة، هذا
ما يحتمه الاعتبار. ثم يقوم بتحليل مقارن آخر بين أهل
الكوفة وأهل الشام، فيجد ان التشابه والتناظر قائم بينهما، وفي ظل السنة الإلهية
«كما تكونوا يولىّ عليكم»، ينتهي هذا التحليل المقارن بإثبات النتيجة السالفة
نفسها، وهي ان الهزيمة واقعة لا محالة، وتضيف هذه المقارنة ان معاوية سَيلي الأمر
من بعده، لان مواصفات القاعدة من الكوفة إلى الشام متناسبة مع معاوية كمثل أعلى.
إنها عملية تفكير منهجية تقوم بالاستدلال عن طريق إثبات النتيجة من خلال النظير،
ونفوذ من الظاهر إلى الباطن، ثم تكرار عملية النفوذ بهدف المصادقة على النتيجة
الأولى، فتتأكد النتيجة ويتعمق اليقين بها، ويضاف إليها بُعد جديد، إنها عملية
قائمة على قاعدة: «اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها. فإن بعضها يشبه بعضاً
وأخرها لاحق بأولها»، وعلى قاعدة: «اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه».
[45]
الإمام علي، نهج البلاغة، خطبة
91 .
[46]
نهج البلاغة،
خطبة 221 .
[47]
نهج البلاغة،
خطبة 221 .
[48]
نهج البلاغة،
خطبة 149 .
[49]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 281 .
[50]
نهج البلاغة، كتاب
58 .
[51]
نهج البلاغة، خطبة
122 .
[52]
المنقري، وقعة صفين،
489-490.
[53]
الإمام علي، نهج البلاغة،
خطبة 57 .
[54]
نهج البلاغة،
خطبة 149 .
[55]
نهج البلاغة، خطبة
97 .
[56]
نهج البلاغة،
خطبة 108 .
[57]
نهج البلاغة،
خطبة 89 .
[58]
نهج البلاغة،
خطبة 97 .
[59]
نهج البلاغة،
خطبة 108 .
[60]
نهج البلاغة، كتاب
33 .
[61]
نهج البلاغة، قصار
الحكم 207 .
[62]
نهج البلاغة،
خطبة 69 .
[63]
الهندي، كنز العمال، ح
1497 .
[64]
نهج البلاغة، خطبة
(25).